Quantcast
2026 أكتوبر 14 - تم تعديله في [التاريخ]

هندسة التعلمات وإدارة الفصول: من التدبير الديداكتيكي إلى الممارسة التبصرية


عبد العزيز السيدي رئيس مركز رؤى للأبحاث والدراسات والتكوينات في التربية والثقافة والتنمية – مراكش
عبد العزيز السيدي رئيس مركز رؤى للأبحاث والدراسات والتكوينات في التربية والثقافة والتنمية – مراكش
العلم - بقلم عبد العزيز السيدي

لم تعد المدرسة الحديثة مطالبة بمجرد نقل المعارف والمعلومات إلى المتعلمين، بل أصبحت مطالبة ببناء إنسان قادر على الفهم والتحليل والتفكير والتفاعل مع محيطه
، ومن هنا برز مفهوم هندسة التعلمات باعتباره انتقالا نوعيا من التدريس القائم على التلقين إلى ممارسة تربوية تقوم على التخطيط والتنظيم والتفاعل وبناء التعلمات.

فالتدبير التربوي لم يعد مجرد مجموعة من الإجراءات التقنية التي يقوم بها المدرس داخل الفصل، وإنما أصبح نظاما ديناميكيا يربط بين التخطيط والممارسة والتقويم والتفاعل، ويجعل من المتعلم طرفًا فاعلًا في بناء المعرفة، ومن المدرس ميسرًا ومرافقًا لعملية التعلم. 
 
من تلقين المعارف إلى هندسة التعلمات
 
يشكل التدبير التربوي إحدى الرافعات الأساسية للانتقال من نموذج «التلقين الآلي للمعارف» إلى نموذج «هندسة التعلمات» فالتدبير بهذا المعنى، هو القدرة على تحويل الخطط والتصورات والنظريات إلى ممارسات فعلية داخل الفصل الدراسي، بما يجعل المسافة بين جذاذة التحضير والممارسة اليومية مجالًا للتحسين المستمر.

ويقوم هذا التصور على الربط بين أفعال المدرس، من تخطيط وتنظيم وتدبير، وبين تفاعلات المتعلمين، بما يسمح لهم بالانخراط الفعلي في بناء معارفهم وقدراتهم.

ويتقاطع هذا التحول مع الرؤية الاستراتيجية للإصلاح التربوي بالمغرب 2015-2030، التي دعت إلى الانتقال من منطق «شحن الذاكرة» إلى منطق «تنمية الذكاء وبناء القدرات». كما ينسجم مع تصور إدغار موران للتربية الحديثة التي ينبغي أن تتجه نحو تعليم الفهم، وليس مجرد نقل المعطيات. 

وهذا التحول يعني، عمليا، تجاوز النموذج التقليدي الذي يجعل المدرس المصدر الوحيد للمعرفة، والانتقال إلى نموذج يتمحور حول المتعلم، حيث يصبح المدرس ميسرا ومصاحبا، ويستثمر الوضعيات الدالة والصراعات السوسيو-معرفية من أجل دفع المتعلم إلى التفكير وبناء المعرفة.
 
الفصل الدراسي... نظام بيئي للتعلم
 
إن نجاح العملية التعليمية لا يرتبط فقط بجودة المحتوى الدراسي، وإنما يتوقف أيضا على قدرة المدرس على تدبير البيئة التي يحدث فيها التعلم. فالفصل الدراسي يمثل نظامًا متكاملًا تتفاعل داخله عناصر مادية ورمزية وزمنية وعلاقية.

ويبرز هنا تدبير الزمن باعتباره عنصرا حاسما، فالاستخدام المعقلن للغلاف الزمني لا يعني فقط احترام الحصة الدراسية، وإنما يقتضي كذلك تفادي ما يسمى بـ«الوقت الميت»، الذي قد يؤدي إلى فقدان إيقاع التعلم وظهور سلوكات مشوشة نتيجة الفراغات الزمنية. 

أما تدبير الفضاء، فيرتبط بتنظيم الفصل وتموضع المدرس داخله بما يسمح بانسيابية التفاعل، ولا يتعلق الأمر بالتحكم في المتعلمين من خلال الأوامر المباشرة، بقدر ما يتعلق بالاستثمار الذكي للغة الجسد والنظرات والصمت، باعتبارها أدوات للتواصل والتدبير الصفي. 

وتكتسي الوسائل التعليمية بدورها أهمية خاصة، لأنها ليست مجرد تجهيزات أو إضافات شكلية بل تعد، وفق هذا التصور أسسا مادية لإنتاج المعرفة ولذلك ينبغي أن تكون ملائمة للمستوى السيكو-معرفي للمتعلمين، ومحفزة لهم، ومرتبطة ارتباطا ديداكتيكيا واضحا بالأهداف المراد تحقيقها. 
 
هندسة وضعيات التعلم... حين تصبح المشكلة محركا للمعرفة
 
تقوم هندسة التعلمات على مسار تدريجي يبدأ بخلخلة التوازن المعرفي لدى المتعلم، وينتهي بإدماج المكتسبات، وفي هذا المسار تبرز مجموعة من الوضعيات التي تؤدي أدوارا متكاملة.

تأتي أولا الوضعية الاستكشافية، التي تستهدف خلخلة المكتسبات القبلية وتهيئة المتعلم لاستقبال موارد ومعارف جديدة.
 
ثم تأتي الوضعية-المشكلة باعتبارها محركا أساسيا للبناء المعرفي، إذ تضع المتعلم أمام لغز أو عائق يتجاوز إمكاناته الحالية، ويدفعه إلى تعبئة موارده الذاتية من أجل البحث عن الحل وتجاوز العائق.

وتتلو ذلك الوضعيات الديداكتيكية والمركبة التي تهدف إلى إرساء الموارد بطريقة منظمة، ثم تقويم الكفاية من خلال مواجهة مشكلات حقيقية. 

وفي هذا السياق، يرى فيليب بيرنو أن الكفاية لا تتكون إلا عندما يواجه المتعلم وضعيات معقدة تستدعي منه تعبئة موارده المعرفية والمهارية والوجدانية، كما يشير عبد الكريم غريب إلى أن المقاربة بالكفايات ساهمت في تجاوز النزعة التايلورية التي طبعت المقاربة بالأهداف، والتي كانت تميل إلى تجزئة السلوك وتنميط المردودية. 
 
من المتعلم المنفذ إلى المتعلم الفاعل
 
تفرض المدرسة الحديثة كذلك إعادة النظر في طرائق التدريس، فلم يعد المتعلم مجرد منفذ للتعليمات، بل أصبح فاعلا في عملية التعلم.

ومن بين البيداغوجيات التي تخدم هذا التوجه: بيداغوجيا المشروع، وبيداغوجيا المجموعات والتعلم التعاوني، والبيداغوجيا الفارقية التي تسعى إلى الاستجابة لتعدد حاجات وقدرات المتعلمين.

ويبرز نهج التقصي العلمي نموذجا واضحا لهندسة التفكير، إذ ينطلق من وضعية محيرة، ثم ينتقل إلى رصد تمثلات المتعلمين، وصياغة الفرضيات، وإنجاز أنشطة البحث، ثم تأويل النتائج وهيكلة المكتسبات، وصولا إلى التقويم وتقديم التغذية الراجعة. 

وهنا تبرز أيضا أهمية التربية المعرفية والميتامعرفة، التي تساعد المتعلم على أن يصبح واعيا بمسارات تفكيره وطرائق اشتغاله الذهني.
 
المدرس وسيطا في بناء المعرفة
 
لا يقتصر دور المدرس في النموذج الحديث على تقديم المعلومات، بل يتحول إلى وسيط يهيئ شروط التعلم ويستثمر التفاعل بين المتعلمين.

ومن هنا تبرز أهمية الصراع السوسيو-معرفي، حيث يتيح اختلاف رؤى المتعلمين ومواقفهم فرصة لبناء معرفة جديدة. ويتقاطع ذلك مع تصور ليف فيغوتسكي للتعلم باعتباره عملية تحدث داخل منطقة النمو الوشيك من خلال التفاعل الاجتماعي. 

كما تعيد بيداغوجيا الخطأ تعريف موقع الخطأ داخل العملية التعليمية، فالخطأ لا ينبغي أن يكون مناسبة للعقاب، بل فرصة للتشخيص والعلاج والفهم، إنه جزء من مسار التعلم وقد يتحول إلى مدخل لفهم العوائق التي تحول دون بناء المعرفة، وفي هذا الإطار يستحضر المقال تصور غاستون باشلار للعلاقة بين الخطأ وبناء الحقيقة العلمية. 
 
التواصل الصفي... العصب الحي للتدبير
 
لا يمكن الحديث عن تدبير ناجح للفصل الدراسي من دون الحديث عن التواصل الصفي. فهذا التواصل يمثل العصب الحي للعملية التدبيرية، لأنه يجمع بين التواصل العمودي الذي يؤدي وظيفة التوجيه، والتواصل الأفقي الذي يتيح البناء المشترك.

والهدف هو ضبط دينامية الفصل دون الانزلاق إلى الخطاب السلطوي، بما يجعل التواصل وسيلة لبناء الثقة وتنظيم التفاعل وتحقيق التعلم. 
 
أسلوب التدريس... بصمة مهنية للمدرس
 
لكل مدرس أسلوبه الخاص في التدريس، وهذا الأسلوب يمثل، وفق التصور المطروح، بصمته المهنية. وهو لا يتشكل من عنصر واحد، بل يتداخل فيه أربعة أبعاد رئيسية: البعد الديداكتيكي المرتبط بالتخطيط، والبعد البيداغوجي المرتبط بالتنشيط، والبعد العلاقي المرتبط بمناخ الفصل، ثم البعد الشخصي المرتبط بتمثلات المدرس ومواقفه. 

غير أن التطور المهني لا يتوقف عند امتلاك المعارف والمهارات، بل يتطلب ممارسة مستمرة للتأمل والمساءلة.

وهنا تبرز الممارسة التبصرية باعتبارها محركًا أساسيًا للتنمية المهنية؛ فهي تسمح للمدرس بتحويل المعارف المهنية الضمنية إلى معرفة واعية ومصرح بها. وقد ارتبط هذا التصور بأعمال دونالد شون ومفهوم «الممارس المتأمل»، الذي يبني معرفته المهنية أثناء الفعل وبعده. 
 
من الممارسة إلى التفكير ثم العودة إليها
 
تقوم الممارسة التبصرية على نموذج عملي – نظري – عملي، فالمدرس ينطلق من الممارسة الفعلية، ثم يتوقف عندها للتفكير والتحليل ومساءلة القرارات التي اتخذها، قبل الانتقال إلى التنظير واستخلاص القواعد، ثم العودة إلى الممارسة من خلال التعديل والتصويب.

وبذلك تصبح الممارسة المهنية مجالا للتعلم المستمر، ولا تعود الخبرة مجرد تراكم للسنوات، وإنما تتحول إلى خبرة قابلة للتحليل والتطوير. 
 
المدرس «مايسترو متأمل» والفصل «مختبر حي»
 
تصل الكفاية المهنية إلى مستوى متقدم عندما ينتقل المدرس من موقع «منفذ البرامج» إلى موقع «المايسترو المتأمل»، الذي يدير العملية التعليمية بوعي، ويزاوج بين هندسة البيئة الصفية وفهم الأبعاد السيكو-معرفية للمتعلمين. 

وفي المقابل، يتغير تصور الفصل الدراسي نفسه، فهو لم يعد فضاء جامدا لاستهلاك المعارف، بل يمكن أن يتحول إلى «مختبر حي» لبناء الإنسان وإنتاج المعرفة، حيث يصبح التعلم عملية نشطة قائمة على التفاعل والتجريب والتفكير والتعاون. 

أما التنمية المهنية للمدرس، فلا تكتمل من دون اعتماد دينامية مستمرة من التبصر والمراجعة الذاتية، فالفصل يصبح مرآة لتطور المدرس، والمدرس بدوره يتحول إلى باحث مستمر في سيكولوجيا التعلم، وإلى مهندس حقيقي لعمليات بناء المعرفة لدى الأجيال الجديدة. 

إن الانتقال من التدبير الديداكتيكي إلى الممارسة التبصرية لا يمثل مجرد تغيير في المصطلحات أو في تقنيات التدريس، وإنما يعكس تحولًا أعمق في تصور المدرسة والمدرس والمتعلم والمعرفة.

فالمدرسة التي تكتفي بتلقين المعلومات تظل أسيرة نموذج تقليدي، بينما المدرسة التي تجعل من التعلم عملية بناء وتفاعل وتأمل، تفتح أمام المتعلم إمكانات أوسع للفهم وإنتاج المعرفة.

وفي قلب هذا التحول يوجد المدرس: ليس باعتباره ناقلا للمعرفة فحسب، وإنما باعتباره مهندسا للتعلمات، ومدبرا للفصل، ووسيطا في بناء المعرفة، وممارسا متأملا يراجع ممارسته باستمرار.

وهكذا يصبح الفصل الدراسي أكثر من مجرد مكان للتدريس، إنه فضاء حي للتجربة والتفاعل وبناء الإنسان، فيما تصبح الممارسة التبصرية طريقا للتنمية المهنية المستدامة، وتجعل من المدرس باحثا دائما في شروط التعلم وسبل تحسينه.

              



في نفس الركن
< >

الاربعاء 14 أكتوبر 2026 - 10:32 السيادة المغربية خط أحمر














MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار