السلاح النووي في قلب الحسابات الدولية.. هل تتحول المواجهة مع إيران إلى منعطف يغيّر موازين العالم؟
الكاتب عمر نجيب
★ العلم الإلكترونية - بقلم: عمر نجيب ★
حرب الخليج عام 1991 خلقت عالم ما بعد الحرب الباردة، وحرب إيران في عام 2026 قد أنهته.
بينما تتسارع وتيرة استفحال الأزمة الاقتصادية في جميع أنحاء العالم لأسباب عديدة، في مقدمتها تبعات الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وتفرعاتها، ومع اقتراب سنة 2026 من نهايتها، يُطرح في كل يوم يمر سؤال عن موعد عودة الانفجار الواسع في الحرب الدائرة في الشرق الأوسط أو منطقة غرب آسيا، لأنه لا يظهر حتى الآن أي ضوء في مسار التوصل إلى تسوية سلمية.
الرئيس الأمريكي ترامب وطاقمه الرئاسي في البيت الأبيض يخلقان، بتصريحاتهما المتقلبة، حالة من عدم اليقين، ويزيدان من اضطرابات الأسواق؛ فبين الحسم في الصراع بالحرب التي ستركع طهران وتزيلها من الوجود، والتفاؤل بقرب التوصل إلى اتفاق ينهي أزمات الطاقة وسلاسل التوريد وغيرها، تتباين التصريحات، بينما يكسب البعض بفضل هذه الاضطرابات ماديًا، ويخسر آخرون.
يفسر البعض هذه التقلبات بغياب استراتيجية واضحة للبيت الأبيض في الصراع، وتعرضه للضغوط التي تمارسها عليه تل أبيب وجماعات الضغط الموالية لها، التي لا تريد سوى نهاية للصراع تقوم على الهزيمة الكاملة لطهران، وتولي سلطة موالية للغرب الحكم فيها، أو تقسيم إيران إلى دويلات على أساس طائفي وعرقي، وهو أمر من شأنه تصفية إحدى القوى الإقليمية التي تهدد بعرقلة مشروع إسرائيل الكبرى.
منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران بوساطة باكستانية، والتي وُصفت بـ«مذكرة تفاهم إسلام آباد» في 17 يونيو 2026، تم وقف العمليات العسكرية الكبرى المتبادلة، واقتصر الأمر على الضربات المحدودة. ولكن بدلًا من التقدم نحو التسوية وتهيئة الأجواء لمفاوضات أشمل، دخل الجميع في متاهة من التفسيرات المتناقضة والتوقعات المتضاربة والاستعدادات للحرب.
في الولايات المتحدة وإسرائيل وكثير من الأوساط الغربية، راج القول إن مبادرة التفاهم تشكل اعترافًا ضمنيًا من واشنطن بخسارتها للحرب ضد طهران وضرورة التراجع عنها.
وبُرر تراجع واشنطن عن مبادرة التفاهم وانهيار التهدئة المؤقتة بمجموعة من الأسباب الميدانية والسياسية والخلافات الجوهرية حول بنود المذكرة وتفسيرها.
وتتلخص أبرز الأسباب وراء هذا التراجع فيما يلي:
* الخلاف الحاد حول تفسير البنود المتعلقة بمضيق هرمز: شكل ملف أمن الملاحة في مضيق هرمز شرارة رئيسية لانهيار التهدئة، حيث أدى استهداف السفن التجارية والمواجهات العسكرية المتبادلة في الميدان البحري إلى إعلان واشنطن انتهاء مفاعيل الاتفاق المؤقت.
* الخلاف الجوهري حول الأصول المالية المجمدة: أُثيرت خلافات حادة حول «البند 11» المرتبط بآلية وكيفية استخدام إيران لأموالها التي سيرفع التجميد عنها (مثل الأموال المودعة في قطر). فبينما أصرت الإدارة الأمريكية على أن تخضع الأموال لرقابة تضمن إنفاقها فقط على سلع أساسية محددة، رفضت طهران ذلك، متمسكة بحقها الكامل في التصرف بها.
* تسريب تفاصيل الاتفاق: تسبب قيام وسائل إعلام إيرانية رسمية وغربية بنشر مسودات وبنود من الاتفاق تضمنت معلومات حول مكاسب مالية واعترافات اقتصادية لصالح طهران، في إثارة حساسية بالغة وانزعاج لدى إدارتي دونالد ترامب ونتنياهو، لما أحدثه ذلك من ضغوط وانطباعات سلبية داخل الساحة السياسية الأمريكية.
* تباعد الأولويات وشروط طاولة المفاوضات: تصر واشنطن على أن يشمل أي تفاهم تفكيكًا كاملًا للبرنامج النووي الإيراني، وتراجعًا في مخزون اليورانيوم عالي التخصيب والقدرات الصاروخية الباليستية، في حين ترفض طهران تقديم أي «تنازلات مسبقة»، وتشترط رفعًا فوريًا شاملًا للحصار الاقتصادي والبحري قبل الخوض في التفاصيل.
* التحول إلى استراتيجية «الخنق الاقتصادي»: فضل البيت الأبيض العودة إلى تكتيك «الضغط الأقصى» واستعراض القوة بدلًا من تقديم حلول وسطى، مراهنًا على أن مضاعفة الإنهاك الاقتصادي لقطاعي الطاقة والمال الإيرانيين ستجعل واشنطن تفاوض من موقع قوة أكبر مستقبلًا.
مع نهاية شهر أكتوبر 2026، وتزايد المؤشرات على أن الاقتصادات الغربية أساسًا تواجه خطر انهيار ضخم نتيجة تراكم مشكلات ارتفاع أسعار الطاقة وتضخم الديون – إذ تجاوز الدين الأمريكي 40 تريليون دولار – قدر الخبراء أنه لم يعد هناك خيار أمام واشنطن سوى تجربة خوض مغامرة عسكرية كبرى جديدة مع تل أبيب ضد إيران، محذرين في الوقت نفسه من أن الفشل مرة أخرى، كما حدث في حرب الأربعين يومًا التي بدأت في 28 فبراير 2026، سيعني تحولات أساسية في توازن القوى العالمية، وخاتمة لكثير من النظم الغربية، مشابهة لما حدث للاتحاد السوفيتي نهاية العقد الأخير من القرن العشرين.
◆ الهجوم الجديد
يوم الأحد الأول من شهر نوفمبر 2026، الذي يصادف اليوم الـ138 منذ توقيع مذكرة التفاهم بين الولايات المتحدة وإيران، وبعد 247 يومًا من اندلاع الحرب، صرح الرئيس الأمريكي ترامب بأنه تحدث مع رئيس الوزراء الإسرائيلي نتنياهو. وأضاف، متحدثًا عن المكالمة التي جرت يوم السبت: «أجريت معه محادثة جيدة جدًا». وقال إن إيران كانت أحد موضوعات المحادثة، وإن الحرب عليها ستنتهي قريبًا جدًا.
وكرر ترامب، الأحد، تهديده باستئناف الضربات ضد إيران، وقال خلال تجمع انتخابي في ولاية آيوا إنه قد يضطر إلى توجيه «ضربة ساحقة» لطهران في وقت لم يحدده. وأضاف أن الجميع سيرون ذلك بأنفسهم. وأوضح أن بلاده استخدمت قاذفات من نوع «بي-2» لضرب القدرات النووية الإيرانية، معتبرًا أن طهران لا تزال غير مدركة لحجم ما تعرضت له. وأكد أن واشنطن دمرت قدرات إيران على تخصيب اليورانيوم خلال عمليتي «مطرقة منتصف الليل» و«الغضب الملحمي».
ووصف ارتفاع أسعار النفط بأنه «ثمن ضئيل للغاية مقابل ضمان أمن الولايات المتحدة والعالم»، مضيفًا أن المكاسب المحققة من فنزويلا وحدها تعادل عشرة أضعاف تكلفة الحرب على إيران.
وأفاد موقع «أكسيوس»، نقلًا عن مصدرين أمريكي وإسرائيلي، بأن الاتصال بحث السرعة التي يمكن بها استئناف العمليات العسكرية.
يذكر أن الرئيس الأمريكي ركز في الأسابيع الأخيرة من شهري سبتمبر وأكتوبر 2026 على نيته استهداف جبل فأس، حيث توجد منشآت نووية، بما يسمى «أم القنابل».
وذكر الخبير العسكري والاستراتيجي العميد إلياس حنا أن تلويح ترامب باستهداف منشأة «جبل الفأس» المحصنة قرب مجمع نطنز النووي يواجه تعقيدات تكتيكية واستخباراتية، نظرًا لوقوعها على عمق يتراوح بين 80 و100 متر داخل صخور الغرانيت الصلبة.
وأوضح حنا أن هذا العمق يتجاوز القدرة الاختراقية المباشرة للقنابل الأمريكية الخارقة للتحصينات من طراز «جي بي يو-57»، التي تستطيع اختراق نحو 60 مترًا، مشيرًا إلى أن واشنطن استهلكت نحو 14 قنبلة من هذا الطراز خلال ضربات يونيو 2025 وحرب فبراير 2026.
وأضاف أن الترسانة الأمريكية لم يتبق فيها، وفق تقديره، سوى نحو 6 قنابل من هذا النوع، ما يجعل التدمير الكامل للمنشأة غير مضمون عسكريًا.
ورجح حنا لجوء القيادة العسكرية الأمريكية إلى أسلوب «التحييد بالصدمة الزلزالية»، عبر استهداف مداخل الأنفاق الأربعة ومرافق التهوية، بهدف دفن المنشأة وتعطيلها.
وذهب خبراء عسكريون غربيون إلى أبعد من ذلك، وأشاروا إلى أن المنشأة توجد على عمق يفوق 600 متر تحت الأرض، وأنه لا يمكن إصابتها حتى بالسلاح النووي.
يذكر أنه في يوم الخميس 17 أكتوبر، وفي مقابلة نشرها موقع «نيوزماكس» الإخباري الأمريكي اليميني، أشار ترامب إلى أنه لا يخطط لاستخدام الأسلحة النووية، لكنه أوضح أيضًا أن السلاح الجوي المدمر، قنبلة الانفجار الجوي الضخمة GBU-43/B MOAB، المعروفة باسم «أم القنابل»، «ليست نووية».
في طهران، ويوم السبت 31 أكتوبر، أصدر الزعيم الأعلى الإيراني مجتبى خامنئي أوامر للقوات المسلحة بالرد الفوري «دون أي قيود جغرافية على أي تهديد من العدو»، وذلك وفقًا لبيان نُشر على حسابه الرسمي على تطبيق تيليغرام.
وذكر خامنئي أن إيران ستحدد زمان وظروف إنهاء أي هجمات عسكرية أو «إرهابية جديدة يستأنفها الأعداء»، وأمر بتحديث قائمة الأهداف العسكرية «على نحو يتيح وضع مختلف أنواع الأصول المادية وغير المادية» للولايات المتحدة وإسرائيل في مرمى نيران القوات المسلحة.
◆ ضربة نووية
يوم الإثنين 2 نوفمبر، نبه الصحافي الأمريكي تاكر كارلسون إلى احتمال ذهاب الرئيس ترامب نحو شن ضربة نووية ضد أحد المواقع الإيرانية شديدة التحصين.
وقال كارلسون، في منشور على حسابه على منصة «إكس»: «إدارة ترامب قد تكون على بعد أيام من شن ضربة نووية على إيران تحت ضغط نتنياهو، تستهدف منشأة "جبل الفأس" النووية المحصنة تحت الأرض، لعدم قدرة الأسلحة التقليدية الأمريكية على اختراق تحصيناتها».
وأضاف: «ترامب قد يحسم قراره بشأن استخدام السلاح النووي بحلول 7 نوفمبر، بينما يحاول فانس وويتكوف إقناعه بالتوصل إلى اتفاق مع إيران».
واعتبر كارلسون أن رئيس حكومة الاحتلال الإسرائيلية بنيامين نتنياهو أصبح «محاصرًا ويائسًا»، بعد نتائج انتخابات «الكنيست»، التي لا تخوله تشكيل حكومة، وقال: «يجب على نتنياهو أن يبقى قريبًا من ترامب. إنه بحاجة إلى هذه الحرب».
كما كشف أن نتنياهو «مارس، لتحقيق هذا الهدف، أقصى درجات الضغط على أقرب حلفائه في الإدارة، بما في ذلك وزير الحرب بيت هيغسيث وقائد القيادة المركزية الأمريكية (سينتكوم) براد كوبر، اللذين يعارض كلاهما التوصل إلى تسوية تفاوضية للحرب التي أداراها بشكل سيئ للغاية، وكلاهما يدفع نحو استئناف العمليات القتالية الكبرى».
وحذر كارلسون من أن «التداعيات الإشعاعية الناتجة عن انفجار أرضي في "جبل الفأس" من شأنها أن تلوث الخليج العربي، مما يؤدي إلى تسمم إمدادات المياه لمئة مليون شخص».
كذلك، قال كارلسون إنه «منذ فبراير، قامت الإدارة بهدوء بإعادة كتابة العقيدة النووية الأمريكية لجعل استخدام ما يسمى بـ"الأسلحة النووية التكتيكية في ساحة المعركة أسهل، وبالتالي أكثر ترجيحًا"، مضيفًا: "لا يبدو أن أحدًا في واشنطن، من أي من الحزبين، منزعج من هذا. والآن نحن على حافة الهاوية"».
وتأتي هذه الأخبار على ضوء تزايد الحديث عن مشاورات تُعقد بوساطة قطرية بهدف إعادة إحياء مفاوضات إنهاء الحرب، في الوقت الذي تصر فيه طهران على مقترح «الـ7 أيام» الذي سبق لها أن قدمته، باعتباره خارطة طريق لفتح مضيق هرمز وإعادة إحياء المحادثات الهادفة إلى التوصل إلى اتفاق نهائي.
◆ الدعم الروسي-الصيني
مع اقتراب سنة 2026 من نهايتها، تُطرح علامات استفهام كثيرة عن موقف موسكو وبكين من توسيع الحرب الأمريكية الإسرائيلية على طهران.
كتبت ليلى نقولا، أستاذة العلاقات الدولية في الجامعة اللبنانية:
«تتقاطع مصالح روسيا والصين مع إيران في رفض سيناريو الحرب والدعوة إلى التفاوض لحل الأزمة، غير أن هذا التقاطع لا يعني استعدادًا للدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعًا عن إيران.
تداخل واضح بين المسار الدبلوماسي والسعي للوصول إلى حل، واستمرار تصاعد الإشارات التصعيدية وإبقاء الخيارات العسكرية على الطاولة.
ويشير كثيرون إلى أن خيار العودة إلى طاولة التفاوض جاء نتيجة جملة عوامل متداخلة، من بينها تقارير استخبارية أمريكية وإسرائيلية تفيد بعدم القدرة على إسقاط النظام، خاصة بعد توقف التظاهرات، وعدم وجود رغبة إقليمية بالحرب (باستثناء إسرائيل)، إضافة إلى الإعلان عن مناورات مشتركة بين إيران وروسيا والصين في شمال المحيط الهندي، قبل أن يصار إلى تأجيلها، في خطوة تحمل دلالات تتجاوز بعدها الإجرائي. مع العلم أن التأجيل بحد ذاته يعكس "رسالة مزدوجة": إعطاء فرصة للدبلوماسية، مع الحفاظ على التهديد بـ"الاصطفاف العسكري" في حال فشل التفاوض.
بالتوازي، جرى تداول معلومات غير مؤكدة عن وصول طائرات نقل عسكرية صينية وروسية إلى إيران، وعن شحنات من المعدات، من دون صدور أي تأكيد أو نفي رسمي. غير أن مجرد تداول هذه المعلومات على نطاق واسع أسهم في تعزيز الانطباع بأن إيران ليست معزولة بالكامل في مواجهة الضغوط العسكرية، وأن إيران قد تكون قد رممت قدراتها العسكرية وقد تحقق مفاجآت عسكرية في حال شُنّت حرب عليها.
تشكل إيران أحد المسارات الأساسية لكسر القيود الغربية على حركة التجارة والطاقة الروسية، وعلى هذا الأساس، تُطرح مسألة الموقفين الروسي والصيني من أي حرب تستهدف إسقاط النظام في إيران غالبًا ضمن مقاربتين متناقضتين:
- الأولى: تضخيم أهمية الدعم الروسي–الصيني إلى حد اعتبار أن أي حرب أمريكية–إسرائيلية لإسقاط النظام تشكل "خطًا أحمر" استراتيجيًا (للصين وروسيا) لن يُسمح بتجاوزه.
- والثانية: التقليل من وزن هذه المواقف، ورؤية أن موسكو وبكين ستستمران في اعتماد سياسة المتفرج من بعيد، فيما تواصل الولايات المتحدة توجيه الضربات لحلفائهما وتقليص نفوذهما في مناطق حيوية.
غير أن القراءة الموضوعية الأكثر دقة تقتضي مقاربة واقعية لسلوك الدولتين، ترى في إيران دولة مفصلية مهمة، ولكن غير حاسمة في نفوذهما العالمي. وعليه، فإن الدعم الروسي–الصيني المحتمل يمكن أن يكون دعمًا حقيقيًا ومحسوبًا بدقة، لا التزامًا وجوديًا مفتوحًا.
* أولًا: إيران في الحسابات الروسية
بالنسبة لروسيا، تكتسب إيران أهميتها أساسًا من موقعها الجغرافي، لا من كونها حليفًا استراتيجيًا بالمعنى الكلاسيكي، إذ إن العلاقات التاريخية بين الدولتين لطالما شابها الشك وعدم الثقة والتنافس المكتوم.
تشكل إيران أحد المسارات الأساسية لكسر القيود الغربية على حركة التجارة والطاقة الروسية، ولا سيما عبر ممر النقل الدولي شمال–جنوب الذي يربط روسيا بالمحيط الهندي.
غير أن هذه الأهمية تبقى، من منظور موسكو، وظيفية واستراتيجية، لكنها لا تتخذ طابعًا وجوديًا. تمتلك روسيا بدائل أخرى، وإن كانت أقل كفاءة أو أعلى كلفة، سواء عبر القطب الشمالي أو عبر آسيا الوسطى والمحيط الهادئ.
لذلك، يسعى الروس إلى منع الفوضى، وإلى مساعدة إيران على تحقيق الاستقرار ورد أي عدوان خارجي عليها، انطلاقًا من مصالحهم الحيوية في الحفاظ على خط شمال–جنوب، وكذلك لمنع الولايات المتحدة من استخدام سياسة القضم المتدرج للحلفاء، بما قد يفتح الطريق لاحقًا للوصول إلى العمق الحيوي الروسي نفسه.
* ثانيًا: إيران في الاستراتيجية الصينية
في المقاربة الصينية، تبدو إيران جزءًا من شبكة أوسع من العلاقات والممرات التي تعتمدها بكين لمد نفوذها الاقتصادي.
تنظر الصين إلى إيران باعتبارها موردًا مهمًا للطاقة، وعقدة جغرافية مفيدة ضمن مبادرة الحزام والطريق، لكنها، في الوقت نفسه، تتجنب تحويل هذه العلاقة إلى تحالف دفاعي قد يؤدي إلى صدام مباشر مع الولايات المتحدة.
تعتمد الصين عادة سياسة توزيع المخاطر، وتحرص على عدم ربط مشاريعها الاستراتيجية بمصير دولة واحدة تعاني من عقوبات وضغوط مزمنة، وتقيس سياستها وتحالفاتها مع الدول انطلاقًا من مبدأ «الجدوى».
من هنا، فإن رفض الصين لحرب إسقاط النظام في إيران لا ينبع من التزام أيديولوجي، بقدر ما ينبع من خشيتها من زعزعة استقرار منطقة حيوية للتجارة العالمية، وتعطيل سلاسل التوريد والطاقة، فضلًا عن القلق من تكريس نموذج التدخل العسكري الأحادي الذي قد يهدد مصالحها مستقبلًا.
بالنتيجة، تتقاطع مصالح روسيا والصين مع إيران في رفض سيناريو الحرب والدعوة إلى التفاوض لحل الأزمة، غير أن هذا التقاطع لا يعني استعدادًا للدخول في مواجهة مباشرة مع الولايات المتحدة دفاعًا عن إيران، ولا تقديم التزامات أمنية ودفاعية صلبة.
ولا شك أن صانع القرار الإيراني يدرك هذه المعادلة، ويتعامل مع الدعم الروسي والصيني لا بوصفه مظلة إنقاذ، بل كعامل دولي ضاغط ومساعد لتأمين نوع من التوازن، إلى حد ما، مع الاصطفاف الغربي–الأمريكي–الإسرائيلي ضد إيران.
خلال شهر سبتمبر 2026، وفي موقف موحد بشأن التحرك الأوروبي ضد طهران، أعلنت الصين وروسيا دعم إيران في رفض إعادة فرض عقوبات أممية، معتبرتين الخطوة «معيبة قانونيًا ومدمرة سياسيًا».
وأعلنت الصين وروسيا، العضوان الدائمان في مجلس الأمن، دعمهما لموقف إيران الرافض لتحرك أوروبي لإعادة فرض عقوبات الأمم المتحدة التي رُفعت قبل عشر سنوات بموجب الاتفاق النووي لعام 2015، والذي كانت الصين وروسيا من بين الدول التي وقعت عليه مع قوى عالمية، من بينها الدول الأوروبية الثلاث: ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة، المعروفة باسم «الترويكا الأوروبية».
وانسحب الرئيس الأمريكي دونالد ترامب من الاتفاق في ولايته الأولى عام 2018.
وانتهى العمل بالاتفاق في أكتوبر من عام 2026، وتسمح آلية «العودة السريعة» بإعادة تفعيل العقوبات التي رُفعت بموجب ذلك الاتفاق، ولكن الصين وروسيا استخدمتا حق النقض (الفيتو) في مجلس الأمن لمنع التجديد.
وكانت ألمانيا وفرنسا والمملكة المتحدة قد سعت إلى تفعيل آلية إعادة العقوبات، متهمةً إيران بخرق الاتفاق النووي، الذي أدى إلى تخفيف العقوبات المالية الدولية المفروضة على طهران مقابل فرض قيود على برنامجها النووي. بينما تنفي طهران وجود أي نوايا عسكرية لبرنامجها النووي، وتؤكد حقها في تطوير برنامج مدني.
ودعت موسكو الدول الغربية إلى «العودة للمنطق وإعادة النظر في قراراتها الخاطئة»، محذرة من «تداعيات لا يمكن إصلاحها».
يذكر أن العلاقات بين موسكو وطهران شهدت تقاربًا منذ بدء الحرب بين روسيا وأوكرانيا عام 2022، واتهمت الدول الغربية وكييف إيران بتزويد روسيا بمسيّرات من طراز «شاهد» وصواريخ قصيرة المدى استخدمتها في حربها في أوكرانيا.
◆ ترامب وموقف بكين وموسكو
يتجنب الرئيس الأمريكي ترامب التعمق في الحديث عن مستوى دعم روسيا والصين لإيران، مكتفيًا بالإشارة إلى تشابه بين دعم بلاده لأوكرانيا ودعم موسكو وبكين لإيران.
ومؤخرًا، قال ترامب إنه «لا يشعر بالقلق إزاء جمع دول أخرى معلومات استخباراتية عن الولايات المتحدة»، مشيرًا إلى أن «واشنطن تمارس أنشطة مماثلة ضد روسيا والصين».
ونقلت وسائل إعلام غربية عن ترامب قوله، خلال تجمع انتخابي في ولاية آيوا، إن أحد الأشخاص أبلغه بأن الصين وروسيا تتجسسان على الولايات المتحدة، معتبرًا أن ذلك صحيح، لكنه أضاف: «لكننا نفعل الشيء نفسه تجاههما».
ولم يكشف ترامب عن طبيعة المعلومات التي استند إليها في حديثه، كما لم يحدد هوية الشخص الذي ناقشه في أنشطة التجسس أو الأجهزة الاستخباراتية المعنية.
وجاءت تصريحات ترامب، خلال حديثه إلى الصحافيين على متن الطائرة الرئاسية «إير فورس وان»، ردًا على سؤال بشأن تقرير لصحيفة «وول ستريت جورنال» أفاد بأن جهات صينية قدمت لإيران صورًا فضائية عالية الدقة لقاعدة موفق السلطي الجوية في الأردن، قبل هجوم صاروخي إيراني استهدف القاعدة في 17 يوليو 2026، وأسفر عن مقتل جنود أمريكيين.
وقال ترامب ردًا على السؤال: «إنهم يفعلون ما نفعله نحن»، مضيفًا: «عندما يقولون إن الصين تتجسس علينا، أقول إنكم على حق، ونحن نتجسس عليهم أيضًا».
وبحسب تقرير «وول ستريت جورنال»، ربط مسؤولون أمريكيون بين الصور الفضائية والهجوم الذي استهدف القاعدة الأردنية، من دون الكشف عن هوية الجهات الصينية المعنية أو اتهام بكين مباشرة بالضلوع في الهجوم.
◆ التراجع الإمبراطوري
جاء في بحث نشره المعهد المصري للدراسات، كتبه د. عمرو دراج ونُشر في 20 مايو 2026:
«أثارت الحرب التي شنتها الولايات المتحدة الأمريكية، بالاشتراك مع إسرائيل، على إيران، العديد من التساؤلات حول تراجع الفعالية العسكرية الأمريكية، على الرغم من القوة الجبارة التي تمتلكها، وعن مدى قدرة الولايات المتحدة في تحقيق أهداف الحرب باستخدام قوتها العسكرية التي لا يوجد لها منافس، وعما إذا كانت هذه القوة قد وصلت إلى ذروتها وبدأت في التراجع، وعن مدى فقدان الجيش الأمريكي، بكل قوته، القدرة على خوض غمار الحرب الحديثة والفوز بها؟
أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي الشهير روبرت بيب ذكر في تحليل جديد له، أنه: "إذا ما كانت حرب الخليج في العام 1991 قد خلقت عالم ما بعد الحرب الباردة، فإن حرب إيران في العام 2026 من الممكن أن تكون قد أنهته.
على مدى ثلاثين عامًا، كان العالم يفترض أن الولايات المتحدة تستطيع أن تسود عمليات التصعيد العسكري في أي مكان على الأرض تقريبًا، إلا أن حرب إيران قد تكون الحرب الأولى التي حطمت هذا الافتراض".
من المهم، في هذا السياق، إلقاء الضوء على بعض التفاصيل حول ما وصل بنا إلى الوضع الحالي، وعن طبيعة العمليات العسكرية في السنوات الأخيرة، بصرف النظر عن مآلات الصراع الجاري في المستقبل، وذلك في إطار التحولات الكبرى التي يمر بها العالم، وكذلك التغيرات الحادثة في النظام الدولي بشكل عام.
الولايات المتحدة لا تزال قادرة بالطبع على توجيه ضربات تدميرية، ولكن، قبل ذلك، يجب البحث في السؤال المتعلق بكيفية تمكن إيران، التي لا يمكن مقارنة قوة آلتها العسكرية بالآلة التدميرية الأمريكية، من الصمود طيلة هذا الوقت، مما وضع الولايات المتحدة أمام خيارين لا ثالث لهما: إما الانسحاب المذل الذي يصاحبه بعض الأكاذيب والسرديات حول تحقيق النصر لحفظ ماء الوجه، ما يعني في واقع الأمر نصرًا سياسيًا ومعنويًا كبيرًا لإيران، يساهم في تكريس مكانتها المستقبلية، أو اللجوء إلى خيار التدمير الشامل لكل مقدرات إيران، حيث ثبت عدم جدوى الضربات والعمليات العسكرية المحدودة في تحقيق أي هدف رئيس من أهداف الحرب، مع ما سيترتب على ذلك من دمار شامل في المنطقة ككل، وتداعيات عالمية غير معروف مداها؟
إلا أنه لا يمكن التطرق إلى هذا الأمر إلا في سياق كلي، يتعلق بتراجع الهيمنة الإمبراطورية الأمريكية العالمية بشكل عام، يأتي فيه فقدان القدرة على الهيمنة العسكرية التامة كأحدث مظاهر تراجع الهيمنة الإمبراطورية، في ظل التطور السريع لآليات الحروب الحديثة، الذي يبدو أن الولايات المتحدة، حتى الآن على الأقل، لا تستطيع أن تلاحقه.
عالجت العشرات من الدراسات الرصينة في العقد الأخير مسألة تراجع النفوذ الإمبراطوري الأمريكي حول العالم، ورصدت العديد من الدلائل على حدوث ذلك. وقد قاد الانسحاب الأمريكي المهين من أفغانستان في العام 2021 إلى الاقتراب من هذه المسألة بالبحث والتحليل من خلال دراسة شاملة قمت بإصدارها لمعالجة هذا الموضوع، وذلك في محاولة لاستكشاف أثر ذلك على مستقبل المنطقة العربية. حاولت من خلال الدراسة التعمق في المراجع الغربية التي تعالج هذا الموضوع حتى أتجنب الوقوع في فخ "التفكير الرغائبي"، وقمت باستعراض العديد من كتابات عدد من أهم الكتاب والمفكرين الذين تصدوا لهذا الموضوع في ذلك الوقت، أمثال ألفريد ماكوي، وهنري كيسنغر، ونيال فيرغسون، وناعوم تشومسكي، وفرانسيس فوكوياما، وكريس هيدجز، وغيرهم. وكان من المثير، بالنسبة لي على الأقل، أن يكون عنوان ما كتبه فوكوياما مثلًا حول الموضوع: "نهاية الهيمنة الأمريكية"، وهو الذي كان قد كتب قبل ذلك بسنوات كتابه الأشهر عن: "نهاية التاريخ والرجل الأخير"!
بالطبع، من أهم من تصدى لهذا الموضوع أيضًا المؤرخ الفرنسي الشهير إيمانويل تود، الذي أنتج العديد من المؤلفات العميقة حول الموضوع منذ سنوات طويلة.
لن أقوم باستعراض تفصيلي لهذه الكتابات، أو للموضوع نفسه، في هذا المقام، لأنه ليس الموضوع الرئيس في الورقة، إلا أنه يمكن القول إن هؤلاء الكتاب، وغيرهم، قد تناولوا الموضوع من زوايا مختلفة ومظاهر متعددة، مؤداها جميعًا أن هناك تراجعًا لا يمكن إنكاره في الهيمنة الإمبراطورية على العالم.
يرصد الكثيرون من الباحثين تراجع النفوذ الأمريكي خارج الولايات المتحدة كمظهر رئيس للتراجع الإمبراطوري الأمريكي، إلا أن الدراسة المعمقة للشأن الأمريكي، في واقع الأمر، تكشف أن الأمر لا يتعلق فقط بفشل الأداء الخارجي، وإنما قد يعود بالدرجة الأولى إلى عوامل داخلية وذاتية أثرت بشكل كبير على التماسك الداخلي للمجتمع، وهو ما أثر بالتأكيد على أدائه الخارجي. فقد ظهرت، خاصة في العقدين الأخيرين، مشكلات داخلية جمة تتعلق بالاستقطاب السياسي الحاد، والظلم الاجتماعي البيّن الذي يتمثل في ارتفاع نسب الفقر والتفاوت الشديد في الدخول والثروة بين الفئات الأغنى والأفقر، فضلًا عن تسارع الانحدار الأخلاقي وتزايد نسب إدمان المخدرات، وانتشار الجريمة والعنف المجتمعي، خاصة في المدارس، فضلًا عن تنامي المثلية وتراجع دور الأسرة السوية، وانخفاض نسب الإنجاب، وزيادة معدلات الطلاق، وغير ذلك من المشكلات الاجتماعية.
بل إن فوكوياما، في دراسته المشار إليها أعلاه، يعتبر أن التحدي الذي يواجه المكانة العالمية للولايات المتحدة بشكل أكبر في الوقت الراهن هو الاستقطاب السياسي داخل أمريكا نفسها، وبناءً على ذلك، فإن فوكوياما يرى أنه على الرغم من أن الولايات المتحدة ستبقى قوة عظمى لسنوات عديدة قادمة، إلا أن مدى تأثيرها ونفوذها يعتمد على قدرتها على إصلاح مشكلاتها الداخلية، فضلًا عن سياستها الخارجية.
◆ الإصلاح
أتفق جزئيًا مع هذا التشخيص، إلا أنني أرى أن المشكلات التي يعاني منها المجتمع الأمريكي غير قابلة للإصلاح، فهي، من وجهة نظري، ليست سوى أعراض حتمية للمرض الأصلي المتعلق بعدم صلاحية النموذج الحضاري الأمريكي ذاته لإنتاج مجتمع أفضل من الموجود. حيث يستمد هذا النموذج حياته من الجذر العلماني القائم على تغليب المصلحة الفردية، ومركزية الإنسان، وعلى الصراع كوسيلة للترقي وحسم الخلاف، وغير ذلك من الخصائص المعروفة للنموذج الرأسمالي التقليدي، والتي تفاقمت بعد تبني النيوليبرالية المتوحشة منذ الربع الأخير من القرن الماضي، ومحاولة فرض هذا النموذج على العالم بأجندة تبناها المحافظون الجدد على مدار العقود الثلاثة الماضية.
الأثر المهم الآخر للمشكلات الداخلية الأمريكية، في سياق تراجع النفوذ الخارجي، أنها تسببت في تراجع جاذبية النموذج الاجتماعي الأمريكي، أو ما يطلقون عليه هناك "الحلم الأمريكي"، الذي تبين للعالم أنه وهم كبير، وأن المجتمع الأمريكي، مثله مثل الكثير من مجتمعات العالم الثالث، يعاني من الفقر والظلم الاجتماعي والتفاوت الضخم في مستويات المعيشة والعنف والجريمة والاستقطاب، إلى آخر هذه المظاهر.
تصاعدت مظاهر تراجع الدور الأمريكي العالمي بشكل حاد إثر تولي دونالد ترامب ولايته الثانية، بسبب عوامل كثيرة متعلقة بسياساته وجذورها الرئيسية، والتي رصدتها في دراستي التي صدرت عقب عودته إلى البيت الأبيض مباشرة. وكان من النتائج الرئيسية لهذه السياسات التراجع الحاد في القوة الناعمة للولايات المتحدة، والتي طالما اقترنت بالقوة الصلبة في فرض القيادة العالمية، كما يوضح ستيفن والت، أستاذ العلاقات الدولية الأمريكي المرموق، في مقال نشره مؤخرًا في مجلة "فورين بوليسي"، حيث رصد ازدياد اعتمادها بشكل حاد على القوة الخشنة المتمثلة في مزيج من الضربات العسكرية والضغوط الاقتصادية الشديدة، في مقابل تراجع واضح في استخدام أدوات الجذب والتأثير غير المباشر التي ميزت النفوذ الأمريكي لعقود.
يعرف جوزيف ناي، أحد أبرز المفكرين في العلاقات الدولية، القوة الناعمة على أنها "قدرة الدولة على حث الآخرين على فعل ما تريد، لأنها تمتلك موارد تجعل الآخرين يرغبون في تقليدها أو الارتباط بها أو اتباع نهجها". أما القوة الصلبة، فهي القوة العسكرية للدولة، وقدرتها على فرض إرادتها على الآخرين بالقوة المطلقة. ولطالما برعت أمريكا في استخدام كليهما، مستخدمةً الطائرات المقاتلة والمساعدات الخارجية بكفاءة متساوية. لكن هذا الوضع آخذ في التغير، كما أشار ستيفن والت، حيث إن من أبرز سمات نهج إدارة ترامب في السياسة الخارجية ثقتها المطلقة في القوة الصلبة الأمريكية وازدراءها شبه التام للقوة الناعمة.
قلصت الإدارة الأمريكية المساعدات الأمريكية بشكل كبير، فألغت نحو 86 في المئة من برامج المساعدات الخارجية، وخفضت ما يقارب من 60 مليار دولار من التمويل الذي كان يقدم المساعدة لشعوب نحو 130 دولة. وتوقعت دراسة حديثة نُشرت في مجلة "لانسيت" الطبية أنه في حال عدم التراجع عن هذه التخفيضات، فإن خفض المساعدات العالمية قد يؤدي إلى وفيات كان يمكن منعها لنحو 22.6 مليون شخص في البلدان منخفضة أو متوسطة الدخل بحلول عام 2030، بما في ذلك نحو 5.4 مليون طفل أصغر من 5 سنوات. وإلى جانب الخسائر البشرية، أشار مركز الدراسات الاستراتيجية والدولية إلى أن هذه التخفيضات أضعفت بشكل كبير نفوذ أمريكا في الأمم المتحدة، وجردت واشنطن من إحدى أكثر أدواتها الدبلوماسية فعالية.
كما سارعت قوى أخرى إلى سد الفجوة في القوة الناعمة التي أحدثتها واشنطن. فعندما جمدت الولايات المتحدة جميع المساعدات الخارجية تقريبًا في يناير 2025، أُغلق أكثر من ألف مطبخ إغاثي في السودان، حيث تدور رحى الحرب منذ عام 2023. ولكن سرعان ما أرسلت روسيا سفنًا ضخمة إلى الموانئ الأفريقية، وأرسلت الصين وفودًا زراعية لتعزيز شراكاتها مع دول أخرى في القارة. ووفقًا لموقع "War on the Rocks"، فلأول مرة منذ الحرب العالمية الثانية، تخلت الولايات المتحدة عن دورها كأول مستجيب عالمي لأزمات الجوع، مما سمح لروسيا والصين باستبدال المساعدات الطارئة بأنظمة مصممة لخلق تبعيات دائمة.
◆ النظام العالمي
تمثلت السياسة الخارجية لترامب في فترته الثانية في تقطيع أوصال النظام العالمي الذي كان يمكّن الولايات المتحدة من الهيمنة منذ ما بعد الحرب العالمية الثانية، بما في ذلك الانسحاب من المنظمات الدولية، والتوسع في فرض الرسوم الجمركية العقابية بما يناقض مبادئ حرية التجارة والعولمة، وتطبيق العقوبات التجارية والاقتصادية على الحليف قبل العدو، وإنهاء أعمال الوكالة الأمريكية للتنمية الدولية، التي كانت أحد أهم أدوات النفوذ عن طريق المساعدات الواسعة التي كانت تقدمها، وإضعاف حلف شمال الأطلسي (الناتو)، والتعامل مع الحلفاء باستخفاف، وعدم القيام بواجبات اتفاقات الحماية الأمنية معهم (الخليج، أوروبا).
بل شملت الممارسات التهديد باحتلال أراضٍ أوروبية إذا لم يتم التوافق على بيعها (غرينلاند)، والحديث عن كندا باعتبارها الولاية الأمريكية الحادية والخمسين، وتوجيه التهديد للمكسيك، وغير ذلك مما توجد عليه أمثلة كثيرة كرست لدى هؤلاء الحلفاء أن أمريكا لم تعد الحليف الموثوق به الذي يمكن الاعتماد عليه في تحقيق الأمن والاستقرار، بل أصبحت تصرفات الولايات المتحدة تشكل التهديد الأول للسلم والأمن العالمي. كل ذلك يقلص كثيرًا من قدرة الولايات المتحدة على قيادة العالم كقوة عظمى أولى، بعد أن تحولت إلى مركز نفوذ يلوح بالقوة العسكرية والعقوبات الاقتصادية كأدوات خشنة لممارسة الهيمنة».
عمر نجيب
Omar_najib2003@yahoo.fr
Omar_najib2003@yahoo.fr
السلاح النووي في قلب الحسابات الدولية.. هل تتحول المواجهة مع إيران إلى منعطف يغيّر موازين العالم؟