☰
2026 أكتوبر 18 - تم تعديله في [التاريخ]

وإن غاب الحلفاء.. الصحراء المغربية تنتصر لهندسة الحل

حين تختلف أصوات الحلفاء داخل الأمم المتحدة، تُطرح أسئلة تتجاوز حسابات التأييد والمعارضة… فأين تُقاس قوة الموقف المغربي؟ وفي أي ساحة تُحسم معركة الحل؟


الصحراء المغربية في صلب معركة الحل السياسي بالأمم المتحدة

الكاتبة فوزية أورخيص
*بقلم: فوزية أورخيص*

لم يكن تصويت الولايات المتحدة وإسرائيل ضد قرار اللجنة الرابعة للأمم المتحدة بشأن الصحراء المغربية، في 15 أكتوبر الجاري، تفصيلًا عابرًا، لكنه لا يشكل، في حد ذاته، دليلًا على تراجع الدعم الأمريكي للمغرب. فالدلالة الاستراتيجية لهذا التصويت تكمن في التمييز بين مواقف الدول داخل أجهزة الأمم المتحدة، وبين اختياراتها الفعلية بشأن مستقبل النزاع.

حصل القرار على تأييد 152 دولة، مقابل صوتين معارضين وامتناع سبع دول. والمفارقة أن المغرب والجزائر صوّتا لصالح النص نفسه، رغم اختلافهما الجوهري بشأن السيادة على الصحراء المغربية. وهذا يؤكد أن التصويت على قرار أممي لا يعني بالضرورة الاتفاق على تفسيره، ولا يشكل استفتاءً على مواقف الدول النهائية من القضية.

ثمة معطى أساسي لا يجوز إغفاله: الولايات المتحدة طلبت التصويت على مشاريع القرارات الـ23 المعروضة أمام اللجنة الرابعة، بما فيها النصوص التي كانت تُعتمد بالتوافق. ووفق ما نقلته تقارير عن مداولات اللجنة، أوضحت واشنطن أن تصويتها لا يعني تغيير سياستها بشأن الصحراء. لكن ذلك لا يلغي أهمية الإشارة السياسية، ولا يعفي من قراءة أبعادها بدقة. أما دوافع إسرائيل، فلا تتوفر معطيات رسمية كافية للجزم بأنها تطابق الحسابات الأمريكية.

في المقابل، سبق لواشنطن أن اعترفت بسيادة المغرب على الصحراء في دجنبر 2020، كما دعمت قرار مجلس الأمن رقم 2797 لسنة 2025. ويكتسب هذا التمييز أهميته من اختلاف موقع المؤسستين: فالجمعية العامة تعكس اتجاهات واسعة داخل المجتمع الدولي، بينما يضطلع مجلس الأمن بدور محوري في المسار السياسي للنزاع. لذلك لا يصح مساواة التصويتين، كما لا يصح التعامل مع التصويت الأخير وكأنه بلا دلالة.

الأهم أن القرار أعاد تثبيت الإطار الأممي المرتبط بتصفية الاستعمار، مع الإشارة إلى القرار 2797. وهنا تتحدد طبيعة المعركة الدبلوماسية: ليست مجرد سباق على الأصوات، بل تنافس على المرجعية التي ستحدد اتجاه التسوية وحدود الممكن سياسيًا.

بالنسبة إلى المغرب، لا يكمن التحدي في إنكار استمرار هذا الإطار، بل في تعزيز موقع مبادرته داخله. فالحكم الذاتي تحت السيادة المغربية لن يكتسب قوة إضافية بمجرد وصفه بالحل الواقعي، وإنما بقدر ما يتقدم باعتباره تصورًا مؤسساتيًا واضحًا، يضمن تدبير الشؤون المحلية والمشاركة السياسية والتنمية، ويقدم بديلًا قابلًا للتطبيق عن استمرار النزاع.

إن المشروعية التاريخية والقانونية تحتاج إلى ترجمتها إلى مكاسب سياسية مستدامة. كما أن حماية الوحدة الترابية لا تتوقف على التحرك الدبلوماسي، بل تشمل أيضًا جودة المؤسسات، والتنمية، وتوسيع المشاركة، وتعزيز الاندماج الاقتصادي والاجتماعي في الأقاليم الجنوبية. فهذه العناصر تمنح الموقف المغربي قوة عملية، وتجعله أكثر قدرة على إقناع الشركاء الدوليين بجدوى الحل الذي يقترحه.

وفي التعامل مع الحلفاء، لا يكفي الاطمئنان إلى المواقف المعلنة، كما لا ينبغي تحويل كل اختلاف في التصويت إلى أزمة استراتيجية. المطلوب هو التمييز بين التحفظات الإجرائية والمواقف السياسية الفعلية، ومراقبة انعكاسها على القرارات الدولية ومسار المفاوضات. فالدبلوماسية الفاعلة لا تكتفي بتسجيل المواقف، بل تسعى إلى التأثير في نتائجها.

إن تصويت اللجنة الرابعة لا يحسم قضية الصحراء، لكنه يذكّر بأن المعركة الدبلوماسية لا تنتهي بكسب الأصوات، وأن التحولات الدولية تُقرأ من خلال اتجاهاتها وتداعياتها، لا من واقعة منفردة.

الرهان الاستراتيجي للمغرب ليس أن يصوّت العالم معه في كل مناسبة، بل أن يصبح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية الإطار الأكثر جدية وقابلية للتطبيق لإنهاء النزاع. فالفارق بين كسب تصويت وكسب معركة دبلوماسية هو القدرة على تحويل المواقف المؤيدة إلى دعم سياسي مؤثر، ثم إلى واقع مستدام يعزز الوحدة الترابية للمملكة.



في نفس الركن