2026 أبريل 28 - تم تعديله في [التاريخ]

هل إصلاح المحاماة يبدأ من الأستاذ الجامعي أم من تفكيك القيود؟



*العلم الإلكترونية: الدكتورة أسماء لمسردي*

يبدو طرح وزير العدل المغربي عبد اللطيف وهبي حول استقطاب الأساتذة الجامعيين لمهنة المحاماة وكأنه خطوة إصلاحية جريئة تعيد وصل ما انقطع بين الجامعة وقاعة المحكمة. غير أن السؤال الحقيقي الذي يتجاهله هذا النقاش ليس: هل نريد الأستاذ في المحاماة؟ بل: أي محاماة نريد أصلا؟

الانبهار بفكرة "الكفاءة الأكاديمية" يخفي أحيانا خللا أعمق في بنية المهنة نفسها. فالمحاماة ليست في حاجة إلى أسماء اعتبارية بقدر ما هي في حاجة إلى تحرير شروط الولوج إليها من قيود أصبحت في كثير من الحالات أقرب إلى الحواجز منها إلى معايير الجودة. وحين يطرح إدماج الأستاذ الجامعي كمدخل للإصلاح، دون مساس فعلي بمنظومة التنافي والتكاليف ومدة التمرين، فإننا نكون أمام تجميل للواجهة لا أكثر.

لا أحد ينكر أن الأستاذ الجامعي في القانون يمثل قيمة علمية مضافة. لكن اختزال الإصلاح في "استقطاب النخبة الأكاديمية" يحمل في طياته نوعا من التمويه. فالمشكلة ليست في غياب الأساتذة عن المهنة، بل في شروط تجعل المهنة نفسها مغلقة أو مرهقة على فئات واسعة من الكفاءات الشابة. كيف يمكن الحديث عن الانفتاح بينما تظل رسوم الانخراط مرتفعة وغير موحدة، ومدة التمرين طويلة، وقواعد التنافي صارمة إلى حد الإقصاء؟

وفي العمق، تكمن الإشكالية أيضا في طريقة فهم العلاقة بين الجامعة والمهنة. فليس المطلوب أن يتحول الأستاذ الجامعي إلى محام كشرط لتجديد المهنة، بقدر ما ينبغي إعادة التفكير في الحدود الصارمة التي تفصل بين المجالين. فالفصل الشديد بين النظرية والتطبيق أفرز أحيانا فجوة معرفية داخل الممارسة القانونية نفسها، حيث يغيب التأصيل العلمي العميق عن بعض جوانب الترافع، كما تغيب التجربة العملية عن بعض التكوينات الأكاديمية. لذلك، فإن أي إصلاح حقيقي يجب أن ينطلق من تصور تكاملي يجعل من الجامعة شريكا معرفيا دائما للمهنة، لا مجرد خزان بشري يتم استدعاؤه عند الحاجة الرمزية للإصلاح.

المفارقة أن دولا مثل فرنسا وبلجيكا والولايات المتحدة لم تجعل من الأستاذ الجامعي "استثناء إصلاحيا"، بل جزءا طبيعيا من منظومة مرنة. هناك، لا يقاس الإصلاح بمن يدخل المهنة، بل بكيفية تنظيم الولوج إليها. لذلك نجد تقليصا في التكوين، واعترافا بالخبرة الأكاديمية، وتخفيفا من منطق التنافي لصالح التكامل بين الجامعة والممارسة.

أما في السياق المغربي، فإن إدماج الأساتذة دون مراجعة شاملة للمنظومة، قد يتحول إلى خطوة رمزية أكثر منها بنيوية. والأسوأ أنه قد يخلق انطباعا بأن الإصلاح قد تحقق، بينما جوهر الإشكال ما زال قائما: مهنة تعاني من كلفة ولوج مرتفعة، وتعدد في القيود، وضعف في إعادة تعريف العلاقة بين التكوين والممارسة.

إن الخطر الحقيقي في هذا النقاش هو تحويل الأستاذ الجامعي إلى "عنوان إصلاحي" بدل جعله جزءا من إصلاح أوسع. فالقيمة ليست في إضافة فئة إلى المهنة، بل في إعادة بناء قواعدها على أساس الإنصاف والمرونة. وإلا فإننا سننتقل من إقصاء صريح إلى انتقائية مقنعة، تبقي الباب ضيقا وتغير فقط هوية من يطرقونه.

الأخطر من ذلك أن يختزل الإصلاح في خطاب "الكفاءة"، بينما تترك الشروط المادية والتكوينية على حالها. فالكفاءة لا تستدعى بقرار، بل تنتجها بيئة مهنية عادلة. وحين تختل هذه البيئة، يصبح الحديث عن الجودة مجرد شعار جميل فوق واقع متصلب.

في النهاية، ليست المشكلة في الأستاذ الجامعي، بل في فكرة الإصلاح نفسها: هل نريد فعلا إعادة هندسة المهنة، أم نبحث فقط عن واجهة جديدة لقديم لم يمس؟



في نفس الركن