Quantcast

2022 سبتمبر 4 - تم تعديله في [التاريخ]

"المرون" يكشف معطيات جديدة عن حرب الريف

المؤرخ المغربي "مصطفى المرون" في حوار حصري ومثير مع جريدة "العلم"


مصطفى المرون أستاذ التاريخ المعاصر والباحث السابق بمركز الدراسات المعاصرة بمدريد التابع لجامعة لندن
مصطفى المرون أستاذ التاريخ المعاصر والباحث السابق بمركز الدراسات المعاصرة بمدريد التابع لجامعة لندن
العلم الإلكترونية - أنس الشعرة

لم تكن حرب أنوال، حربَا من الحروب التاريخية المعاصرة، في تاريخ إسبانيا وفقط، بل مثلت هذه الحرب جرحًا تاريخيًا كبيرًا للإسبان، ذلكَ أنها كشفت عن موضعِ الداء في الجيش الإسباني وعرت واقعًا فاسدًا، يدره الجنرالات في إسبانيا، متحكمينَ في ذلكَ برقابِ إسبانيا و الإسبانيين أنذاك، كما تؤرخ لذلكَ المؤرخة الإسبانية الراحلة منذ أيام "روسا دي مادريغا"،  لذا، فإن أهمية البحث في تاريخ الريف وفي تاريخية هذهِ الحرب، يشكل منعطفًا أساسًا في قراءة تاريخ المغرب وإسبانيا معًا، وعلى ضوئه يمكنُ فهم مجموعة منَ القضايا التي تصدر عن مجموع منَ صناع القرار هناك أو بعض المؤرخين المعاصرين.

لا تبوح الواقعةِ التاريخية بكامل أسرارها، إلا بعد حين وحين، وربما هذا هو قدر حرب الريف، تسكب علينا من قطرات هذهِ الأسرار قطرة قطرة، وهذا ما يجعلها موضوعًا ممتدًا للبحث وتقليب السؤال.

وفي هذا الحوار، النوعي والحصري، معَ المؤرخ "مصطفى المرون"، أستاذ التاريخ المعاصر والباحث السابق بمركز الدراسات المعاصرة بمدريد التابع لجامعة لندن، نتفيأ معه ظلاً من ظلال حرب الريف وأسرارها، حيث سيبثنا في هذا الحوار، من أحد قطراتها التي تنعش ذاكرة المغاربة التاريخية وببطولة هذه الحرب.

تحل علينا اليوم الذكرى المئوية لمعركة أنوال الكبرى، في ظرفية سياسية تشهد عودةَ العلاقات المغربية الإسبانية بعد تأزم العلاقات بين الطرفين، كيفَ يمكن قراءة هذه العودة في العلاقات في ظل ذكرى أنوال؟

عودة العلاقات لم تكن مفاجئة، بل كانت منتظرة لدولتين جارتين يحكمهما تاريخ مشترك، وثقافة متداخلة، ودم مختلط، فقد اندمج المغاربة مدة ثمانية قرون في المجتمع الإسباني، إلى درجة أن النعت الذي يطلق على "حروب الاسترداد" هو نعت خاطئ، لأن الحرب كانت أهلية بامتياز ما بين إسبان مسيحيين، ضد إسبان مسلمين ويهود.

في السياق ذاته، كان لتواجد إسبانيا مدة 43 سنة في منطقة نفوذ لها بالمغرب (1913 - 1956)، أن يخلق تلاقحا ثقافيا وحضاريا، إذ لم يكن الحضور الإسباني ذو أبعاد استعمارية نظرا لضعف الإمكانيات، بل كان ثقافيا وحضاريا أكثر منه احتلالا.

من الضروري أن تعرف العلاقات المغربية الإسبانية بعض المطبات على طول فترات من التاريخ المشترك، لكن التفاهم وحسن الجوار هو الذي طغى على هذه العلاقات طوال هذه المدة، التي تعززت وأصبحت تعرف اليوم تقاربا وتطورا استنادا إلى مبدأ براغماتي يركز على المصالح المشتركة التي أصبحت تفرضها الظروف العالمية بعد جائحة كورونا، خصوصا وأن المغرب أصبح اليوم ورشا مفتوحا للاستثمارات الأجنبية، وبالضبط في مناطقنا الجنوبية، الشيء الذي دفع بإسبانيا إلى تغيير موقفها، بالنظر إلى أن مصلحتها مع المغرب هي الأساس، وليس مع جهات معادية لوحدته الترابية.       

كيف يتعامل المؤرخون الإسبان اليوم مع ذكرى أنوال، وهل للإسطوغرافيات الكلاسيكية دور في تكريس نظرة معينة؟

تربطني علاقة متينة مع المؤرخين الإسبان، الذين أتواصل معهم ويتواصلون معي كلما استدعت الضرورة ذلك. لهذا، ما يمكنني قوله في هذا الصدد، هو أن نظرة "الإسطوريوغرافيا" الكلاسيكية الإسبانية اتجاه المغرب قد اندثرت بظهور جيل جديد من المؤرخين الذين لم يعيشوا فترات الصراع والتشنج في العلاقات المغربية الإسبانية، ومن ثم، فهم متحررون من كل عقدة ماضوية، ويكتبون تاريخا موضوعيا بسعى إلى تجاوز جروح الماضي وبناء جسور التفاهم وحسن الجوار. ويمكن إعطاء مثال بالمؤرخة ماريا روسا دي مادارياغا، المتخصصة في تاريخ منطقة الريف، والتي وقفت إلى جانب المغرب خلال أزمة جزيرة ليلى سنة 2000، والتي، مقابل موقفها الثابت، وشحها جلالة الملك محمد السادس، وعزى أسرتها في وفاتها منذ حوالي أسبوع. 

هل للهزيمة في معركة أنوال صلة مباشرة في استعمال الأسلحة الكيماوية ضد عبد الكريم الخطابي والمدنيين؟

أحدثت كارثة أنوال، وسقوط مواقع القيادة العسكرية لمليلية، إحباطا كبيرا لدى الجيش الإفريقي، وبالخصوص لدى العسكريين الأفريقانيين Africanomilitaristas، إذ إن اندحار جيش كولونيالي منظم ومجهر بأسلحة متطورة خلال أيام قليلة، أمام مقاتلين من السكان المحليين، مجهزين بأسلحة تقليدية لا ترقى إلى مستوى عتاد الجيش الإسباني، شكل حادثا مأسويا يجرح شرف وشعور التفوق الإسباني، في مواجهة عدو كان ينظر إليه دائما باحتقار، الأمر الذي نتج عنه اتساع الهوة بين الجيش والمجتمع المدني، بحيث تعالت الأصوات في جميع إسبانيا ملحة على المطالبة بتحديد المسؤوليات، في حين، أدى هذا الإحباط، إلى محاولة العسكريين الأفريقانيين تلميع صورتهم بسرعة أمام الرأي العام، بتحبيذ استخدام حرب قذرة، لتبيان مدى مقدرة الجيش على لَأمِ جروحه والرجوع إلى بسط سيطرته على المنطقة الشرقية، خصوصا وأن عدة جهات نحت نفس المنحى في المطالبة باستخدام السلاح المتطور، الذي يوجد من بينه، القنابل المعبأة بالغازات الكيماوية.

في هذا الصدد، من جانبهم، طالب بعض أعضاء البرلمان بشكل علني وصريح عبر الصحافة، بضرورة استخدام الغازات الكيماوية، إذ في مقال منشور له في جريدة La Correspondencia Militar ليوم 5 شتنبر 1921، تأسف النائب في البرلمان الإسباني ف. كريسبو دي لارا F. Crespo de Lara على بطء عملية تنظيم القوات الجوية الإسبانية، والتي لم تنطلق، منذ ذلك الحين، في استخدام الغازات الخانقة. وفي مقال آخر صادر بتاريخ 10 أكتوبر 1921، عاد نفس صاحب المقال في الإلحاح بضرورة إمضاء عقد مع طيارين أجانب ذوو خبرة واسعة ضمن الجيوش التي شاركت في الحرب الأوربية، والمدربين بشكل جيد في مجال عمليات القصف "بما في ذلك الغارات بواسطة القنابل المعبأة بالغازات الخانقة". في موازاة ذلك، نحت الجرائد الأخرى، بما فيها تلك ذات التوجه الليبيرالي، ك Heraldo de Madrid، نفس المنحى في المطالبة باستخدام الغازات الخانقة، حيث جاء في إحدى المقالات: "لا نرى أي اختلاف في قتل إنسان، سواء عبر تقطيع جسمه إربا إربا بواسطة قنبلة يدوية، أو تحويله إلى سحب من دخان الغاز الخانق". في نفس السياق، حث عضوان في البرلمان الإسباني على ضرورة استعمالها، وذلك خلال جلستي 20 أكتوبر و17 نوفمبر 1921، في حين، طالب برلماني آخر، هو Arsenio Martínez de Campos، ضرورة تجهيز الجيش الإسباني بالغازات الكيماوية على غرار باقي الجيوش الحديثة.

هل هناك دلائل علمية اليوم تؤكد أن سبب ارتفاع حالات السرطان في المنطقة سببه الأسلحة الكيماوية؟
فيما يخص علاقة الغازات السامة بمرض السرطان، يشير الكمندان روني بيطا René Pita، وهو ضابط بالجيش البري الإسباني، دكتور مختص في علم التسمم، وخبير في الأسلحة الكيماوية، استنادا إلى الدراسات التي أجرها خبراء عالميين من مختلف الدول، وكذا الدراسات التي قامت بها وزارة الدفاع الأمريكية، فإن تأثير "الإيبيريطا" يمكن تلخيصه على الشكل التالي:

تعتبر الوكالة الدولية للأبحاث المتعلقة بداء السرطان، التي يوجد مقرها بمدينة ليون في فرنسا، أن "الإيبيريطا" هي مادة مسببة للسرطان بالنسبة للإنسان، في حالة تعرضه لتأثيرها بشكل دائم، وهو ما تم رصده بأحد مصانع الإيبيريطا، حيث أصيب العمال بسرطان الجهاز التنفسي. ومن ثم، يبقى تأكيد هذه العلاقة صعبا في حالة التعرض لتأثيرها لمرة واحدة، كما هو الشأن في حالة الحروب.

بالنسبة لتأثير "الإيبيريطا" على المواليد، كحصول الإعاقة أو الأمراض الوراثية، فقد توصل معهد الطب بالولايات المتحدة إلى نتيجة تتمثل في صعوبة إثبات وجود هذه العلاقة على نظام التوالد عند الإنسان. في نفس الاتجاه، هناك دلائل افتراضية بواسطة المعاينة السريرية Le Constat Clinique، على إمكانية تسبب غاز الخردل في أضرار وراثية، عن طريق نقل الجينات المسببة للسرطان من جيل العشرينيات، الذي تعرض لأضرار الغازات الكيماوية، إلى الجيل الحالي. في هذا السياق، أشارت التجارب التي أجريت على الحيوانات في الولايات المتحدة، وفي أماكن أخرى، على أن مادة غاز الخردل تسبب أضرارا وراثية، ويمكنها إحداث تشوهات وراثية داخل خلايا الخصوبة المتعلقة بالنسل.

لكن، تبقى كل هذه الإثباتات مجرد فرضيات في غياب دراسات ميدانية بالمغرب تكون تحت وصاية وزارة الصحة.

بعض المؤرخين الإسبان يحاولون تليين موقف إسبانيا، من خلال عدم ربط ارتفاع حالات مرضى السرطان بالمنطقة واستعمال الأسلحة الكيماوية في الريف؟

لقد مرت مائة وسنة (1921 – 2022) على حرب الريف، بحيث إن الكشف والاعتراف بشكل علني باستخدام إسبانيا للغازات السامة، هو في الأصل إقرار العدالة للحقيقة التاريخية، وإقرارا للموضوعية التاريخية. إذ في هذا السياق، وقفت على تبريرات كثيرة لمؤرخين إسبان تطرقوا إلى موضوع استخدام إسبانيا للغازات السامة ضد منطقة شمال المغرب ما بين سنوات 1921 و1927، والذين يحاولون من خلالها التخفيف من آثار جريمة استخدام أسلحة فتاكة محرمة دوليا. فهم يؤكدون بالقول "إن حرب الريف، من الأكيد خلفت ضحايا بسبب استخدام الغازات السامة، لكن، من المؤكد أن العدد الأكثر من الضحايا كان بفعل استخدام القنابل المسموح بها دوليا، والتي كانت الأكثر استعمالا خلال العمليات العسكرية. في نفس السياق، وفي الجانب المتعلق بغاز الخردل / الإيبيريت، فإن الأضرار المباشرة هي معروفة، لكن، هناك صعوبة في إثبات أضراره على المدى الطويل، لأنه من أجل ذلك، يجب تتبع حالة الأشخاص الذين تعرضوا للضرر، ومن ثم، هناك مجازفة في التأكيد على أن أعداد حالات مرض السرطان التي تم تسجيلها في منطقة الريف حاليا، هي الأعلى نسبة، مقارنة مع باقي مناطق المغرب، حسب إحصائيات رسمية، والتي ترجعها إلى الأضرار التي خلفها غاز الخردل على المدى البعيد وسط السكان، وكذا أسلاف أولائك الذين تعرضوا حينها للأضرار بفعل الغارات. ففي موضوع خطير مثل هذا، من الضروري تفادي الأحكام النظرية الحساسة، والإتيان بدلائل وبراهين علمية"، حسب قولهم.

ماذا عن القوانين الدولية ألم تجرم استعمال هذه الأسلحة؟

حاولت بنود المعاهدات الدولية قدر الإمكان أن تجعل النزاعات المسلحة أكثر إنسانية، خصوصا وأن ضحايا الحرب يدخلون وفق ميثاق جنيف، في حين، فإن ميثاق لاهاي، تحت مسمى قوانين وأعراف الحرب، أو حقوق الأشخاص، يدخل ضمن خانة تقنين وسائل وأساليب الحرب، حيث تم تدوينه منذ مؤتمر السلم بلاهاي يوم 29 يوليوز سنة 1899. هكذا، فإن ميثاق لاهاي وميثاق جنيف، يمثلان فرعين للقانون الدولي الإنساني المعاصر، يتم تطبيقهما زمن الحرب.  

في هذا الصدد، فإن "ميثاق جنيف"، يهدف إلى حماية العسكريين الذين أصبحوا خارج القتال، وكذا المدنيين، بالإضافة إلى التمييز ما بين الأهداف المدنية والأهداف العسكرية، في حين، فإن "ميثاق لاهاي"، يحدد حقوق وواجبات الأطراف المتحاربة خلال مجريات المعارك، ويقنن وسائل وأساليب الحرب.

في موازاة ذلك، قامت فرنسا بوضع بروتوكول جنيف، الذي وقعته يوم 17 يونيو 1925، قبل أن تصادق عليه يوم 9 مايو 1926، في حين، قامت كل من إسبانيا وألمانيا بالمصادقة عليه يوم 25 أبريل 1929، بعد توقيعه يوم 17 يونيو 1925، والمغرب بدوره، لن يصادق على بروتوكول جنيف إلا يوم 19 أكتوبر 1970.

من جانب آخر، يمكن تصنيف أنواع الجرائم الدولية على الشكل التالي:

-      جرائم التصفية العرقية.
-      جرائم الحرب.
-      جرائم ضد الإنسانية.
-      جرائم العدوان.

وهكذا، انطلاقا من منظور القانون الدولي، يمكن اعتبار حرب الريف، التي قامت بها إسبانيا ضد منطقة شمال المغرب، تدخل ضمن خانة جرائم العدوان، وبالتالي، فإنها تعتبر حسب البند 10 من وفاق عصبة الأمم المتحدة، جرائم ضد الإنسانية.

من جانب آخر، واستنادا إلى معاهدة فرساي لسنة 1918، حظر الحلفاء المنتصرون، على ألمانيا المنهزمة، إنتاج السلاح الكيماوي، في حين، حظر بروتوكول جنيف لسنة 1925، على جميع الدول أي استخدام لها، مع سماحه للدول التي كانت تمتلك احتياطيا من الأسلحة الكيماوية الاحتفاظ بها. رغم ذلك، لم يمنع هذا ألمانيا، التي لم تعر اهتماما لتلك المواثيق الدولية، من الاستمرار في إنتاج هذه الغازات بكميات ضخمة، وكذا، لم تحل هذه المعاهدات الدول التي تمتلك احتياطيا كبيرا منها، دون استخدامها بشكل مباشر، أو تصديرها إلى دول أخرى لاستعمالها. وفي هذا الصدد، قامت معاهدة سنة 1972، والتي كانت دقيقة في مضمونها من معاهدة سنة 1925، وتم تعديلها من طرف 131 دولة، بحظر استخدام، وإنتاج، وتخزين الأسلحة البيولوجية، والسامة، وأمرت بتدميرها. وختاما، أكدت معاهدة منظمة الأمم المتحدة لحظر الأسلحة الكيماوية، والتي تم توقيعها سنة 1992، ودخلت حيز التطبيق سنة 1997، على جميع المستندات الدولية السابقة. 

بالنسبة لحظر استعمال هذه الغازات الخانقة، تعهدت الدول الموقعة على معاهدة لاهاي، المؤرخة بيوم 29 يوليوز 1899، بعدم استخدامها. وقد جاءت المصادقة على هذه المعاهدة سنة 1907 لتشمل جميع أنواع الغازات، حيث كانت إسبانيا من بين الدول المصادقة عليها. كذلك، في موازاة مع مقتضيات معاهدة السلام بفرساي ليوم 18 يونيو من سنة 1919، فإن بندها 171 حظر إنتاج، وطبعا استخدام الغازات لأهداف حربية. في هذا الإطار، اقترحت لجنة مشكلة من مستشارين لأمين عام الحكومة الأمريكية، بمناسبة مؤتمر الحد من التسلح لسنة 1922، ضرورة حظر شامل للأسلحة الكيماوية، حيث تبنى البند الخامس من وفاق واشنطن ليوم 6 فبراير من نفس السنة الفكرة، وصادق عليها مجلس الشيوخ. لكن هذا الوفاق لم يدخل حيز التنفيذ نتيجة لمعارضة فرنسا، بفعل شموله لبعض الإجراءات المتعلقة بالغواصات. وهكذا، بعد ثلاث سنوات من هذا التاريخ، وبمبادرة أمريكية، وضعت ترتيبات ستفضي في النهاية إلى التوقيع على بروتوكول جنيف. ومن ثم، شاركت إسبانيا، إلى جانب دول أخرى، في مفاوضات تتعلق بالنص الذي سيفضي في النهاية إلى الميثاق العالمي لحظر استعمال الغازات الخانقة، السامة أو ما شابهها، بما فيها القنابل البكتيريولوجية أو الجرثومية في العمليات العسكرية، والذي تم توقيعه يوم 17 يونيو من سنة 1925. وبدون شك، كان حضور إسبانيا مجرد درع واق لأنشطتها، بحيث لم تلتزم بهذا الوفاق إلا يوم 22 غشت من سنة 1929، أي بعد مرور حوالي سنتين من قضائها على المقاومة المسلحة بشمال المغرب يوم 10 يوليوز من سنة 1927.

إلى أي حد يمكن اعتبار حرب الريف جريمة دولية في إطار قواعد القانون الدولي؟

يكيف غزو الجيش الإسباني لمنطقة الريف باستعمال القوة ابتداء من سنة 1921 على أنه حرب عدوانية وفقا للقانون الدولي، وخاصة مقتضيات المادة ال24 من اتفاقية لاهاي لسنة 1907، والمادة العاشرة من عهد عصبة الأمم لسنة 1919. ويعد العدوان، حسب معاهدة فرساي لسنة 1919، جريمة دولية ضد السلم تولد المسؤولية الدولية، وكذلك حسب بروتوكول جنيف لسنة 1924 الخاص بتسوية المنازعات الدولية بالطرق السلمية، الذي اعتبره إخلالا بمبدأ التضامن بين الدول، وتعهدت الدول الموقعة عليه بعدم الالتجاء إليه. والعدوان حسب قرار 3314، الصادر من الجمعية العامة للأمم المتحدة سنة 1974، الخاص بتعريف العدوان، هو "استخدام القوة المسلحة من جانب الدولة ضد سيادة ووحدة الأراضي الإقليمية، أو الاستقلال السياسي لدول أخرى، أو بأية طريقة لا تتماشى مع ميثاق الأمم المتحدة".

والعدوان في الريف، جريمة قائمة باعتبار الاستعمار لا يتمتع بالحماية القانونية، خاصة أنه استعملت فيه مختلف أنواع الأسلحة المحظورة دوليا، وبالتالي، من حق الحركة التحررية الريفية مقاومته، والتصدي له طبقا لاتفاقية لاهاي لسنة 1907.

وقد رافقت جريمة العدوان على منطقة الريف، جرائم الحرب التي عرفتها لائحة المحكمة العسكرية ل"نورمبورغ" على أنها "الأعمال التي تشكل انتهاكا لقوانين وأعراف الحرب"، وباعتبار أن إسبانيا خرقت اتفاقيتي لاهاي لسنة 1899 ولسنة 1907 المتعلقتين بتنظيم أعراف وعادات الحرب البرية، وكذلك بروتوكول جنيف لسنة 1925، عبر استخدامها الغازات الكيماوية ضد المدنيين والمقاتلين دون تمييز بين الأهداف المدنية والعسكرية، عبر جعل الأهالي هدفا للهجوم في الأسواق الأسبوعية، وفي قراهم داخل مساكنهم، واستهداف الأطفال والنساء والعجزة، وإلحاق الدمار بالممتلكات الفلاحية، من أشجار مثمرة، والمحاصيل الزراعية، وكذا البهائم، من أبقار، وغنم، وماعز، حمير، وأحصنة، بالإضافة إلى تلويث البيئة بالغازات الكيماوية، خصوصا مصادر المياه.

وإذا كانت الجرائم الإنسانية هي أفعال القتل العمد، والإبادة، والاسترقاق، والإبعاد، وغيرها من الأفعال غير الإنسانية المرتكبة ضد المدنيين أثناء الحرب، وكذلك الاضطهاد المبني على أسس سياسية، أو عرقية، أو دينية، فإن منطقة الريف شهدت ما بين سنوات 1921 و1926 إبادة جماعية كانت موجهة ضد الريفيين.

ولهذا، يمكن تكييف الجرائم الدولية المرتكبة في منطقة الريف على أنها جريمة عدوان، مرفقة بجرائم الحرب، وجرائم ضد الإنسانية، وهي الجرائم التي لا يشملها التقادم حسب المادة الأولى من اتفاقية عدم تقادم جرائم الحرب، والجرائم المرتكبة ضد الإنسانية، التي اعتمدت وعرضت للتوقيع والتصديق والانضمام بموجب قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة 2391 (د-23) المؤرخ في يوم 26 نوننبر سنة 1968، وبدأ تنفيذها في يوم 11 نوننبر سنة 1970، مع الأخذ بعين الاعتبار حيرة فقهاء القانون الدولي حول مبدأ رجعية القوانين في القانون الدولي، ومدى الجدلية الموجودة بين القانون الدولي العرفي والقانون الدولي المكتوب، باعتبار أن القانون الدولي قبل أن يصدر على شكل معاهدات واتفاقيات دولية، كان موجودا على شكل قانون عرفي.

كيف يمكن أن تعوض إسبانيا بعد اعترافها بهذه الجرائم ضحايا المنطقة؟

باعتبار الجرائم المرتكبة في الريف مرتبطة بنزاع دولي مسلح، وقع فيه خرق لالتزام دولي بأفعال ظلت آثارها مستمرة إلى حد الآن (الإصابة بمرض السرطان)، فإن تسويته لا تخرج على نطاق التسويات السلمية المنصوص عليها في القانون الدولي، خاصة في المادة ال33 من ميثاق الأمم المتحدة، وقد تكون تسوية سياسية بواسطة المفاوضات أو المساعي الحميدة أو التحقيق أو التوفيق والمصالحة، أو تكون قضائية، والتي تكون إما باللجوء إلى هيئة تحكيمية مختارة، أو إلى محكمة العدل الدولية.

ويميز فقهاء القانون الدولي بين النزاعات السياسية، التي غالبا ما تتعلق بالمصالح العليا للدولة، والشؤون التي تمس شرف الدولة، واستقلالها، وسيادتها، ومصالحها الحيوية، والتي يتم تسويتها بالطرق السياسية، وبين النزاعات الدولية القانونية المنصوص عليها في المادة 36 من النظام الأساسي لمحكمة العدل الدولية، ويتعلق بتفسير المعاهدات والتحقيق في وقائع خرق التزام دولي، وتحديد نوع التعويض المترتب على خرق التزام دولي.

وبناء على ذلك، فإن النزاع المرتبط بجرائم الريف، هو نزاع يتضمن جانبا سياسيا متعلقا بالعدوان، وارتكاب جرائم دولية مع التعنت، إلى حد الآن، عن الاعتراف بها وتسويتها، ما يستوجب ضرورة اعتراف إسبانيا بالجرائم المرتكبة واعتذارها، الذي يمكن تسويته سياسيا عبر وضعها الملف على طاولة المفاوضات السياسية بين المغرب والدول المشتركة في العدوان. وجانب آخر قانوني، يتعلق بالتحقيق في الجرائم المرتكبة في الريف، وتكييفها القانوني، وتحديد نوع التعويضات الممكنة،حيث يمكن تسويته إما عبر تعيين هيئة تحكيمية متفق عليها من الطرفين تصدر قرارات ملزمة لهما، أو رفع الدعوى إلى محكمة العدل الدولية التي تقتضي الولاية الجبرية، أي اتفاق الطرفين بعرض النزاع على المحكمة المذكورة.

هذا كله من أجل إقرار المسؤولية الدولية المدنية التي يترتب عليها جبر الضرر الذي يتخذ شكلي الترضية أو التعويض، من أجل التخفيف من آثار تلك الجرائم، خصوصا في المجال الصحي، عن طريق إقامة مستشفيات، خاصة لعلاج مرضى السرطان، الذي يشكل كابوسا حقيقيا بالنسبة للريفيين، حيث تشهد المنطقة أعلى نسبة من الإصابات بهذا المرض الفتاك، مقارنة بباقي مناطق المغرب.

أما المسؤولية الجنائية، التي تستوجب معاقبة الجناة، فهي غير واردة في الجرائم المرتكبة في منطقة الريف، لكون جميع الأفراد الذين ارتكبوا هذه الجرائم لم يعودوا على قيد الحياة، وبالتالي، لم تعد هناك إمكانية تحريك المتابعة ضدهم، لأن المتابعة الجنائية تسقط بوفاة الجناة.
















MyMeteo


Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار