الكاتب "بوشعيب حمراوي"
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
من تقارير متناقضة حول أحداث سبتة إلى تحقيق قضائي ودعوات لسحب السفير ومبادرات برلمانية تمس ملف الصحراء… المغرب يريد جوارًا مسؤولًا، لا علاقة يُستدعى فيها عند الحاجة ويُهاجَم عند اشتداد الصراع السياسي
كان بلاغ وزارة الشؤون الخارجية المغربية محسوب الكلمات، هادئ النبرة، شديد الحرص على إبقاء الأبواب مفتوحة أمام العقل والدبلوماسية. وهذا مفهوم؛ لأن الدول لا تتحدث بلغة الغضب الشعبي، ولا تصوغ مواقفها بالطريقة التي يكتب بها أصحاب الرأي، خصوصًا حين يتعلق الأمر بدولة جارة تجمعها بالمغرب حدود ومصالح اقتصادية وأمنية واستراتيجية، لا تسمح بتحويل كل خلاف إلى معركة مفتوحة.
لكن ما لا تستطيع الخارجية قوله بهذه الصراحة، يستطيع المواطن والكاتب المغربي أن يقوله: المغرب ليس حارس حدود لدى إسبانيا، وليس شرطيًا مجانيًا لأوروبا، وليس ورقة انتخابية ترفعها الأحزاب الإسبانية كلما اقتربت صناديق الاقتراع، وليس دولة مطالبة بأن تقدم كل يوم شهادات حسن السلوك لجار يستفيد من تعاونها اقتصاديًا وأمنيًا، ثم يسمح لبعض مؤسساته وأحزابه وإعلامه بأن يضعها باستمرار في قفص الاتهام.
ونحن، حين ندافع عن المغرب، لا ندعو إلى خصومة مع الشعب الإسباني، ولا إلى نسف علاقة يحتاج إليها البلدان معًا، ولا نزعم أن كل المؤسسات الإسبانية تتبنى الموقف نفسه. بل بالعكس؛ إن جزءًا كبيرًا من الأزمة الحالية سببه أن إسبانيا نفسها تبدو وكأنها تتحدث بأكثر من صوت، وأن ما تقوله حكومتها لا ينسجم دائمًا مع ما يصدر عن بعض أجهزتها أو أحزابها أو مؤسساتها.
من نصدق في إسبانيا؟
لنبدأ من أحداث سبتة في 30 و31 يوليوز، لأنها أصبحت المادة الأكثر استعمالًا في توجيه الاتهامات إلى المغرب.
الروايات الإسبانية نفسها لم تقدم، إلى اليوم، قصة واحدة متماسكة يمكن بناء اتهام سياسي خطير عليها. ففي 3 شتنبر، أعلن رئيس الحكومة بيدرو سانشيز أمام البرلمان أنه لا توجد، حتى ذلك التاريخ، أدلة صلبة تثبت أن السلطات المغربية هي التي دبرت موجة العبور الجماعي، وأكد أن الأجهزة الاستخباراتية لم تقدم له دليلًا حاسمًا على وجود تخطيط مغربي.
لكن تقريرًا أعده مركز تابع للشرطة الوطنية الإسبانية اتخذ اتجاهًا مختلفًا، وتحدث عن عملية مخططة وعن سلوك لعناصر مغربية اعتبره التقرير مسهلًا للعبور، وهو التقرير الذي أصبح جزءًا من مسطرة قضائية فتحتها قاضية بالمحكمة الوطنية الإسبانية للتحقيق في ملابسات ما وقع.
ثم ظهرت مفارقة أخرى أكثر إثارة للأسئلة، حين كشفت وثائق استخباراتية إسبانية رفعت عنها السرية أن جهاز الاستخبارات الإسباني كان قد وجه تحذيرات قبل الأحداث بشأن دعوات وتحركات تهدف إلى تنفيذ عبور جماعي نحو سبتة، وأن هذه المعلومات وصلت إلى جهات إسبانية ومغربية قبل الانفجار الكبير للأزمة.
وهنا يصبح من حق المغربي أن يسأل: إذا كانت المؤسسات الإسبانية نفسها غير متفقة حول تفسير ما وقع، وإذا كان رئيس الحكومة الإسبانية يقول إنه لا يملك دليلًا على أن المغرب دبر العملية، وإذا كانت أجهزة الاستخبارات تعلم بوجود تعبئة إلكترونية وتحذيرات قبل يوم من الأحداث، فعلى أي أساس يتحول الاتهام السياسي للمغرب إلى حقيقة جاهزة يرددها البعض؟
ليس مطلوبًا من إسبانيا أن تغلق التحقيق، بل المطلوب أن تحقق بكل استقلالية، وأن تكشف الحقيقة كاملة؛ لأن المغرب نفسه يحتاج إلى معرفة من حرك عشرات الآلاف من البشر، ومن نشر الدعوات، ومن مول أو نظم أو ضخم تلك التعبئة، وكيف تحولت إشارات رقمية وتحذيرات أمنية إلى واحدة من أكبر أزمات الهجرة التي عرفتها المنطقة.
لكن التحقيق شيء، وإدانة دولة قبل ظهور النتائج شيء آخر تمامًا.
المغرب يوقف المهاجرين… ثم يُتهم لأنه لم يوقفهم جميعًا
هناك مفارقة أخرى لا يجوز تجاهلها. فبعد أحداث يوليوز، كثفت السلطات المغربية تحركاتها لمنع محاولات عبور جديدة نحو سبتة، وجرى توقيف أشخاص كانوا يستعدون للهجرة غير النظامية، وتعزيز الانتشار الأمني في الشمال، في الوقت الذي رفعت فيه إسبانيا بدورها مستوى التأهب على الجانب الآخر من الحدود.
وهذا يعيدنا إلى السؤال الجوهري: ما الذي تريده بعض الأطراف الإسبانية تحديدًا من المغرب؟
هل تريد منه أن يحرس حدود إسبانيا إلى ما لا نهاية؟ وأن يمنع كل إنسان من الوصول إليها؟ وأن يتحمل وحده كلفة مكافحة شبكات الهجرة والاتجار بالبشر؟ ثم، إذا نجح، قيل إن الأمر واجبه، وإذا وقعت ثغرة أو انفجر تدفق استثنائي، قيل إنه هو من دبره؟
إن الهجرة ليست زرًا تملكه الرباط، فتفتحه وتغلقه متى شاءت، بل ظاهرة معقدة تحركها البطالة والفقر والحروب وشبكات الاتجار بالبشر والإشاعات ومنصات التواصل الاجتماعي والفوارق الاقتصادية الهائلة بين ضفتي المتوسط.
ومن غير المنصف أن يتم اختزال كل تلك العناصر في نظرية واحدة عنوانها: «المغرب فعل ذلك».
القاصرون… إسبانيا تريد إعادتهم والمغرب يطلب إعادتهم، فأين المشكلة؟
والأغرب أن ملف القاصرين يكشف تناقضًا إضافيًا. فالمغرب أعلن رغبته في استعادة القاصرين المغاربة غير المصحوبين الموجودين في إسبانيا، بينما تنص اتفاقات قائمة بين البلدين أصلًا على التعاون بشأن إعادة هؤلاء القاصرين، في ظروف تحمي مصالحهم وحقوقهم. ومع ذلك، يستمر الملف سنوات داخل متاهة إدارية وقضائية وسياسية معقدة.
وإذا كانت بعض الأحزاب الإسبانية تصرخ مطالبة بإعادة القاصرين إلى المغرب، والمغرب بدوره يقول: أعيدوا أبناءنا وفق المساطر والضمانات، فمن الذي يعطل الحل إذن؟
من السهل جدًا رفع شعار «أعيدوهم إلى المغرب»، لكن الدولة لا تستلم أطفالًا كما تُسترجع شحنة بضائع؛ فهناك إثبات للهوية والأسرة، ومصلحة للقاصر، ومساطر قانونية والتزامات دولية يجب احترامها.
ولهذا كانت الخارجية المغربية محقة حين أعادت السؤال إلى أصحابه في إسبانيا، بدل السماح باستمرار تقديم المغرب وكأنه الطرف الرافض لكل حل.
أخطر ما يحدث: تحويل المغرب إلى «منتوج انتخابي»
الخطر الحقيقي اليوم لا يوجد فقط في الملفات الأمنية أو القضائية، بل في الطريقة التي أصبح بها اسم المغرب مادة جاهزة داخل الصراع السياسي الإسباني.
حزب «فوكس» ذهب إلى حد طرح مبادرات تطالب بتعليق معاهدة الصداقة مع المغرب، واستدعاء السفيرة المغربية، بل وسحب السفير الإسباني من الرباط إذا استمرت الخلافات المتعلقة بسبتة ومليلية.
وهنا نخرج من مجال التحقيق في واقعة محددة إلى خطاب يريد إعادة العلاقات بين بلدين جارين عقودًا إلى الوراء.
قد تربح بعض الأحزاب أصواتًا كلما رفعت مستوى التوتر مع المغرب، لكن ماذا ستربح إسبانيا إذا دمرت علاقة استراتيجية مع جار يفصلها عنه بضعة كيلومترات، وتتقاسم معه التجارة والأمن والهجرة ومحاربة الإرهاب وملفات الطاقة والاستثمار والتحضير المشترك لمونديال 2030؟
الدول الجادة لا تدير الجوار بمنطق استطلاعات الرأي.
وحتى ملف الصحراء يُستحضر من جديد. ففي خضم هذا المناخ، أقر مجلس النواب الإسباني، اليوم 10 شتنبر، تشريعًا يتيح إمكانية الحصول على الجنسية الإسبانية لفئات من الصحراويين المولودين خلال فترة الإدارة الاستعمارية الإسبانية، ويمتد أثره إلى أحفادهم وفق الشروط الواردة في النص، في خطوة قد تشمل أعدادًا كبيرة، قبل استكمال التشريع مساره داخل مجلس الشيوخ.
من حق إسبانيا أن تناقش تاريخها الاستعماري ومسؤوليتها القانونية والإنسانية تجاه من كانوا خاضعين لإدارتها، ومن حق برلمانها التشريع وفق دستوره، لكن من حق المغرب أيضًا أن يتساءل عن توقيت بعض المبادرات وعن آثارها السياسية، وعن سبب عودة ملفات شديدة الحساسية إلى الواجهة كلما توترت العلاقات أو اشتد الصراع الداخلي الإسباني.
خصوصًا أن إسبانيا نفسها كانت قد دشنت، منذ أبريل 2022، مرحلة جديدة مع المغرب، قائمة رسميًا على الشفافية والاحترام المتبادل والامتناع عن الأعمال الأحادية، وأعادت، في آخر اجتماع رفيع المستوى، التأكيد على استمرار هذه الشراكة وعلى موقفها من مبادرة الحكم الذاتي المغربية.
لا يمكن بناء الثقة بلغة في الاجتماعات الثنائية، ولغة مختلفة تمامًا عندما تبدأ الحملات السياسية.
الشراكة ليست هدية إسبانية للمغرب
ويجب كذلك التخلص من فكرة تظهر أحيانًا في بعض الخطابات الإسبانية، وكأن التعاون مع المغرب فضل تقدمه مدريد إلى الرباط.
إسبانيا هي الشريك التجاري الأول للمغرب منذ سنوات، والتبادل الاقتصادي بين الطرفين بعشرات المليارات من اليوروهات، والاستثمارات والمصالح والمشاريع متداخلة، كما أن التعاون الأمني، والتنسيق في مجال الهجرة ومحاربة الإرهاب، يخدم أمن البلدين معًا، لا إسبانيا وحدها. وفي الإعلان المشترك الأخير، وصف البلدان علاقتهما بأنها علاقة استراتيجية تخدم الاستقرار والازدهار المشتركين.
إذن، لا أحد يقدم صدقة لأحد.
إسبانيا تحتاج إلى المغرب كما يحتاج المغرب إلى إسبانيا، والرباط ليست الطرف الضعيف الذي ينتظر رضا مدريد، كما أن مدريد ليست خصمًا ينبغي للمغرب البحث عن معركة معه.
العلاقة الحقيقية بين الدول تُبنى على توازن المصالح وتوازن الاحترام.
المغرب ليس مطالبًا بالصمت حتى يثبت أنه «جار جيد»
لقد اختارت الخارجية المغربية في بلاغها لغة هادئة، وهذا دور الدبلوماسية.
أما نحن، فمن حقنا أن نقول إن الصبر الدبلوماسي لا ينبغي تفسيره ضعفًا، وإن الحرص المغربي على استقرار العلاقات لا يعني قبول أي اتهام، وإن احترام المؤسسات الإسبانية لا يلزمنا بالصمت أمام مبادرات نراها غير منصفة أو مستفزة أو غامضة.
ومن حقنا كذلك أن نطالب إسبانيا، دولة وحكومة وأحزابًا وإعلامًا وقضاءً، كل حسب موقعه واختصاصه، بأن تتذكر أن الاتهام الموجه إلى دولة ليس عنوانًا صحفيًا عابرًا، وأن الإيحاء بتورط أجهزة دولة جارة في عملية تمس «سلامة الدولة» اتهام بالغ الخطورة، يحتاج إلى أدلة تناسب خطورته.
فإما أن توجد تلك الأدلة فتُعرض بشفافية، وإما ألا توجد، وعندها يجب التوقف عن بناء العلاقات الدولية على الشبهات.
الجوار لا يعني أن يكون المغرب دائمًا في قفص الاتهام
نحن لا نريد عداوة مع إسبانيا.
نريد إسبانيا قوية ومستقرة وشريكة للمغرب، ونريد البحر المتوسط مساحة تعاون لا خندق مواجهة، ونريد أن يتحول القرب الجغرافي إلى فرص اقتصادية وتنموية وإنسانية ضخمة للشعبين.
لكن الصداقة الحقيقية لا تقوم على أن يضبط المغرب حدوده حين تحتاجه إسبانيا، ويحارب الإرهاب حين تحتاجه إسبانيا، ويتبادل معها التجارة والاستثمار حين تحتاجه إسبانيا، ثم يجد نفسه فجأة متهمًا ومهددًا ومادة للمزايدة حين تحتاج بعض الأحزاب الإسبانية خصمًا انتخابيًا.
المغرب ليس حارسًا لحدود إسبانيا، وليس أصلًا تجاريًا في بورصة الانتخابات الإسبانية، وليس كبش فداء لأزمة سياسية داخلية لم يصنعها.
ومن أراد المغرب شريكًا، فعليه أن يعامله كشريك.
أما أن تكون الرباط حليفًا حين يتعلق الأمر بالأمن والهجرة والتجارة، وخصمًا جاهزًا حين تقترب الانتخابات، فهذه ليست شراكة استراتيجية، وإنما علاقة انتقائية لن تستطيع أي دبلوماسية، مهما بلغ صبرها، أن تحميها إلى الأبد.
ويبقى السؤال الذي ينبغي أن يُطرح في مدريد قبل الرباط:
هل تريد إسبانيا فعلًا بناء مستقبل استراتيجي مع المغرب، أم أن بعض أطرافها ما تزال أسيرة ماضٍ، كلما حاول البلدان تجاوزه، أعادته السياسة والحسابات الانتخابية إلى الواجهة؟
تحطم كبش الفداء أمام الأسد الأطلسي