2026 مارس 10 - تم تعديله في [التاريخ]

وهم البوليساريو ... وخيام تندوف التي ابتلعت أجيالا


العلم الإلكترونية - بقلم أسماء لمسردي 
 
في عالم يتحدث ليل نهار عن الكرامة الإنسانية، وعن حقوق الطفل، وعن المواثيق الدولية التي يفترض أنها وجدت لتحمي الإنسان من البؤس والظلم، تقف مخيمات تندوف كاستثناء غريب… أو لنقل كمتحف حيٍّ لزمن كان يفترض أن البشرية تجاوزته منذ قرون. هناك، في بقعة قاحلة قرب مدينة تندوف فوق تراب الأسرِ، يعيش آلاف البشر في ظروف تجعل الحديث عن القرن الحادي والعشرين يبدو وكأنه نكتة ثقيلة. 
 
المفارقة الساخرة أن كل هذا يحدث باسم "الحرية"، وباسم مشروع سياسي ترفعه حركة تسمى البوليساريو، والتي تقدم نفسها للعالم كحركة تحرير، بينما تبدو في الواقع أقرب إلى إدارة مخيم كبير من الخيام البالية، حيث يتوارث الأطفال الفقر كما يتوارثون أسماء عائلاتهم، والأسرِ والقهرِ والجوع...
 
من يشاهد صور المخيمات لأول مرة قد يظن أنه أمام فيلم وثائقي عن حياة البدو قبل قرن من الزمن: خيام متآكلة، طرق ترابية، حرارة قاسية، ومرافق تكاد تكون معدومة. لا شوارع معبدة، ولا بنية تحتية حقيقية، ولا اقتصاد، ولا حتى أفق واضح لحياة طبيعية. وكأن الزمن هناك توقف… أو ربما لم يبدأ أصلا.
 
والأكثر إثارة للدهشة أن كل هذا يحدث بينما العالم يملك ترسانة من القوانين والمواثيق. يكفي أن نتذكر Universal Declaration of Human Rights أو Convention on the Rights of the Child، اللتين تنصان بوضوح على حق الإنسان في العيش الكريم، وحق الطفل في التعليم والصحة والحماية. لكن يبدو أن هذه النصوص، حين تصل إلى رمال تندوف، تتحول إلى مجرد حبر على ورق يذروه الغبار الصحراوي.
 
فالطفل في تلك المخيمات لا يرث فقط حياة الإجبار، بل يرث أيضا سردية سياسية ثقيلة لا علاقة لها بطفولته، بدل أن ينشغل بمدرسة حديثة أو ملعب كرة قدم أو حلم بسيط بمستقبل أفضل، يجد نفسه جزءا من خطاب سياسي قديم يعاد تدويره منذ عقود. وهكذا يصبح الطفل هناك مشروع "ضائع" بدل أن يكون تلميذا أو مواطنا مكفول الحقوق، مصون الكرامة.
 
الأدهى من ذلك أن المخيمات ليست مجرد مكان للفقر، بل أيضا مساحة مغلقة نسبيا، حيث يصعب على العالم أن يرى كل ما يجري داخلها. تقارير منظمات حقوقية تحدثت مرارا عن قيود على حرية التنقل، وعن غياب الإحصاء الدقيق للسكان، وعن استغلال المساعدات الإنسانية ونهبها...
 
والسؤال الذي يفرض نفسه بسخرية مريرة: كيف يمكن لحركة تدعي الدفاع عن "الشعب" أن تبقي هذا الشعب لعقود في خيام؟ وكيف يمكن لمشروع سياسي أن يقنع العالم بمصداقيته بينما أبسط مقومات الحياة غير متوفرة لمن يدعي تمثيلهم؟
 
الحقيقة التي يحاول أن يداريها هذا الخطاب هي أن الأقاليم الصحراوية جزء لا يتجزأ من تراب المملكة المغربية الشريفة، وأن مستقبل المنطقة لا يمكن أن يُبنى على أوهام سياسية تعيش في مخيمات معزولة. فالمفارقة أن المدن الصحراوية المغربية اليوم تشهد مشاريع تنموية وبنية تحتية حديثة، بينما يظل سكان تندوف أسرى الخيام والانتظار.
 
وهنا يصبح الحديث عن "الوهم" أقرب إلى الوصف الدقيق. فالمشروع الذي تطرحه جبهة البوليساريو يبدو، بعد نصف قرن تقريبا، كقصة طويلة لم تصل إلى أي نهاية واقعية. مجرد خطاب يتكرر، وشعارات تُعاد، وأجيال جديدة تولد داخل المخيمات لتجد نفسها في الحلقة الضائعة نفسها.
 
لكن الزمن لا يحب الفراغ. وكل مشروع سياسي لا يقدم حياة أفضل للناس يتحول تدريجيا إلى ذكرى. ولهذا، يبدو أن ما يسمى "مشروع البوليساريو" بات يسير بسرعة كبيرة نحو التآكل، مثل تلك الخيام التي تذروها الرياح في صحراء تندوف.
 
في النهاية، القضية ليست شعارات ولا خرائط ترسم على الطاولات، بل بشر حقيقيون: أطفال يستحقون مدارس حقيقية، وبيوتا حقيقية، ومستقبلا حقيقيا، وبيئة سليمة. وعندما يحرم الإنسان من أبسط حقوقه باسم قضية سياسية وهمية مختلقة، فإن القضية نفسها تبدأ بفقدان معناها.
 
وربما سيأتي يوم ينظر فيه أطفال تندوف إلى الماضي بدهشة، ويسألون بسخرية: كيف أقنعنا الكبار أن العيش في خيمة لعقود يمكن أن يكون مشروع؟
 



في نفس الركن