*بقلم: عبده حقي*
قبل سنوات كان السؤال الذي يشغل أدمغة العلماء هو: هل يمكن للآلة أن تفكر؟ أما اليوم فقد أصبح السؤال أكثر إثارة للقلق: ماذا سيحدث لدماغ الإنسان إذا توقف عن التفكير لأنه أوكل معظم وظائفه ونشاطاته العقلية إلى الذكاء الاصطناعي؟
إننا نقف أمام تجربة بيولوجية غير مسبوقة في تاريخ النوع البشري. ففي المرة الأولى التي ظهرت فيها الكتابة لم يتوقف الإنسان عن التذكر، والمرة الأولى التي ظهرت فيها الآلة الحاسبة لم يتوقف عن الحساب، أما الذكاء الاصطناعي فإنه يهدد بأن يصبح بديلاً عن التفكير نفسه، لا مجرد أداة مساعدة له.
لقد اعتدنا أن نصف الدماغ بأنه العضو الأكثر تعقيداً في الكون. غير أن هذا التعقيد ليس ثابتاً، بل هو نتاج ملايين السنين من الانتقاء الطبيعي والاستعمال المتواصل. فالأعصاب لا تنمو لأنها موجودة، وإنما لأنها تُستعمل. والوصلات العصبية لا تظل قوية لأنها خُلقت كذلك، وإنما لأنها تتكرر باستمرار. ومن هنا يبرز السؤال الذي بدأ علماء الأعصاب يطرحونه بجدية: إذا أصبح الذكاء الاصطناعي هو الذي يكتب ويحلل ويترجم ويتذكر ويقرر، فهل سيبدأ الدماغ البشري في إعادة تشكيل نفسه بطريقة مختلفة؟
لا يبدو مستبعداً أن يؤدي الاعتماد المفرط على الذكاء الاصطناعي إلى تغيرات وظيفية داخل الدماغ. لكن من المهم التمييز بين ما تؤيده الأدلة العلمية اليوم وما يبقى مجرد فرضيات. حتى الآن لا يوجد دليل يثبت أن استعمال الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى انكماش الدماغ بأكمله، غير أن هناك مخاوف علمية من أن الإفراط في تفويض المهام الذهنية قد يضعف بعض الشبكات العصبية المسؤولة عن الذاكرة العاملة، والانتباه، والتفكير النقدي، وحل المشكلات.
وهنا يبرز سؤال آخر أكثر جرأة: هل يمكن أن يتقلص حجم الدماغ عبر الأجيال؟ لقد أثبت علم الحفريات أن حجم دماغ الإنسان لم يكن ثابتاً عبر التاريخ. فبعد وصول الإنسان العاقل إلى ذروة حجم دماغه قبل عشرات الآلاف من السنين، تشير بعض الدراسات إلى حدوث انخفاض طفيف في متوسط الحجم خلال العشرة آلاف سنة الأخيرة. غير أن العلماء يختلفون حول تفسير ذلك؛ فبعضهم يعزوه إلى تغيرات في الجسم والتغذية، وآخرون إلى تطور الحياة الاجتماعية وتقاسم الوظائف المعرفية داخل الجماعات. لذلك لا يمكن الجزم بأن الذكاء الاصطناعي سيؤدي إلى مزيد من الانكماش، لكنه قد يضيف عاملاً جديداً إلى هذه المعادلة التطورية.
أما على المستوى الخلوي، فإن الصورة تبدو أكثر تعقيداً. فالخلايا العصبية لا تختفي بسهولة، لكن كثافة التشابكات بينها قد تتغير تبعاً لدرجة النشاط الذهني. فإذا أصبحت الخوارزميات هي التي تتذكر الأرقام، وتصوغ الرسائل، وتلخص الكتب، وتولد الأفكار، فقد تقل الحاجة إلى تشغيل بعض الدوائر العصبية بنفس الكثافة السابقة. وهذا يشبه العضلة التي لا تضمر لأنها مريضة، بل لأنها لم تعد تؤدي عملاً يتطلب قوتها.
ولعل أخطر ما قد يواجه الدماغ ليس تقلص حجمه، وإنما تغير طريقة عمله. فقد يتجه العقل البشري تدريجياً من إنتاج المعرفة إلى اختيار المعرفة التي ينتجها الذكاء الاصطناعي. وبدلاً من بناء الأفكار من الصفر، سيصبح الإنسان أقرب إلى محرر أو منسق أو مراجع لما تنتجه الآلة. وهنا تنتقل الوظيفة المعرفية من الإبداع الأولي إلى الانتقاء والتقييم.
وقد بدأ بعض الباحثين يتحدثون عن ظاهرة تعرف باسم الكسل المعرفي، أي ميل الإنسان إلى اختيار الطريق الذهني الأسهل كلما وجد من يفكر نيابة عنه. وهذه الظاهرة ليست جديدة؛ فقد ظهرت مع محركات البحث والهواتف الذكية، لكنها قد تبلغ مستوى غير مسبوق مع أنظمة الذكاء الاصطناعي القادرة على إنجاز أعمال كانت تتطلب ساعات من التفكير خلال ثوانٍ معدودة.
ومن الأسئلة التي تستحق التأمل: هل سيصبح الأطفال الذين يولدون في عصر الذكاء الاصطناعي مختلفين عصبياً عن الأجيال السابقة؟ من المحتمل أن تنمو لديهم مهارات جديدة، مثل القدرة على إدارة الأنظمة الذكية، والتفاعل مع الوكلاء الرقميين، والتحقق من صحة المعلومات، في مقابل تراجع مهارات أخرى كالحفظ الطويل، أو الحساب الذهني، أو الكتابة المطولة دون مساعدة. لكن هذه الفرضية تحتاج إلى سنوات طويلة من الدراسات قبل أن تتحول إلى حقيقة علمية.
وهناك احتمال آخر أكثر تفاؤلاً. فقد لا يؤدي الذكاء الاصطناعي إلى إضعاف الدماغ، بل إلى إعادة توزيع موارده. فإذا تكفلت الآلة بالعمليات الروتينية، فقد يتفرغ الإنسان لمهام أكثر تعقيداً، مثل الابتكار، والتأمل الفلسفي، والتخطيط بعيد المدى، والإبداع الفني. في هذه الحالة لن يكون الذكاء الاصطناعي عدواً للدماغ، بل شريكاً في تطويره.
غير أن هذا السيناريو الإيجابي مشروط بطريقة الاستخدام. فالفرق كبير بين شخص يستخدم الذكاء الاصطناعي لتوسيع قدراته العقلية، وآخر يستخدمه بديلاً عن كل جهد فكري. الأول يدرب دماغه على طرح الأسئلة، ومراجعة الإجابات، وربط المعارف، أما الثاني فيكتفي بالنسخ واللصق، ويعطل تدريجياً ملكة التحليل والاستنتاج.
ومن منظور تطوري، قد لا يكون السؤال الحقيقي هو: هل سيتقلص الدماغ؟ بل: أي نوع من الأدمغة سيحتاجه الإنسان في عصر الذكاء الاصطناعي؟ فمن الممكن أن تصبح القيمة العليا ليست في تخزين المعلومات، وإنما في القدرة على نقدها، وليس في سرعة الحساب، وإنما في الحكمة الأخلاقية، وليس في جمع البيانات، وإنما في منحها معنى إنسانياً.
الكاتب المغربي عبده حقي
إن الدماغ البشري لم يتطور ليكون أكبر حجماً فحسب، بل ليكون أكثر قدرة على التكيف. وإذا كان الذكاء الاصطناعي يمثل أعظم ثورة معرفية منذ اختراع الكتابة، فإنه قد يصبح أيضاً أعظم اختبار بيولوجي وعصبي يواجهه الإنسان. وربما لن تقاس حضارتنا المستقبلية بعدد النماذج الذكية التي نبنيها، بل بقدرتنا على ألا نفقد، وسط هذا الازدهار التقني، العضو الذي صنع كل الحضارات السابقة: الدماغ البشري.