الكاتب بوشعيب حمراوي
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
عندما تتحول السيارات إلى أدوات للقتل، والحوادث إلى ستار محتمل للجرائم، تصبح حماية الأرواح معركة ضد انهيار القيم واستباحة الإنسان.. فمن يردع المعتدين، ومن يعيد للضمير الإنساني سلطته؟
هناك حوادث توقظ فينا الحزن، وأخرى تثير الغضب، لكن بعضها يتجاوز الحزن والغضب ليضعنا أمام أسئلة مخيفة عن طبيعة الإنسان الذي نعيش معه، وعن القيم التي تحكم سلوكه، وعن الحدود التي يمكن أن يبلغها الاستهتار بالأرواح.
واقعة شرطي أكادير واحدة من هذه الوقائع الصادمة.
فبحسب المعطيات المتداولة بشأن الحادثة، لم يتوقف الأمر عند صدم شرطي أثناء مزاولته مهامه، بل امتد إلى الرجوع بالسيارة ودهسه مرة ثانية. وإذا تأكد هذا التسلسل بكل تفاصيله، فإننا لا نكون أمام مجرد تهور في السياقة، وإنما أمام قرائن خطيرة تستوجب التحقيق في احتمال استعمال السيارة أداة للاعتداء المتعمد على الحياة.
لكن ما يعنيني هنا ليس إعادة سرد الواقعة، ولا استباق التكييف القضائي لها، بل ما تكشفه من أسئلة أكبر وأخطر.
أي كائن بشري يستطيع أن يرى إنساناً يسقط أمام عجلات سيارته، ثم يعود نحوه بدل أن يتوقف لإنقاذه؟ وأي ضمير يمكن أن يسمح بتحويل جسد إنسان إلى هدف يُسحق مرتين؟
وإذا كان رجل الأمن، بما يمثله من سلطة القانون، قد يتعرض لمثل هذا الاعتداء، فماذا عن المواطن الأعزل، والطفل، والمرأة، والمسن، وكل من يجد نفسه في مواجهة شخص لا يرى في الآخرين سوى أجساد يمكن إيذاؤها؟
◆ ليست كل الحوادث بريئة.. فقد تختبئ الجريمة وراء مظهرها
صُنعت السيارات لنقل الناس، لا لقتلهم. وصُنعت أدوات العمل لخدمتهم، لا للتنكيل بهم. لكن بعض الأشخاص يستطيعون تحويل أبسط وسائل الحياة إلى أسلحة فتاكة.
فالسيارة قد تصبح أداة دهس، والحجر أداة قتل، والسكين أداة تصفية، والنار وسيلة انتقام.
والأخطر أن بعض الاعتداءات قد تتخذ مظهراً يوحي بأنها مجرد حوادث عرضية. اصطدام يبدو نتيجة فقدان السيطرة، أو سقوط يبدو غير مقصود، أو إصابة تُنسب إلى خطأ عابر.
وهنا تكمن خطورة أخرى: أن يُقتل الإنسان مرتين؛ مرة بالاعتداء على جسده، ومرة بمحاولة إخفاء حقيقة ما تعرض له خلف وصف لا يعكس القصد الحقيقي للفعل.
ليس معنى ذلك اتهام كل من تسبب في حادث بارتكاب جريمة متعمدة، وإنما المطالبة بعدم الاكتفاء بالمظاهر عندما توجد قرائن جدية على استعمال وسيلة عادية بقصد الإيذاء أو القتل.
فالفرق بين الخطأ والجريمة العمدية لا تحدده الأداة المستعملة وحدها، بل القصد والسلوك والظروف والأدلة.
◆ الوحشية ليست قوة.. إنها سقوط أخلاقي
أخطر ما في بعض المعتدين أنهم يتصرفون وكأن حياة الآخرين ملك لهم، وأن غضبهم يمنحهم حق العقاب، وأن القوة الجسدية أو المادية تخول لهم إهانة الناس وإلحاق الأذى بهم.
إننا أمام نمط من السلوك لا يعترف بحدود الغضب، ولا بحرمة الجسد، ولا بقدسية الحياة.
فما الذي يمكن أن يدور في ذهن شخص يواصل الاعتداء على ضحيته بعدما تصبح عاجزة عن الدفاع عن نفسها؟
وأي انتصار يتوهم أنه حققه على إنسان سقط أرضاً؟ وأي بطولة تلك التي يكون سلاحها سيارة، وهدفها جسداً أعزل؟
إن قمة الجبن ليست الهروب من مواجهة الأقوياء، بل استعمال القوة لسحق من أصبح عاجزاً عن المقاومة.
والشخص الذي يستبيح حياة غيره لا يهدد ضحيته وحدها، بل يهدد شعور المجتمع كله بالأمان.
لأن الضحية المقبلة قد تكون أي واحد منا.
◆ من أنتج هذه السلوكات؟ ومن يتحمل مسؤولية مواجهتها؟
لا يولد الإنسان وهو يحمل رخصة أخلاقية للاعتداء على غيره. ولا يصبح احترام الحياة قيمة راسخة بمجرد حفظ النصوص الدينية والقانونية أو ترديد الشعارات.
إنه سلوك يُبنى بالتربية والقدوة والممارسة والمحاسبة.
وهنا ينبغي أن نسائل الأسرة التي قد تتسامح مع عنف أبنائها، والمدرسة التي قد تنشغل بالنقط والشواهد على حساب بناء الشخصية، والشارع الذي قد يُكافئ الاستقواء، ومواقع التواصل التي قد تحول المعتدي إلى بطل والضحية إلى مادة للسخرية.
ونسائل كذلك الإعلام الذي يكتفي أحياناً بإثارة الصدمة دون مساءلة أسباب العنف، والمؤسسات التي لا تمنح الوقاية والتأطير النفسي والتربوي ما يستحقانه من اهتمام.
لا يعني ذلك تحميل هذه الجهات مسؤولية كل جريمة فردية، وإنما التأكيد أن المجتمع الذي يريد تقليص العنف لا يمكنه انتظار وقوع الجرائم حتى يتحرك.
فنحن نبني الطرق والجسور والملاعب والمؤسسات، ونخصص لها الميزانيات، ونحتفي بافتتاحها، لكن هل نستثمر بالجدية نفسها في بناء الإنسان الذي سيستعملها؟
ما قيمة طريق حديثة إذا أصبحت مسرحاً للدهس المتعمد؟ وما قيمة مدرسة جميلة إذا عجزنا عن تعليم أبنائنا أن حياة الآخرين ليست مجالاً للانتقام؟ وما قيمة الأمن إذا لم نزرع احترام الإنسان داخل النفوس؟
◆ المخدرات والسكر لا ينبغي أن يصبحا ستاراً أخلاقياً للجرائم
كلما وقعت جريمة صادمة، تسارع البعض إلى البحث عن تفسيرات جاهزة: كان غاضباً، أو مخموراً، أو تحت تأثير المخدرات، أو لم يكن يدرك ما يفعل.
قد تكون لبعض هذه المعطيات أهمية طبية وقانونية في فهم الواقعة، لكن تفسير السلوك لا يعني تبريره.
فالسكر لا يعيد الحياة إلى ضحية، والمخدرات لا تمحو معاناة المصاب، والغضب لا يمنح صاحبه حق تحويل الطريق العام إلى ساحة لتصفية الحسابات.
ومن يقود مركبة وهو فاقد للقدرة على التحكم فيها يرتكب سلوكاً خطيراً يستوجب المساءلة. أما إذا ثبت أنه استعملها عمداً للاعتداء على حياة شخص، فإننا نكون أمام مسؤولية أخرى أشد خطورة، يحددها القانون والقضاء.
المجتمع مطالب بمواجهة ثقافة الاستهتار، لا بالتعايش معها حتى تتحول إلى مآسٍ.
◆ نريد عدالة تكشف الجريمة مهما كان القناع الذي ترتديه
إن الدفاع عن حق الحياة يقتضي عدالة لا تنخدع بالمظهر الخارجي للوقائع، ولا تختزل الاعتداءات المحتملة في مجرد أخطاء مرورية عندما تشير الأدلة إلى غير ذلك.
ينبغي التدقيق في حركة المركبة، وتكرار الفعل، وسلوك المشتبه فيه قبل الواقعة وبعدها، وشهادات الحاضرين، وتسجيلات الكاميرات، وكل القرائن التي تساعد على تحديد النية.
ولا ينبغي أن تضيع حقوق الضحايا بين التفسيرات المتسرعة والتكييفات غير المؤسسة على تحقيق كامل.
لكن صرامة العدالة لا تعني إصدار أحكام مسبقة، ولا المساس بقرينة البراءة. فنحن لا نطالب بإدانة شخص قبل محاكمته، بل نطالب بأن يكون التحقيق بمستوى خطورة الأفعال، وأن تكون المحاسبة بمستوى ما يثبته القضاء.
لا نريد عدالة للانتقام، بل عدالة تحمي المجتمع، وتنصف الضحايا، وتردع المعتدين، وتؤكد أن حياة الإنسان ليست رخيصة.
◆ حق الحياة أكبر من كل خلاف وأقوى من كل نزوة
إن الدفاع عن شرطي تعرض للاعتداء أثناء أداء واجبه ليس دفاعاً عن الزي النظامي وحده، بل عن الإنسان الذي يرتديه، وعن القانون الذي يمثله، وعن حق المجتمع في الحماية.
وكذلك فإن الدفاع عن أي مواطن يتعرض للدهس أو الضرب أو الطعن ليس مرتبطاً بصفته أو مهنته أو مكانته الاجتماعية.
فالحياة لا تتجزأ، والكرامة لا تقبل الانتقاء.
ولا يمكن أن نطالب بحماية موظف ونصمت عن الاعتداء على مواطن، أو نتعاطف مع ضحية معروفة ونتجاهل أخرى مجهولة.
إن معيار إنسانيتنا الحقيقي هو قدرتنا على الدفاع عن الحق في الحياة دون تمييز.
ولهذا يجب أن تتحول مثل هذه الوقائع إلى مناسبة لمراجعة سياسات الوقاية من العنف، وتطوير التربية على المواطنة، وتعزيز حماية الموظفين أثناء أداء مهامهم، وتحسين حماية الضحايا ومرافقة أسرهم، وتشديد الرقابة على السياقة الخطرة، ومواجهة المخدرات والسلوكات العدوانية.
كما ينبغي أن نتوقف عن تمجيد مظاهر الاستقواء، وعن تقديم المتهورين باعتبارهم شجعاناً لمجرد تحديهم القانون.
فالشجاعة ليست في سحق الآخرين، وإنما في القدرة على كبح نزوات العدوان واحترام حياة الناس.
◆ لا نريد أن نصبح مجتمعاً يعتاد الوحشية
أخشى ما أخشاه أن تتحول صور الاعتداءات إلى مشاهد مألوفة، وأن يصبح خبر دهس إنسان أو طعنه أو تعذيبه مجرد منشور عابر، تتبعه تعليقات غاضبة لبضع ساعات قبل أن ينصرف الجميع إلى انتظار مأساة جديدة.
إن الاعتياد على العنف قد يكون أخطر من العنف نفسه؛ لأنه يقتل الحساسية الأخلاقية التي تجعل المجتمع ينتفض دفاعاً عن الحياة.
واقعة شرطي أكادير يجب ألا تمر باعتبارها مجرد خبر أمني آخر.
إنها مناسبة لنسائل أنفسنا: ماذا بقي من إنسانيتنا عندما يستطيع بعض الأشخاص استعمال أدوات الحياة لإزهاق الأرواح؟ وماذا بقي من التربية حين يصبح الانتقام أقوى من الضمير؟ وماذا بقي من قيم التعايش إذا أصبح الإنسان يخاف الإنسان أكثر مما يخاف أخطار الطبيعة؟
لسنا بحاجة إلى مجتمع يخشى فيه المواطن كل سيارة تمر بجانبه، أو كل شخص يختلف معه، أو كل متهور يعترض طريقه.
نحن بحاجة إلى مجتمع يطمئن فيه الإنسان إلى أن حياته مصونة بالقانون، ومحترمة بالأخلاق، ومحمية بمؤسسات يقظة وعدالة منصفة.
إن معركتنا ليست مع السيارة التي تدهس، بل مع العقل الذي يقرر تحويلها إلى سلاح. وليست مع الأداة التي تقتل، بل مع الضمير الذي يسمح باستعمالها للقتل.
ولذلك فإن بناء الإنسان ينبغي أن يكون أعظم أوراشنا الوطنية.
فلا معنى لوطن يتقدم في العمران إذا تراجعت فيه حرمة الإنسان، ولا قيمة لتنمية لا تجعل حماية الحياة وكرامة البشر في مقدمة أولوياتها.
وستبقى الرسالة التي ينبغي أن نرفعها جميعاً واضحة:
لا أحد يملك حق استباحة حياة أحد. ولا غضب يبرر القتل، ولا تهور يبرر التنكيل، ولا قوة تمنح صاحبها سلطة سحق الآخرين.
من حقنا أن نعيش دون خوف من وحشية بعض البشر، ومن واجب الدولة والمجتمع أن يجعلا هذا الحق حقيقة يومية، لا مجرد شعار يُرفع بعد كل مأساة.
تحية تقدير ووفاء لرجل الأمن وتمنيات صادقة بالشفاء العاجل ودوام السلامة
تحية تقدير ووفاء لرجل الأمن وتمنيات صادقة بالشفاء العاجل ودوام السلامة