Quantcast
القائمة
alalam
facebook
newsletter
youtube
flux RSS
AL Alam







اللقاح.. بين نزعة الحياة والموت







العلم الإلكترونية  - بدر بن علاش 
 
"عندما يُخطئ سهمك هدفهُ , لا تُفكر ما الخطأ الذي فعلته، بل اسحب السهم الثاني، وفكر ما الذي يجب عليك فعله بطريقة صحيحة لتصيب الهدف" مقولة شهيرة لرئيس الوزراء البريطاني السابق لونستون تشرشل،وأحد أبرز القادة السياسيين،الذين برزوا في الساحة السياسية، خلال الحروب التي اندلعت إبان القرن العشرين.

مناسبة القول، ما نعيشه من أحداث متسارعة في الساحة الدولية من شد وجذب، وتبادل للاتهامات بين مجموعة من الدول والشركات المنتجة للقاحات كوفيد 19، نتيجة التأخر الحاصل في إمداد شعوب دون غيرها من اللقاحات،أو عدم رضاها على الحصة التي توصلت بها مقارنة مع حاجياتها، بل هناك دول غنية، وبوجه مكشوف، لا تكف عن جمع وتخزين المزيد من اللقاحات، والتي قد لا تحتاجها على الفور (ومن صور ذلك الكثير)،وقد وصل الأمر حد استصدار الاتحاد الأوروبي لقرار، قد يراه البعض صادما لكن هذه هي الحقيقة، قرار ينص صراحة على منع الشركات المنتجة للقاحات من تصديرها إلى الخارج دون ترخيص مسبق، وذلك من أجل تأمين العدد الكافي من اللقاحات لمواطني دول الاتحاد أولا، الأمر الذي خلف انتقادات حادة من قبل منظمة الصحة العالمية، حيث حذر مدير هذه الأخيرة، تيدروس أدهانوم غيبرييسوس، من أن التعامل مع اللقاح على "أسس قومية" سوف يطيل أمد الوباء، مع العلم أن نفس المنظمة أكدت مرارا أن الطريقة الوحيدة للخروج من هذا الوباء، هي ضمان وصول اللقاح بشكل عادل لجميع الدول، وهي الانتقادات التي على ما يبدو لم تجد الصدى المطلوب لدى المسؤولين في القارة العجوز لأن همهم الأول والأخير يبقى حماية مواطنيهم من الفيروس الفتاك.  
 
 وقد يقول قائلا، إن هذا الأمر طبيعي في عالم اختلت فيه الموازين بين الغني والفقير،والضعيف والقوي،ويتماشى مع منطق السوق،ادفع أكثر لتحصل على ما تشاء وقت ما تشاء، بل إن الدول المنتجة ترى أن الأولوية في التطعيم يجب أن تشمل رعاياها قبل غيرهم، ولا أعتقد أن هناك من سيجادلها في هذا الحق، إذ لا أحد سيقبل بإنقاذ الغير من موت يتهدده هو أيضا، خصوصا وإن كان اللقاح الذي طال انتظاره بين يديه.وهذا يجرنا إلى نظرية أحد مؤسسي علم التحليل النفسي "سيجموند فرويد" عندما خلص إلى أن جميع الغرائز تقع في واحدة من فئتين رئيسيتين: "غرائز الحياة أو غرائز الموت" . بل لن أكون مبالغا في وصف ما تقوم به هذه الدول بالمقولة الفرنسية الشهيرة التي يضرب بها المثل في الأنانية و التقليل من شأن الآخرين واستصغارهم "أنا ومن بعدي الطوفان"، التي صدحت بها عشيقة لويس الخامس عشر لرفع معنويات هذا الأخير قبيل إحدى المعارك، فلا شيء يهم هنا سوى تحقيق المراد أما الباقي فليذهب للجحيم ..
 
  وبالعودة إلى بلد "منبت الأحرار ومشرق الأنوار"،فلا حاجة للتذكير بالفشل الحكومي متعدد الأوجه في تدبير أزمة "كورونا"، وإلا سنجد أنفسنا أمام مسلسل من الإخفاقات التي لا تنتهي ولا تحد، لنقف باختصار عند المرحلة التي سبقت توصل المغرب بالدفعات الأولى من جرعات اللقاح، وما رافقها من ارتباك كبير وتضارب في التصريحات في تحديد الموعد الحقيقي لوصول تلك الدفعات إلى أرض الوطن، وهو ما يؤكد مرة أخرى أننا أمام حكومة تفتقد إلى بوصلة التدبير، وتعتبر المواطن قاصرا لا داعي للتعامل معه بالشفافية المطلوبة في مثل هذه المحن.
 
 لكن ما ينبغي الوقوف عليه مليا،و كي لا يُخطئ سهمك هدفه، عطفا على ما قاله تشرشل،لا بد من استخلاص العبر والدروس، خصوصا ونحن أمام مستقبل لا شك أنه سيكون حافلا بالأوبئة العالمية، وفق ما أكده مدير برنامج الطوارئ في منظمة الصحة العالمية "مايكل راين" عندما حث على ضرورة "الاستعداد في المستقبل لما قد يكون أسوأ"، إنذار وجب أخذه محمل الجد و الإسراع باتخاذ إجراءات استباقية.
 
وهنا سأعود إلى لبلاغ الأخير للجنة التنفيذية لحزب الاستقلال، والذي حمل أفكارا بليغة و قادرة بالفعل على تجنيب البلاد الأسوأ مستقبلا، حينما دعا صراحة إلى ضرورة وضع استراتيجية وطنية للنهوض بالبحث العلمي في مجال الطب والأدوية، وتقليص التبعية إلى لخارج، وتطوير المختبرات الوطنية لإنتاج اللقاحات ببلادنا مستقبلا، واستشعار الأهمية القصوى لإنتاج الأدوية وتيسير الولوج إليها كوسيلة لضمان الأمن الصحي كجزء لا يتجزأ من السيادة الوطنية. 
 
 وبالتالي من غير المنطقي أن يبقى إنفاق المغرب على البحث العلمي محصورا فقط في 0.8 في المائة من الناتج الداخلي الخام، وهي نسبة جد ضعيفة وبعيدة كل البعد عن المعايير التي وضعتها المنظمات الدولية من قبيل البنك الدولي ومنظمة الأمم المتحدة، التي تقول إن نسبة الإنفاق المثالية هي التي تكون أكثر من 2 بالمائة. 
 
ليست هناك أي مبررات لاستمرار الوضع على ما هو عليه،خصوصا وأن لنا من الكفاءات البشرية في مختلف المجالات القادرة على تحقيق إنجازات علمية باهرة، ولا أدل على ذلك من تمكن فريق يضم خيرة الكفاءات المغربية من تطوير نوعين من أجهزة تنفس اصطناعية محلية الصنع مائة بالمائة، موجهة أساسا إلى المصابين بمرض "كوفيد-19"، وقيام طلاب باحثين مغاربة في المدرسة المغربية لعلوم المهندسين بثلاثة اختراعات علمية طبية لمواجهة الفيروس تهم طائرة من دون طيار تساعد في كشف الحالات المصابة بكورونا جهزت للقيام باختبار المسحة الأنفية، ووضع تطبيق إلكتروني يسمح للأطباء بالاتصال بالمرضى، إضافة إلى الوصفة الطبية الإلكترونية (وهي عبارة عن تطبيق على شكل منصة قابلة للمشاركة تمكن الأطباء من وضع وصفات طبية والتحقق منها، حتى يتمكن المريض من استلام أدويته من الصيدلية). 
 
من جهة أخرى، يجب استحضار مبادرة المقاولين المغاربة الرامية إلى صنع أقنعة واقية من الرذاذ خاصة بالأطباء وتوزيعها على المستشفيات بالمجان،زيادة على وجود كفاءات مغربية أخرى، وما أكثرها، اختارت عن طواعية أو إكراه، الهجرة بعيدا عن أحضان الوطن الأم، يوجدون اليوم في موقع المسؤولية، ويقومون بأدوار طلائعية في البحث العلمي، وفي اختصاصات نادرة، كحال "منصف السلاوي" الذي تفاجأ الكثيرون عندما علموا بإسناده مهمة رئيس فريق "ترامب" لتطوير لقاح كورونا بالولايات المتحدة الأمريكية. 
 
كفاءات لا يجب أن يأخذنا الحماس لمطالبة المسؤولين بتوفير الأجواء لعودتهم إلى الوطن الأم بعدما أصبح لهم وضع اعتباري، ومكانة اجتماعية كبيرة ببلد الاستقرار، من الصعب توفيرها لهم هنا، لكننا اليوم نطالب بالعمل مستقبلا على الحد من هجرة هذه الأدمغة، والكنوز التي لا تقدر بأي ثمن ،فما أحوج المغرب لها مستقبلا إذ ما وفرت لها شروط الابتكار، وتطوير مهاراتها الشخصية. 
 
لقد أبانت أزمة كورونا على أن قوة أي بلد لا تتوقف فقط عند حجم ثرواته المادية والباطنية، وإنما أيضا على كفاءاته البشرية، ومدى تطور مجال البحوث العلمية، والتي بدونها لا يمكن إلا أن تبقى تابعا لا حول لك ولا قوة أمام نزعة الحياة والموت.
 
Hicham Draidi