2026 يوليو/جويلية 22 - تم تعديله في [التاريخ]

هل تُسقط الهجرة حقك في الحياة وحقك في المحاكمة العادلة؟



*العلم الإلكترونية: فوزية أورخيص*

هل يفقد الإنسان حقه في الحياة بمجرد أن يصبح مهاجراً؟ وهل يمكن أن تتحول حالة نفسية مضطربة، أو تصرف انفعالي، إلى مبرر لاستخدام قوة تنتهي بالموت؟ ثم أين يختفي الحق في المحاكمة العادلة عندما يصبح الحكم الفعلي هو الموت في الشارع، قبل أن يقول القضاء كلمته؟

هذه الأسئلة لا تخص عبد الرحيم فقير وحده، بل تمس جوهر منظومة حقوق الإنسان التي تدّعي الدول الديمقراطية أنها قامت على صونها. فحين يفارق مهاجر مغربي، يبلغ من العمر اثنين وأربعين عاماً، الحياة أثناء تدخل أمني بمدينة بولونيا الإيطالية، فإن القضية تتجاوز حدود حادث فردي، لتصبح اختباراً حقيقياً لمدى احترام الحق في الحياة، وهو أول الحقوق وأقدسها.

تشير المعطيات المتداولة إلى أن الشرطة تدخلت بعد بلاغ عن حالة هياج كان يعيشها عبد الرحيم فقير. وخلال التدخل استُخدم رذاذ الفلفل، ثم قُيّدت يداه بأربطة بلاستيكية، وأُخضع بالقوة الجسدية قبل أن يتعرض لسكتة قلبية أنهت حياته. وبين الرواية الرسمية وأسئلة الرأي العام تبقى حقيقة واحدة لا يمكن إنكارها:  أن الرجل كان دخل في حالة من الهيجان حيا  و خرج منها جثة هامدة بعد دقائق من تدخل أمني .

في الدول التي تؤمن بسيادة القانون، لا يُحاكم الناس في الشوارع، ولا تُنفذ الأحكام بأيدي رجال الأمن. وظيفة الشرطة هي حماية الأرواح، لا أن تتحول إلى مصدر للخطر عليها. وحتى عندما يكون الشخص في حالة اضطراب أو يشكل تهديداً، فإن القانون الدولي يفرض أن يكون استخدام القوة ضرورياً، ومتناسباً، ومحدوداً بالقدر اللازم لحماية الجميع، وليس سبباً في إنهاء حياة الإنسان.

لقد كرست المواثيق الدولية، وفي مقدمتها الإعلان العالمي لحقوق الإنسان والعهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، أن الحق في الحياة حق ملازم لكل إنسان، لا يميز بين مواطن وأجنبي، ولا بين مهاجر ومقيم، ولا بين شخص سليم وآخر يعاني أزمة نفسية. كما أن الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان تلزم السلطات بحماية الأرواح وإجراء تحقيقات مستقلة وفعالة كلما انتهى تدخل أمني بوفاة شخص.

من هنا، فإن القضية لا تتعلق فقط بملابسات وفاة عبد الرحيم فقير، وإنما أيضاً بمدى احترام الدولة الإيطالية لالتزاماتها القانونية والأخلاقية. فالتحقيق الحقيقي لا ينبغي أن يكون مجرد إجراء شكلي يبرر الرواية الرسمية، بل يجب أن يجيب عن أسئلة دقيقة: هل كان استخدام رذاذ الفلفل ضرورياً؟ وهل كان تثبيت الرجل بهذه الطريقة متناسباً مع حالته؟ وهل روعيت البروتوكولات الطبية الخاصة بالتعامل مع شخص في أزمة نفسية؟ وهل كان بالإمكان إنقاذ حياته لو تم التعامل معه باعتباره مريضاً يحتاج إلى إسعاف بدل اعتباره خطراً يجب إخضاعه بالقوة؟

المؤلم في مثل هذه القضايا أن الضحية غالباً ما تتحول، بعد وفاتها، إلى متهم. يبدأ الحديث عن "هياجه" أو "سوابقه" أو "حالته النفسية"، وكأن شيئاً من ذلك يمكن أن يبرر انتهاء حياته أثناء وجوده تحت سيطرة الشرطة. لكن دولة القانون لا تُبنى على تبرير النتائج، بل على مساءلة الوسائل التي أوصلت إليها.

إن احترام حقوق المهاجرين ليس امتيازاً تمنحه الدول متى شاءت، بل التزام قانوني وأخلاقي. فالمهاجر، مهما كانت وضعيته القانونية، لا يفقد إنسانيته عند عبور الحدود، ولا تسقط عنه الحماية بسبب جنسيته أو لون بشرته أو لغته أو وضعه الاجتماعي. وإذا قبل العالم بأن تكون حياة المهاجر أقل قيمة من حياة غيره، فإنه يهدم أحد أهم المبادئ التي قامت عليها منظومة حقوق الإنسان بعد الحرب العالمية الثانية.

ولا تقع المسؤولية على الدولة المضيفة وحدها. فالدول الأصلية، ومنها المغرب، مطالبة هي الأخرى بالدفاع عن مواطنيها في الخارج، ومتابعة ظروف وفاتهم أو تعرضهم لانتهاكات، وضمان حصول أسرهم على الحقيقة والعدالة. فالحماية القنصلية ليست مجرد إجراء إداري، بل هي واجب تجاه المواطنين أينما وجدوا.

إن قضية عبد الرحيم فقير يجب ألا تنتهي بخبر عابر أو ببيان رسمي مقتضب. إنها مناسبة لفتح نقاش أوسع حول طرق تعامل الأجهزة الأمنية مع الأشخاص الذين يعيشون اضطرابات نفسية، وحول التدريب على بدائل استخدام القوة، وحول ضرورة وجود رقابة مستقلة على التدخلات التي تنتهي بإزهاق الأرواح.

لقد فقدت أسرة عبد الرحيم ابناً وأخاً وزوجا، لكن المجتمع الدولي قد يفقد شيئاً أكبر إذا مرت هذه القضية دون مساءلة، وهو الثقة في أن القانون يحمي الجميع بالتساوي. فالعدالة لا تُقاس بطريقة تعاملها مع الأقوياء، بل بقدرتها على حماية الأضعف، والمهاجر غالباً ما يكون الحلقة الأكثر هشاشة.

في النهاية، يبقى السؤال الذي يجب أن يؤرق الضمير الإنساني: إذا كان الإنسان يمكن أن يفقد حياته وهو مكبل اليدين وتحت سيطرة الدولة، فمن الذي يحمي حقه في الحياة؟ وإذا أصبح الموت بديلاً عن المحاكمة، فما الذي يبقى من دولة القانون؟

إن عبد الرحيم فقير ليس مجرد اسم في سجل الوفيات، بل هو قضية حقوقية وإنسانية تستحق كشف الحقيقة كاملة، ومحاسبة كل من يثبت تقصيره أو تجاوزه، لأن كرامة الإنسان لا تعرف جنسية، والحق في الحياة لا يسقط بالهجرة، والعدالة لا ينبغي أن تتوقف عند حدود الوطن.



في نفس الركن