Quantcast
2026 أكتوبر 15 - تم تعديله في [التاريخ]

وزارة للثقافة وحقوق الإنسان… كيف نحمي الإنصاف والمصالحة من النسيان؟

كيف نحمي تجربة الإنصاف والمصالحة من أن تتحول إلى ذكرى نحتفي بها، بينما يخفت أثرها في قرارات الحاضر؟ سؤال يفتح نقاشًا يتجاوز أسماء الحقائب الحكومية، إلى ما يمكن أن تصنعه المؤسسات في حياة المواطنين.


عبد السلام بوطيب رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم
عبد السلام بوطيب رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم
*بقلم: عبد السلام بوطيب*

على الرغم من أن هذا المقال لا يندرج في حسابات التشكيل الحكومي، فإنه يندرج، في روحه ومقصد كاتبه، ضمن التفكير في استكمال الشروط اللازمة لتحقيق أهداف مسار العدالة الانتقالية ببلادنا. ومن هذا المنظور، يستحق مقترح الجمع بين الثقافة وحقوق الإنسان في حقيبة حكومية، في الأفق المنظور، نقاشًا يتجاوز توزيع الاختصاصات، ليطرح سؤالًا أعمق: كيف نجعل من تجربة الإنصاف والمصالحة مرجعية مستمرة للممارسة السياسية؟ وكيف نمنح توصياتها حضورًا متجددًا في الاختيارات الحكومية، بما يجعل الوفاء لروحها قابلًا للتقييم والمساءلة؟

إن الأحزاب التي ارتبطت بتاريخ المطالبة بالإصلاح تتحمل مسؤولية تجديد معناه حين تكون في موقع القرار. والأمر نفسه ينطبق على الأصالة والمعاصرة بقدر ما يتبنى توصيات الإنصاف والمصالحة في تصوره السياسي. فالوفاء لمرجعية حقوقية يتجسد في قدرة أصحابها على تحويلها إلى مؤسسات وسياسات يقبلون أن يُحاسَبوا على نتائجها. ومن هنا تنبع وجاهة السؤال: هل يمكن وصل العمل الثقافي بالمسؤولية الحكومية عن الحقوق، بما يمنح السياسة في المغرب نَفَس العدالة الانتقالية ويحفظ للتجربة قدرتها على إنتاج الإصلاح؟

تجد هذه القراءة سندًا في الرسالة الملكية الموجهة، في 6 دجنبر 2024، إلى المشاركين في المناظرة الدولية بمناسبة الذكرى العشرين لإحداث هيئة الإنصاف والمصالحة. فقد ربطت الرسالة التجربة بمفهوم للسلطة يقوم على مسؤولية المؤسسات ومحاسبتها، وأبرزت موقع القيم الديمقراطية ومبادئ حقوق الإنسان في الاختيارات السياسية الاستراتيجية، كما أكدت الصلة بين توصيات الهيئة والإصلاحات الدستورية والتشريعية والمؤسساتية. وتسمح هذه المرجعية بفهم العدالة الانتقالية باعتبارها مسارًا تتواصل آثاره في البناء الديمقراطي، وتتجاوز فيه مسؤولية الإصلاح زمن عمل الهيئة. أما اختيار الصيغة الحكومية التي تحمل هذا الالتزام، فيبقى موضوعًا للاجتهاد والنقاش والتقييم.

وعلى هذا الأساس، تعني استدامة روح الإنصاف والمصالحة إبقاء العلاقة بين الحقيقة والإصلاح مفتوحة. فالمعرفة بالانتهاكات تضع المجتمع والمؤسسات أمام مسؤولية تغيير الشروط التي أتاحت وقوعها، والاعتراف بالضحايا يفرض البحث في الضمانات التي تجعل الكرامة حقًّا مصونًا في الحياة العامة. ومن المخاطر التي تستحق الانتباه أن تستقر التجربة في الذاكرة الاحتفائية، بينما تضعف قدرتها على مساءلة قرارات الحاضر. ويقترح هذا المقال إطارًا حكوميًا يسهم في استمرار تلك القدرة، ويربط حفظ الذاكرة بمسؤولية تنفيذ ما يترتب عليها من التزامات.

تكتسب الثقافة موقعها هنا من كونها مجالًا تتشكل فيه تصورات المجتمع عن ذاته، وعن السلطة والحرية والاختلاف. فالرواية والفيلم والبحث التاريخي والمتحف والشهادة تتيح تداول تجارب لا يستوعبها الخطاب الإداري وحده، وتمنح الاعتراف بالمتضررين امتدادًا في الوعي الجماعي. ويمكن، من هذا المنظور، أن تتكامل سياسات حفظ الذاكرة والأرشيف، والتربية على الحقوق، ودعم التعبير الفني، ضمن مشروع يجعل معرفة الماضي مدخلًا إلى بناء مواطنة أكثر وعيًا بحقوقها ومسؤولياتها.

وتستقيم العلاقة بين الثقافة وحقوق الإنسان حين تعمل في الاتجاهين. فكما تسهم الثقافة في تكوين الوعي بالحقوق، ينبغي أن تضبط الحقوقُ السياسةَ الثقافية ذاتها: حرية التعبير والإبداع، والاعتراف بالتنوع اللغوي والثقافي، والمساواة في الانتفاع بالمؤسسات والموارد والدعم العمومي. بذلك يصبح المواطن صاحب حق في المشاركة في الحياة الثقافية، وفي إنتاج المعنى وتداوله، وتصبح طريقة تدبير الثقافة نفسها جزءًا من الالتزام الحقوقي للدولة.

غير أن وجود هذه الصلات لا يكفي، وحده، لإثبات أفضلية الجمع بين القطاعين في وزارة واحدة؛ إذ يمكن أيضًا تنظيمها عبر التعاون بين وزارتين. ولذلك فإن المبرر العملي للحقيبة المشتركة ينبغي أن يتحدد في قدرتها على وضع سياسة متكاملة للذاكرة والحقوق الثقافية، تجمع التخطيط والتمويل والتنفيذ والتقييم تحت مسؤولية سياسية واضحة. ففي برنامج لتحويل موقع مرتبط بانتهاكات الماضي إلى فضاء للذاكرة، مثلًا، يمكن أن يُبنى التصور الثقافي منذ البداية على الاعتراف بالضحايا ومشاركتهم، وأن ترتبط حماية الموقع وإتاحة أرشيفه وبرامجه التربوية بالتزامات وموارد وآجال معلنة. وهذه إضافة محتملة يتعين إثباتها في الممارسة، دون افتراض أن وحدة الحقيبة تحققها تلقائيًا.

ومن هنا أدافع عن الجمع بالثقافة بوصفه اختيارًا سياسيًا يتيح وصل الاعتراف بالماضي بشروط الحرية في الحاضر. وتظل وجاهة هذا الاختيار مرتبطة بقدرته على خدمة المجالين معًا، مع الحفاظ على استقلال الإبداع والبحث التاريخي وتعدد الروايات. فلا يمكن لسياسة تستلهم روح الإنصاف والمصالحة أن تجعل الذاكرة رواية حكومية مغلقة، أو أن تربط دعم التعبير الثقافي بمدى توافقه مع اختيارات السلطة. ويقتضي هذا التصور معايير معلنة للدعم، وضمانات لحرية البحث والتعبير، ومشاركة الضحايا والفاعلين الثقافيين والحقوقيين في البرامج التي تعنيهم.

ويظل الاعتراض المؤسسي على المقترح جديًا: فحقوق الإنسان أوسع من المجال الثقافي، وإعمالها يتوقف على سياسات العدل والداخلية والتعليم والصحة والشغل وغيرها. ولذلك فإن إلحاقها بقطاع دون منحها قدرة فعلية على التأثير في مجمل العمل الحكومي قد يضعفها. ومن هذه الزاوية، يستحق الرأي الداعي إلى تقوية المندوبية الوزارية المكلفة بحقوق الإنسان وتعزيز تنسيقها مع مختلف القطاعات أن يؤخذ مأخذ الجد. والمطلوب من المقترح الوزاري أن يبين ما سيضيفه إلى هذه الوظائف، وكيف سيحفظ طابعها العرضاني.

وفي هذا النقاش، ينبغي التمييز بين المؤسسات الوطنية المستقلة لحقوق الإنسان وبين الآليات الحكومية المكلفة بالتنسيق والتنفيذ. فإعلان وبرنامج عمل فيينا لسنة 1993 يؤكدان أهمية المؤسسات الوطنية ويشجعان إنشاءها وتعزيزها؛ ولا ينبغي تحميل هذه المرجعية حكمًا مباشرًا بشأن تنظيم الحقائب الحكومية. أما أدبيات المفوضية السامية لحقوق الإنسان بشأن آليات إعداد التقارير والمتابعة، فتعرض صيغًا وزارية وبين وزارية ومستقلة مؤسسيًا، بما يبين تعدد الخيارات التنظيمية لهذه الوظيفة. لكنها لا تثبت أفضلية وزارة شاملة لحقوق الإنسان، ولا أفضلية جمعها بالثقافة؛ وهذه مفاضلة تحتاج إلى حجة تتصل بالسياق الوطني والصلاحيات والموارد والنتائج.

كما ينبغي إخضاع التجارب الحكومية السابقة في تدبير ملف حقوق الإنسان، ومنها الوزارة المحدثة سنة 1993 ووزارة الدولة المكلفة بحقوق الإنسان بين 2017 و2021، لتقييم يتجاوز الاستشهاد بها لتأييد المقترح أو رفضه. فما الصلاحيات التي مُنحت للمسؤولين عن الملف؟ وما أدوات التنسيق والتحكيم التي كانت متاحة لهم؟ وكيف انعكس عملهم على التشريع والميزانية وتنفيذ التوصيات؟ وأي نتائج أمكن تثبيتها عبر تغير الحكومات؟ إن الإجابة عن هذه الأسئلة هي التي تسمح باستخلاص الدروس، وتجنب إعادة إنتاج صيغة يتغير اسمها فيما تبقى حدود تأثيرها على حالها.

والقيمة التي ينبغي أن يثبتها المقترح الوزاري تتمثل، في تقديري، في توفير قيادة سياسية داخل الحكومة تحمل الالتزامات الحقوقية عند إعداد القوانين وتحديد الأولويات وتوزيع الموارد، وتتحمل مسؤولية الدفاع عنها أمام البرلمان. ويمكن تصور وزارة الثقافة وحقوق الإنسان باعتبارها إطارًا يجمع قطاعين متمايزين في مهامهما ومواردهما، وتربط بينهما مسؤولية سياسية وبرامج مشتركة محددة. يحتفظ قطاع الثقافة باختصاصاته في الإبداع والتراث والكتاب والفنون، ويتولى قطاع حقوق الإنسان تنسيق متابعة الالتزامات والتوصيات، ومواكبة السياسات ذات الصلة، واقتراح مراجعة الأثر الحقوقي للقوانين والبرامج. وتُصان الوظائف التقنية للمندوبية ضمن تنظيم يحدد علاقتها بالوزارة ورئاسة الحكومة، ويمنع ازدواج الاختصاصات. ويُستكمل هذا التنظيم بتعاون ملزم بين القطاعات، وآلية للتحكيم لدى رئاسة الحكومة، وبرنامج معلن لمتابعة تنفيذ توصيات الإنصاف والمصالحة، يحدد التدابير والجهات المسؤولة والموارد والآجال، ويتيح للبرلمان والمجتمع المدني تتبع ما تحقق وما تعثر وأسباب ذلك.

ويظل تعزيز التنسيق مباشرة لدى رئاسة الحكومة بديلًا جديًا. فإذا أتاح قيادة سياسية فعلية، وقدرة على التحكيم بين القطاعات، ومساءلة منتظمة عن النتائج، فإنه يستطيع أداء جانب مهم من الوظيفة المقترحة. غير أنني أرجّح وجود مسؤولية وزارية واضحة عن حقوق الإنسان، بما يجعل الدفاع عن الالتزامات الحقوقية مهمة سياسية معلنة ومستمرة داخل المداولات الحكومية وأمام البرلمان. ويقتضي هذا التصور، في جميع الأحوال، صون استقلال المجلس الوطني لحقوق الإنسان، وضمان انتظام تجديد هياكله وتمكين أجهزته من ممارسة اختصاصاتها وفق القانون. فاستقلال الرصد والحماية والاقتراح، والمسؤولية الحكومية عن السياسات والموارد والتنفيذ، وظيفتان متكاملتان لكل منهما موقعها وضماناتها. ولا تغني إعادة تنظيم المسؤولية الحكومية عن احترام شروط عمل المؤسسة المستقلة، كما لا يعفي وجودها الحكومة من الاستجابة للتوصيات وتحمل مسؤولية التنفيذ. ويقوم التكامل بينهما على الحوار والتعاون، مع حماية قدرة المجلس على مساءلة القرار التنفيذي.

لهذه الأسباب، أدافع عن إحداث وزارة تتولى حقوق الإنسان، في الأفق المنظور، وربطها بالثقافة ضمن توزيع واضح للاختصاصات. وهذا اختيار يستند إلى قراءتي للمقصد الإصلاحي للرسالة الملكية؛ فالرسالة نفسها لا تنص على إحداث هذه الوزارة، ووجاهة المقترح تتوقف على ما يضيفه إلى المؤسسات القائمة، وما يحققه في حياة المواطنين.

إن تبني الإنصاف والمصالحة مرجعيةً سياسية يضع حامليه أمام اختبار حين يتحملون مسؤولية القرار: إظهار أثرها في القوانين والميزانيات والممارسات. عندئذ يمكن لوزارة الثقافة وحقوق الإنسان أن تسهم في وصل الذاكرة بالديمقراطية، وأن تمنح تنفيذ التوصيات أفقًا متجددًا تدعمه التزامات وآليات متابعة تتجاوز تغير الأغلبيات. ويُقاس الوفاء للتجربة بمدى اتساع حرية المواطنين وقدرتهم على المشاركة والمساءلة، وبمدى تحوّل المعرفة بالماضي إلى مسؤولية عن المستقبل الذي نبنيه معًا.
 
*عبد السلام بوطيب - رئيس مركز الذاكرة المشتركة من أجل الديمقراطية والسلم*
 

الذاكرة تفتح جدار الماضي والقيود تتحول إلى حرية وإبداع
الذاكرة تفتح جدار الماضي والقيود تتحول إلى حرية وإبداع

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار