☰
2026 شتنبر 30 - تم تعديله في [التاريخ]

وزارة التربية الوطنية ليست مصابة بألزهايمر… فلماذا تسأل موظفيها كل شتنبر: من أنتم؟

كل شتنبر، سؤال يتكرر داخل مدارس المغرب: «من أنتم؟».. ليس موجها للتلاميذ هذه المرة، بل للأساتذة والإداريين الذين تملك الوزارة ملفاتهم ومساراتهم منذ سنوات. حمراوي يضع «الورقة الشخصية» تحت المجهر، ويفتح ملفًا أكبر من مجرد ورقة: هل رقمنّا الإدارة فعلًا، أم نقلنا البيروقراطية من الورق إلى الحاسوب؟


الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
«الورقة الشخصية» تضع الرقمنة أمام سؤال محرج: لماذا يعيد الأستاذ والإداري كل سنة كتابة معلومات تملكها الوزارة وأكاديمياتها في ملفاتها ومنظوماتها وأرشيفها؟

مع بداية كل موسم دراسي، وبينما يكون المفروض أن تنصرف جهود نساء ورجال التعليم إلى استقبال التلاميذ، وضبط البنيات التربوية، وإعداد استعمالات الزمن، وتوزيع الأقسام والمهام، وترتيب شروط انطلاقة دراسية سليمة، تعود إلى مكاتب الأساتذة والأطر الإدارية ورقة قديمة جديدة، تتكرر كل شتنبر تقريبًا بنفس الأسئلة ونفس الخانات ونفس المنطق، وتحمل اسمًا بسيطًا هو «الورقة الشخصية»، لكنها في الحقيقة تختصر واحدة من أكثر مفارقات الإدارة التربوية غرابة: وزارة تعرف موظفيها جيدًا، ثم تطلب منهم كل سنة أن يعرفوا بأنفسهم من جديد.

وكأن ذاكرة الإدارة تتوقف عند نهاية كل موسم، ثم تستيقظ مع الدخول المدرسي لتسأل من جديد: ما اسمك؟ متى ولدت؟ ما رقم تأجيرك؟ ما إطارك؟ ما درجتك؟ ما رتبتك؟ متى توظفت؟ أين اشتغلت؟ وما الشهادات التي حصلت عليها؟

السؤال هنا ليس عن أهمية تحيين المعطيات، فهذا أمر بديهي ومطلوب، وإنما عن معنى أن تُعاد كتابة معلومات ثابتة أو شبه ثابتة يفترض أن الوزارة تتوفر عليها أصلًا في ملفاتها وأرشيفها ومنظوماتها وقواعد بياناتها.

◆ وزارة تعرفك منذ يوم التوظيف… ثم تعود لتسألك من تكون

منذ اللحظة التي يلج فيها الأستاذ أو الإداري الوظيفة العمومية، تبدأ الإدارة في إنشاء ملفه، تمنحه رقم تأجير، وتسجل تاريخ توظيفه، وتحدد إطاره ودرجته ورتبته، وتصدر قرارات انتقاله أو ترقيته أو تكليفه، وتتوصل بتقاريره ونقطه ووثائقه وشهاداته، وتؤدي له أجرته شهريًا بناءً على وضعيته الإدارية الدقيقة، وتتابع مساره من المؤسسة إلى المديرية فالأكاديمية فالوزارة.

فإذا كانت كل هذه المعطيات موجودة، وإذا كانت بعضُها من إنتاج الإدارة نفسها، فما معنى أن يعود الموظف كل موسم لكتابتها بيده؟

المفارقة تصبح أكثر وضوحًا عندما ننتبه إلى أن عددًا من المعلومات التي يُطلب من الأستاذ تعبئتها ليست معلومات هو مصدرها الأصلي أصلًا، فالرتبة لم يخترها، والدرجة لم يحددها، والإطار لم يمنحه لنفسه، وتاريخ التوظيف موجود في قرار رسمي، ونقطة التفتيش صادرة عن جهاز إداري تابع للوزارة، والمسار المهني موثق في قرارات انتقال وتعيين وتكليف، ومع ذلك يطلب منه أن يعيد تقديم هذه المعلومات لمن أصدرها وسجلها وحفظها.

◆ التحيين شيء… وإعادة كتابة التاريخ الإداري شيء آخر

لا أحد يعترض على أن تتغير بعض البيانات من سنة إلى أخرى، فقد يتغير العنوان الشخصي، أو رقم الهاتف، أو الوضع العائلي، أو يحصل الموظف على شهادة جديدة، أو ينتقل إلى مؤسسة أخرى، أو تتغير مهمته أو بعض تفاصيل وضعه المهني، كما أن هناك معلومات مرتبطة بكل موسم دراسي من الطبيعي أن يتم إدراجها من جديد، مثل استعمال الزمن والأقسام المسندة وعدد الساعات والمهمة الحالية.

لكن منطق الإدارة الحديثة يقول: اعرض على الموظف البيانات الموجودة لديك، واطلب منه فقط تصحيح الخطأ أو تحيين الجديد.

أما أن تقدم له في كل شتنبر ورقة فارغة، وتطالبه بإعادة كتابة جزء كبير من حياته المهنية، فذلك ليس تحيينًا بقدر ما هو إعادة إنتاج للإجراء نفسه، حتى وإن تغيرت الوسائل من حوله.

والفرق بين الأمرين كبير؛ لأن الأول يعبر عن إدارة تستخدم ذاكرتها، بينما الثاني يوحي بأننا نحتفظ بالأرشيف من جهة، ثم نتصرف وكأنه غير موجود من جهة أخرى.

◆ الرقمنة ليست أن نضع الحاسوب بجوار كومة الأوراق

كثر الحديث خلال السنوات الأخيرة عن الرقمنة، وعن الإدارة الإلكترونية، وعن تبسيط المساطر، وعن المنصات الرقمية وتدبير الموارد البشرية بالمعلومات الدقيقة، وهذه كلها خطوات ضرورية لا يمكن إنكار أهميتها، لكن الرقمنة لا تُقاس بعدد الحواسيب الموجودة في المكاتب، ولا بعدد المنصات التي نطلقها، بل بقدرتها على إنهاء الأعمال المتكررة والحد من الازدواجية وربح الوقت وتقليص الأخطاء.

فالرقمنة الحقيقية تعني أن تنتقل المعلومة داخل الإدارة من قاعدة بيانات إلى أخرى، لا أن تنتقل من ذاكرة الموظف إلى الورقة ثم من الورقة إلى الملف، وربما من الملف إلى الحاسوب من جديد.

أما أن تكون المعلومة موجودة رقميًا، ثم نطلب من صاحبها كتابتها ورقيًا، ثم نعيد حفظها في ملف إداري، فإننا لم نغادر الإدارة الورقية، بل أضفنا إليها طبقة رقمية فقط، فأصبح لدينا حاسوب وورقة يؤديان أحيانًا الوظيفة نفسها.

وهنا يصبح «التحول الرقمي» معرضًا لسؤال محرج: هل غيّرنا فعلًا طريقة العمل، أم أننا رقمنّا بعض الأدوات وتركنا العقليات والمساطر كما كانت؟

◆ ورقة صغيرة… وهدر كبير حين تتكرر على آلاف الموظفين

قد يبدو الأمر بسيطًا لدى البعض: ورقة واحدة، دقائق قليلة، وقلم يملأ بعض الخانات، فلماذا كل هذا النقاش؟

لكن الإدارة لا تقيس الهدر بالورقة الواحدة، بل بحجم تكرارها.

حين يقوم آلاف الأساتذة والإداريين بالعملية نفسها، وحين تجمع آلاف الأوراق، وتراجع وتحفظ وتصنف، وحين يتكرر ذلك كل سنة، فإننا لا نتحدث عن دقائق قليلة، وإنما عن آلاف ساعات العمل، وآلاف النسخ الورقية، وكم هائل من المعطيات المكررة.

والمشكلة الأخطر ليست في كلفة الورق، بل في استمرار ثقافة إدارية تقوم على سؤال: ماذا كنا نفعل في السنة الماضية؟ فلنفعله مرة أخرى، بدل سؤال أكثر عقلانية: هل ما زلنا في حاجة إلى القيام به بالطريقة نفسها؟

فبعض الإجراءات لا تستمر لأنها ضرورية، بل لأنها تحولت إلى عادات إدارية يصعب على أحد أن يوقفها، حتى لو انتهى السبب الذي وُجدت من أجله قبل سنوات.

◆ لماذا لا يجد الأستاذ ورقته جاهزة بدل أن يكتبها من جديد؟

الحل ليس معقدًا، ولا يحتاج إلى اختراع ولا ميزانيات ضخمة.

يمكن ببساطة أن يدخل الأستاذ أو الإداري في بداية الموسم الدراسي إلى فضائه الرقمي، فيجد «ورقته الشخصية» جاهزة، متضمنة الاسم، ورقم التأجير، وتاريخ التوظيف، والإطار، والدرجة، والرتبة، والمؤسسة، والمسار المهني، والشهادات والمعلومات المتوفرة لدى الوزارة، ثم يراجعها ويصحح الخطأ إن وجد، ويضيف فقط ما استجد.

بعد ذلك، تتولى إدارة المؤسسة التأكد من المعطيات واعتمادها، ويمكن للمدير أو المفتش أو الجهة المختصة أن تصادق عليها إلكترونيًا، وإذا كانت الحاجة القانونية أو الأرشيفية تفرض نسخة ورقية، فلتطبع الإدارة النسخة النهائية بعد اعتمادها وتوضع في الملف.

بهذه الطريقة يتحول الموظف من ناسخ سنوي لمعلوماته إلى مدقق لبياناته، وتتحول المؤسسة من جامع للأوراق إلى جهة تحقق واعتماد، وتتحول الرقمنة من خطاب إلى ممارسة يومية مفيدة.

◆ الغريب أن بعض الأخطاء لا تُكتشف إلا لأن الإدارة تملك الأصل

وهناك مفارقة أخرى تستحق التأمل: ماذا لو أخطأ أستاذ في تاريخ تعيين قديم، أو في رتبته، أو في سنة حصوله على شهادة، أو في محطة من محطات مساره؟

إلى أين سترجع الإدارة لتصحح له؟

ستعود بالتأكيد إلى ملفه الإداري، أو قرار التوظيف، أو قاعدة بياناتها، أو أرشيفها.

وهنا يظهر السؤال في أبسط صوره: إذا كانت الإدارة تملك المرجع الصحيح الذي ستعود إليه عند وقوع الخطأ، فلماذا لا تبدأ العملية من ذلك المرجع أصلًا؟

لماذا نطلب من الموظف أن يكتب المعلومة من ذاكرته، ثم نتحقق منها من أرشيفنا، بدل أن نعرض عليه ما هو موجود في أرشيفنا ونطلب منه أن يؤكده أو يصححه؟

هذا وحده يكفي لبيان أن المشكل ليس تقنيًا، بل في فلسفة الإجراء نفسه.

◆ لا تجعلوا الأستاذ يبدأ الموسم بامتحان في ذاكرته الإدارية

الأستاذ مطالب في بداية الموسم بأن يكون حاضرًا ذهنيًا مع تلاميذه، مع مقرراته، مع أقسامه، ومع الاستعداد التربوي والنفسي لسنة كاملة، والإداري بدوره غارق في ترتيبات الدخول المدرسي والتسجيل والبنيات والجداول والموارد البشرية ومشاكل المؤسسات، فلا معنى لإضافة مهام يمكن لمنظومة معلوماتية أن تنجز معظمها تلقائيًا.

فمن غير المنطقي أن نطلب من المدرسة أن تُعلّم الناشئة الانخراط في مجتمع رقمي، وأن نحدثها عن الذكاء الاصطناعي والابتكار والإدارة الحديثة، ثم نستقبل الأستاذ في شتنبر بورقة نطلب منه أن يعيد عليها كتابة معلومات تعرفها الوزارة عنه منذ سنوات طويلة.

◆ الوزارة ليست مصابة بألزهايمر

وزارة التربية الوطنية ليست مصابة بألزهايمر، ولا أعتقد أن أرشيفها يفقد ذاكرته عند نهاية كل موسم دراسي، فهي تعرف موظفيها، وتدفع أجورهم، وتتبع مساراتهم، وترقياتهم وانتقالاتهم، وتحتفظ بملفاتهم ووثائقهم، وتملك من المعطيات ما يكفي لأن تقدم لكل موظف بطاقة جاهزة بدل أن تسأله كل سنة من يكون.

ولهذا، فإن السؤال الذي ينبغي أن يطرح في شتنبر ليس:

من أنتم؟

بل: ما الذي تغير في معلوماتكم منذ السنة الماضية؟

بين السؤالين مسافة كبيرة؛ هي نفسها المسافة بين إدارة تجمع المعلومات وإدارة تدبرها، وبين رقمنة تضيف منصة جديدة إلى البيروقراطية، ورقمنة حقيقية تحرر المدرسة وموظفيها من التكرار والورق والإجراءات التي انتهت صلاحيتها.

وقد تكون «الورقة الشخصية» مجرد ورقة واحدة، لكنها تقول الكثير عن إدارة تحتاج أحيانًا إلى أن تتذكر ما تعرفه، أكثر مما تحتاج إلى أن تسأل موظفيها من جديد عما تعرفه عنهم أصلًا.

«الورقة الشخصية».. تكرار سنوي يختبر جدوى الرقمنة



في نفس الركن