Quantcast

2022 نونبر 3 - تم تعديله في [التاريخ]

إنهم يسوِّقون لما لا يؤمنون به


العلم الإلكترونية - بقلم عبد الله البقالي

لم يكن الرأي العام العالمي في حاجة للاطلاع على التقرير الأخير الذي أصدره البنك الدولي قبل أيام قليلة لإنجاز تقييم موضوعي وحقيقي، حول الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية في العالم، خصوصا في الدول ذات الدخل المحدود والمتوسط، فالوقائع السائدة التي أعقبت مرحلة انتشار وباء كورونا، وما أفرز ذلك من تداعيات خطيرة على مختلف اقتصاديات العالم، بسبب تدابير الإغلاق وتوقف سلاسل الإنتاج والتسويق، وعن تلك التي ترتبت عن اندلاع حرب كبرى بين القوى العظمى في أوكرانيا، وما رافق ذلك من تدابير وإجراءات اقتصادية ومالية في إطار تبادل العقوبات الاقتصادية والمالية بين القوى المتحاربة. كلها تطورات لم تكن لتفرز غير ما أفرزته من تداعيات خطيرة زجت بالاقتصاد العالمي إلى منطقة الغموض والالتباس والافتقاد إلى الرؤية الواضحة، ثم لأن البنك الدولي وغيره من المؤسسات المالية العالمية مسؤولة بدورها عما آلت إليه الأوضاع في العالم بسبب تورط القوى الاقتصادية والمالية المساهمة في رؤوس أموالها وفي احتياطاتها المالية فيما يحدث من مآسي، وبسبب طريقة ومنهجية تعاملاتها المالية مع الدول النامية والمحتاجة، التي تلتجئ إليها مضطرة لمواجهة التداعيات المالية المترتبة عن التطورات الكبيرة والخطيرة التي تعيشها العلاقات الدولية في الزمن الراهن، حيث تفرض شروطا جد مجحفة تجاه الدول التي تسعى إلى الخروج من منطقة الخطر، من خلال طلبها الحصول على قروض ميسرة، شروط بالغة الإجحاف التي تفرض تقليص تمويل الاحتياجات الاجتماعية ومواجهة الهشاشة الكبيرة في القطاعات الاجتماعية .

تقرير البنك الدولي الأخير يؤكد على أن العالم لن يكون قادرا على القضاء على الفقر المدقع بحلول سنة 2030، كما كانت تؤكد ذلك التوقعات الصادرة عن أجهزة الأمم المتحدة كجزء من أهداف التنمية المعتمدة في سنة 2015، وتبرر هذه المؤسسة المالية العالمية ذلك بالعواقب العديدة المترتبة عن انتشار وباء كورونا الذي تسبب في أسوإ ارتفاع في معدلات الفقر منذ 1990. وهو اتجاه تعززه الحرب في أوكرانيا وستزيد من استفحاله.

ويخبرنا تقرير البنك الدولي أن 70 مليون شخص في العالم يوجدون حاليا في حالة فقر مدقع، وأن 720 مليون شخص يعيشون اليوم بأقل من 2,15 دولار للفرد يوميا، بما لا يكفي لسد سعر قطعة رغيف واحدة. و أوصى تقرير البنك الدولي ، بما يناقض سلوكه وشروطه في تعاملاته المالية مع الدائنين الذين يتطلعون إلى الحصول على مجرد جرعات قليلة وبسيطة للانعتاق من حالة الاختناق التي يوجدون فيها، إذ أوصى ب (ضرورة تقديم المساعدات بشكل أفضل لتخصيصها للفئات الأكثر فقرا وتشجيع الاستثمار في التعليم والأبحاث والتنمية) وهي الوصايا التي لا تلتزم بها المؤسسات المالية المانحة للقروض وللمساعدات المالية، التي تفرض عدم ما تعتبره هدرا ماليا في تمويل القطاعات الاجتماعية، وتفرض الالتجاء إلى فرض مزيد من الضرائب، مفضلة بذلك توفير ضمانات استرداد ديونها .

الواضح اليوم، وفي ضوء التطورات الأخيرة المرتبطة أساسا بما أعقب زمن كورونا، وبالحرب في أوكرانيا، التي تعمدت القوى العظمى المتحاربة هناك إقحام الاقتصاد والمال في هذه الحرب، وأصرت على استعمال الاقتصاد سلاحا فتاكا فيها، وبالتالي رهن حياة البشر في مختلف أنحاء العالم، والذين هم غير مسؤولين عن اندلاع هذه الحرب، ولا علاقة لهم بخلفياتها وبأهدافها، وبالتالي توظيف المدنيين كدروع بشرية وكحطب لنيران هذه الحرب.

إن أسباب الحرب، وليس الحرب في حد ذاتها، شكلت تحولا خطيرا في بنية الاقتصاد العالمي، حيث أصبح الغذاء "مقابل إرادة الانتصار في الحرب " شعارا مركزيا للمرحلة الراهنة، هذا التحول المفاجئ نقل العالم من مرحلة إمكانية التوقع، أونسبيا بما يمكن أن يحدث، إلى عالم يفتقد إلى معطى اليقين، وبالتالي الانتقال من وضعية إمكانية التخطيط للمستقبل، بما يضمن توفير الحدود الدنيا من الاحتياجات، إلى وضعية ارتباط المستقبل بالتطورات وبالأزمات المستوردة، التي تجعل التحكم في التداعيات الاقتصادية والمالية مهمة شبه مستحيلة، لأنها لم تعد مرتبطة بعوامل داخلية يمكن التحكم فيها، وهكذا يصبح الاقتصاد العالمي معرضا بشكلٍ غير مسبوق للصدمات العنيفة غير المتوقعة.

التقرير الجديد للبنك الدولي يتحدث عما سماه ب (العمل المشترك بين الجميع) لمواجهة التحديات المستجدة، وهي توصية أقرب منها إلى التعبير الإنشائي، الذي يمكن لأي شخص أن يطلق له العنان. لكن بالعودة إلى صلب القضية والإشكالية فإن الدول العظمى هي المسؤولة بصفة مباشرة عما يعيشه العالم من كوارث حقيقية، وهي منقسمة ومختلفة في تعاطيها مع التطورات، وهي نفسها التي اتخذت قرارات اقتصادية ومالية كانت، ولاتزال، تدرك أنها ستكون لها عواقب وخيمة وخطيرة، ليس على أوضاع الفقر في العالم، بل وعلى مصير الإنسانية جمعاء، وبالتالي لا يمكن لشعوب العالم أن تثق في هذه القوى وهي تدعو إلى (العمل المشترك) لمواجهة التحديات الكبيرة، في حين هي مسؤولة بصفة مباشرة على وجود هذه التحديات، وهي، كل من جهته، يسعى، إلى الحسم في الصراع على مناطق النفوذ في العالم، وعلى بذل محاولات إضعاف بعضها البعض، وإنهاكه، وحتى إلغائه، باستخدام الاقتصاد ورغيف الناس، وسيلة حربية خالصة في جميع مخططاتها، ثم إن (الشراكة) في مواجهة التحديات تعني الاتفاق بين القوى العظمى على هذه المنهجية، وكيف الحال وأن هذه القوى نفسها تخوض مواجهة عسكرية مباشرة تأتي على الأخضر واليابس، بما يعني تسببها في الغياب التام والمطلق لشروط (الشراكة) لمواجهة التحديات الجديدة .
إنهم يسوقون لما لا يفعلون، ويحاولون الترويج لأقراص فاسدة لن تزيد الداء إلا استفحالا.




في نفس الركن
< >











MyMeteo



Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار