2026 أبريل 9 - تم تعديله في [التاريخ]

واشنطن: من التهديد بمحو الحضارة إلى طاولة التفاوض


العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي 
 
لا يبدو قرار الاتفاق على وقف إطلاق النار لمدة أسبوعين، والدخول في مفاوضات مباشرة في إسلام آباد ابتداء من يوم الجمعة 10 أبريل 2026، مجرد منعطف دبلوماسي عادي في حرب شرسة أنهكت المنطقة والعالم. ما وقع، في العمق، يكشف ارتباكا سياسيا وعسكريا وأخلاقيا أيضا؛ لأن الانتقال السريع من لغة النار إلى لغة التفاوض لم يأت بعد نضج سياسي هادئ، بل جاء بعد تهديدات أمريكية بالغة الخطورة، ثم تراجع مفاجئ عنها قبيل انتهاء المهلة التي منحها دونالد ترامب لإيران لإعادة فتح مضيق هرمز. وقد ذكرت رويترز أن الاتفاق على هدنة الأسبوعين جاء قبل أقل من ساعتين من انتهاء تلك المهلة، فيما أكدت تقارير متقاطعة أن المفاوضات المباشرة ستنطلق في العاصمة الباكستانية الجمعة المقبل.
 
  مسار تفاوضي وُلد من رحم خطاب هدد بمحو حضارة
 
هنا تبرز أولى المفارقات الصادمة: كيف يمكن للعالم أن يثق في مسار تفاوضي وُلد من رحم خطاب يتحدث عن تدمير إيران ومحو تاريخ حضارة؟ قبل ساعات فقط من الهدنة، كان ترامب يصعّد تهديداته بشكل غير مسبوق، وربط تجنب الضربات الواسعة بامتثال طهران الفوري لشروطه، بينما تناولت تغطيات إعلامية حديثه بصياغات شديدة الخطورة، منها التهديد بأن (حضارة كاملة) قد تموت تلك الليلة إذا لم ترضخ إيران. ثم، وعلى بُعد ساعة ونصف تقريبا من انتهاء الإنذار، انقلب الخطاب من منطق الإبادة والتهشيم إلى منطق التهدئة والبحث عن (أساس صالح للتفاوض). هذا التحول لا يكشف قوة بقدر ما يكشف حدود القوة، ويؤكد أن من يرفع سقف التهديد إلى أقصاه يكون، في أحيان كثيرة، في حاجة إلى مخرج سياسي أكثر من حاجته إلى نصر عسكري.
 
إن أخطر ما في تصريحات ترامب ليس فقط مضمونها التدميري، بل ما تحمله من استخفاف بفكرة الدولة والتاريخ والذاكرة الإنسانية. حين يصبح الحديث عن(محو الحضارة) جزءا من خطاب سياسي معاصر، فذلك يعني أن العالم دخل مرحلة خطيرة صار فيها بعض قادة القوى الكبرى يتحدثون بلغة الانتقام الكوني لا بلغة القانون الدولي. ومهما كانت المبررات العسكرية أو الأمنية، فلا شيء يبرر سياسيا أو أخلاقيا التلويح بتدمير شامل لبلد يمتد تاريخه لقرون طويلة. لذلك، فإن تراجع هذا الخطاب قبل أقل من ساعتين من انتهاء المهلة لا يجب أن يُقدَّم بوصفه (حكمة) متأخرة، بل بوصفه دليلا على أن الحرب نفسها كانت تسير على حافة الجنون.
 
شروط إيرانية بلغة المنتصر
 
أما حين نصل إلى الشروط الإيرانية، فلا يجوز اختزالها في عبارة عامة من قبيل (مطالب ثقيلة). إنها في الحقيقة خارطة طريق شديدة القسوة والتعقيد، لأنها لا تطلب فقط وقف الحرب، بل تسعى إلى إعادة صياغة قواعد الاشتباك، وموازين النفوذ، وحدود الهيمنة الأمريكية والإسرائيلية في المنطقة. فإيران لم تطلب، أولا، مجرد هدنة عابرة، بل ضمانا رسميا بعدم الاعتداء عليها مستقبلا. وطالبت، ثانيا، بالإقرار بسيادتها الكاملة على مضيق هرمز مع تنظيم المرور فيه وفق ترتيبات جديدة. وطلبت، ثالثا، الاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، ثم ذهبت أبعد من ذلك بالمطالبة، رابعا وخامسا، برفع العقوبات الأولية والثانوية كلها. ولم تكتف بهذا، بل اشترطت، سادسا، إلغاء قرارات مجلس الأمن المرتبطة بملفها، وسابعا إنهاء قرارات مجلس محافظي الوكالة الدولية للطاقة الذرية، وثامنا دفع تعويضات عن الأضرار التي لحقت بها، وتاسعا خروج القوات القتالية الأمريكية من المنطقة، وعاشرا وقف الحرب على كل الجبهات، بما فيها الجبهة اللبنانية. هذه ليست مطالب وقف نار فقط؛ إنها مشروع تسوية شاملة يراد له أن يتحول إلى اعتراف دولي بمكانة إيران الإقليمية الجديدة. 
 
ومن هنا بالذات تبدأ القراءة النقدية الأعمق. فهذه الشروط، وإن بدت منسجمة مع منطق المنتصر سياسيا أو مع منطق من صمد ولم ينكسر، فإنها في المقابل تضع واشنطن وتل أبيب أمام مأزق تفاوضي هائل. كيف يمكن للولايات المتحدة أن تقبل مثلا بإلغاء منظومة عقوبات كاملة بُنيت خلال سنوات طويلة؟ وكيف يمكن لإسرائيل أن تتعامل مع وقف شامل للحرب يمتد إلى الساحة اللبنانية بينما ما تزال تعتبر ضرب حلفاء طهران جزءا من أمنها الاستراتيجي؟ ثم كيف يمكن للمؤسسات الدولية نفسها أن تتراجع دفعة واحدة عن قراراتها السابقة فقط لأن الحرب وصلت إلى حافة الانفجار؟ لذلك فالشروط الإيرانية، رغم وجاهة بعضها من منظور السيادة ووقف العدوان، تبدو أيضا مصممة لرفع السقف إلى الحد الأقصى من أجل انتزاع أكبر قدر ممكن من المكاسب على طاولة التفاوض. 
 
لقد أثبتت هذه الأزمة أن إيران لم تدخل التفاوض من موقع المنكسر. فمجرد قبول واشنطن، ومعها إسرائيل بصورة مباشرة أو غير مباشرة، بالانتقال إلى إسلام آباد، يعني أن الحسم العسكري لم يحقق أهدافه كاملة. رويترز نقلت بوضوح أن الحرب التي بدأت في 28 فبراير 2026 بهدف كبح النفوذ الإيراني وتفكيك برنامجه النووي لم تُسقط القيادة الإيرانية، بل إن قدرة طهران على التأثير في معادلة الطاقة عبر مضيق هرمز بدت أكثر وضوحا بعد أسابيع الحرب. وهذا وحده يفسر لماذا انتقل الخطاب الأمريكي من التهديد بالاجتثاث إلى القبول المؤقت بوقف النار.
 
الهدنة والمفاوضات لا تعني نهاية الحرب
 
لكن، في المقابل، لا ينبغي الوقوع في رومانسية سياسية توحي بأن مجرد الجلوس إلى الطاولة يعني اقتراب السلام. هدنة الأسبوعين قد تكون استراحة محارب، وقد تكون أيضا مجرد فترة لإعادة التموضع العسكري، وامتصاص صدمة الأسواق، وتهدئة الرأي العام الدولي، ثم العودة إلى التصعيد إذا تعثرت المفاوضات. الدليل على ذلك أن الاتفاق نفسه ما يزال محاطا بشكوك، وأن بعض الجبهات، وخصوصا ما يتعلق بلبنان، لم تُحسم نهائيا في القراءة الإسرائيلية للاتفاق. كما أن العالم رحب بالهدنة لأنها خففت الضغط على سوق الطاقة، لا لأنها أنهت جذور النزاع. 
 
إن اختيار باكستان لاستضافة هذه المفاوضات يمنح إسلام آباد لحظة دبلوماسية نادرة، لكنه يكشف أيضا أن الوسطاء التقليديين لم يعودوا وحدهم من يدير أزمات الشرق الأوسط. والأهم من ذلك أن هذه الوساطة الباكستانية جاءت في لحظة كان العالم فيها يراقب عدًّا تنازليًا مرعبًا: إما فتح هرمز، أو الذهاب إلى جحيم أوسع. لهذا فإن الانتقال من منبر التهديد إلى قاعة التفاوض لم يكن هدية أمريكية لإيران، ولا تنازلا إيرانيا لأمريكا، بل كان اعترافا متبادلا بأن استمرار الحرب صار أكثر كلفة من تعليقها مؤقتا. 
 
لا تُقرأ القرارات الكبرى في زمن الحروب بعناوينها المعلنة، بل بخلفياتها الصامتة وما تخفيه بين سطورها. إعلان دونالد ترامب عن هدنة مؤقتة لمدة أسبوعين مع إيران، والدخول في مفاوضات مباشرة بمشاركة إسرائيل في العاصمة إسلام آباد، لا يمكن اعتباره مجرد خطوة نحو السلام، بقدر ما يعكس لحظة إعادة تموضع استراتيجي لكل الأطراف المنخرطة في هذا الصراع المعقد.
 
في الظاهر، يبدو القرار انفراجًا مرحليًا بعد تصعيد خطير هدد استقرار المنطقة والعالم، خصوصًا مع اقتراب شريان الطاقة العالمي في مضيق هرمز من حافة الانفجار. لكن في العمق، تكشف هذه الهدنة عن حالة إنهاك متبادل، ورغبة تكتيكية في التقاط الأنفاس، وليس بالضرورة إرادة حقيقية لإنهاء الحرب. فالتاريخ القريب علمنا أن (الهدن المؤقتة) غالبًا ما تتحول إلى جسور نحو جولات أعنف، حين لا تُبنى على توافقات صلبة بل على حسابات ظرفية.
 
هنا تبرز مفارقة خطيرة: قبل ساعات فقط من إعلان الهدنة، كان خطاب دونالد ترامب يتجه نحو أقصى درجات التصعيد، ملوّحًا بتدمير إيران ومحو تاريخ حضارتها إن لم تستجب للشروط الأمريكية. لكن، وعلى بُعد ساعة ونصف تقريبًا من انتهاء المهلة، تغيّر الخطاب بشكل مفاجئ، لينتقل من لغة التهديد الوجودي إلى لغة “التفاوض الممكن”. هذا التحول الحاد لا يعكس فقط مرونة سياسية، بل يكشف حدود القوة، ويؤكد أن الحسم العسكري لم يعد خيارًا مضمون النتائج.
 
هدنة حبيسة التصريحات .. لم تكتمل على أرض الواقع
 
غير أن الأخطر، والذي يجب التوقف عنده، هو أن الحرب لم تتوقف فعليًا حتى بعد الإعلان عن الهدنة. فقد استمرت بؤر التوتر مشتعلة في أكثر من جبهة، سواء عبر ضربات متقطعة، أو تحركات عسكرية ميدانية، أو استنفار غير مسبوق للقوات في مناطق حساسة. في الخليج، ظل التوتر قائماً حول حركة الملاحة في مضيق هرمز، مع استمرار حالة التأهب البحري. وفي الساحة العراقية والسورية، تواصلت المناوشات غير المباشرة عبر حلفاء الطرفين. أما في لبنان، فقد بقيت الجبهة مفتوحة على التصعيد، في ظل غياب ضمانات واضحة لوقف شامل لإطلاق النار. هذا الواقع يؤكد أن (الهدنة) كانت قرارًا سياسياً أكثر منها واقعًا ميدانياً، وأن آلة الحرب لا تتوقف ببلاغ، بل بتفاهمات حقيقية تُترجم على الأرض.
  
السؤال الجوهري إذن: هل نحن أمام بداية سلام أم مجرد استراحة تكتيكية؟
 
الإجابة، حتى الآن، تميل إلى الخيار الثاني. لأن ما جرى لا يوحي بتسوية متكاملة، بل بإدارة أزمة في لحظة حرجة. فحين تُرفع السقوف إلى حد التهديد بمحو الحضارات، ثم تُخفض فجأة إلى مستوى التفاوض، فإن ذلك يعني أن الحرب وصلت إلى حدودها القصوى دون أن تحسم، وأن الجميع يبحث عن مخرج مؤقت… لا عن نهاية حقيقية.
 
في النهاية، ما بين هدنة الأسبوعين وضجيج الشروط العشرة، يبقى العالم أمام حقيقة مقلقة: لم يعد الخطر في اندلاع الحروب فقط، بل في الطريقة التي تُدار بها، حيث يمكن أن يتحول القرار بين ساعة وأخرى من تدمير شامل إلى تفاوض مباشر… دون أن يتوقف النزيف فعليًا على الأرض.
 
  إن ما جرى قبل انتهاء المهلة سيبقى أخطر من الهدنة نفسها. لأن العالم شاهد كيف يمكن لرئيس دولة عظمى أن يلوّح بتدمير بلد ومحو حضارته، ثم يتحول، بعد نحو ساعة ونصف فقط، إلى رجل يعلن هدنة ويقبل بخارطة تفاوض. هذا ليس تفصيلا عابرا. إنه درس قاسٍ في طبيعة السياسة الدولية اليوم: لغة القوة قد تبلغ أقصى درجات التوحش، لكنها تتراجع فجأة حين تكتشف أن الخصم لم يسقط، وأن المنطقة كلها تقف على حافة انهيار شامل. لذلك فإن مفاوضات إسلام آباد، مهما كانت نتائجها، لن تُقرأ فقط باعتبارها فرصة للسلام، بل باعتبارها أيضا شهادة على فشل الحرب في فرض الاستسلام الكامل، وعلى أن التهديد بمحو الحضارات لم يعد يصنع نصرا، بل يصنع مزيدا من العار والقلق العالمي.



في نفس الركن