Quantcast

2022 سبتمبر 19 - تم تعديله في [التاريخ]

الناقد شكير نصر الدّين: الترجمة هي الفهم السليم للنص ما عداه صنعة تكتسب

غياب الإستراتيجيات الثقافية في المغرب والذكاء الإصطناعي أهم تحديات الترجمة


المترجم والناقد شكير نصر الدّين
المترجم والناقد شكير نصر الدّين
العلم الإلكترونية - إعداد وحوار أنس الشعرة

يقف العديد من الكتاب والمفكرين والنقاد، في تأسيس مشروعاتهم الفكرية، على محاولة استنطاق نصوص إبداعية، لمفكرين أو فلاسفة أو روائيين، يجعلونَ من نصوصهم، دوائر تأويلية، ممتدة، تصير هي الحجر الأساس في مشروعاتهم الثقافية، التي تمتد في الزمن، ولعلّ هؤلاء لا يستهويهم بريق كاتب، أو نسبة مقروئيته عندَ الجمهور، بقدر يستهويهم جدة الفكرة، وعمق الخيال وتشابكه.

لم يكن باختين معروفا بالقدر الذي عليه اليوم في اللسان العربي، إلا بعد أن أقدمَ المترجم المغربي شكير نصر الدّين، على ترجمة أهم أعماله، "جمالية الإبداع اللفظي" و"أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبان عصر النهضة"، و"الفرويدية"، وقد شكلت منذ ترجمتها، معينًا لا ينضب ومرجعا أساسا، لكل من أراد التعرف على أعمال باختين بالترجمة العربية. ضمن سلسلة الترجمان، سيحدثنا المترجم والناقد شكير نصر الدّين عن تجربته في الترجمة، وأهميتها ودورها في تجسير الأفكار. 

ما هي قصتك مع الترجمة وكيف كانت البداية؟ من خلال تجربتك الترجمية كيف تعرف فعل الترجمة؟

لكل بداية ما قبل. في هذا الما قبل كنت أترجم لنفسي مقاطع من روايات استهوتني أحتفظ بها لنفسي، أو أقوم بنقل معلومات في التاريخ والجغرافيا من مقررات دراسية فرنسية كل هذا كان وأنا بعد في المرحلة الإعدادية والثانوية، إذ يسعني القول: إني كنت أمارس الترجمة دون إدراكي لذلك، شأن شخصية موليير الشهيرة التي كانت تتحدث نثرا دون معرفة بذلك. لكن في بداية الدراسة الجامعية أظن أني أدركت فعلا أني أمارس فعل الترجمة إذ أصبح للنصوص مترجمة قارئ خارجي وصار النشر سبيلا لوصولها إليه. أما الترجمة فهي فعل يقتضي نقل نص من لسان أول إلى لسان ثان وما يرافق ذلك من فهم له في جميع مستوياته الداخلية وسياقاته. حجر الأساس في الترجمة هو الفهم السليم للنص من جميع أوجهه، أما ما تبقى فصنعة تكتسب وتتحسن مع الوقت.   

لديك مشروع ترجمي ما هو بالضبط؟ هلا وصفت معالمه وخطوطه بشيء من التفصيل؟

حرصت منذ البداية، منتصف الثمانينات، على المساهمة قدر المستطاع في حركية الترجمة التي أثرت الحقل الثقافي في النقد الأدبي والعلوم الإنسانية بشكل خاص، ولأسباب لا حاجة إلى التفصيل فيها هنا، تأخر كثيرا الإسهام في شكل كتب، والحال أن كتاب "جمالية الإبداع اللفظي" لميخائيل باختين ظل حبيس مكتبتي الخاصة إلى أن وجد ضالته بعد أعوام كثيرة، في الناشر السوري ناظم حمدان، مدير دار دال للنشر والفنون، وكان بذلك فاتحة لكتب نقدية أخرى كانت دوما من اختياري، وجاءت اقتراحات الناشرين في مجال الرواية وبذلك زاوجت بين ما هو اختيار ذاتي في النقد، وما يقترحه الناشرون في الرواية.

ما الذي يدعوكَ إلى انتقاء مادتك الترجمية؟

عطفا على ما سبق، الاختيار له محددات نقدية خالصة تضع في الاعتبار السياق الأدبي والنقدي والجمالي، سواء بالنسبة لترجمات باختين، العنوان المذكور آنفا، أو "أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبان عصر النهضة"، (منشورات الجمل، 2015) أو "الفرويدية" (دار رؤية، 2015)، واعتبار حاجة الدرس النقدي والفلسفي عندنا إلى كتب مؤسسة كان لها أثرها في الغرب ولم تستفد المكتبة العربية منها في هيئتها الكاملة، إذ فيما يخص باختين على سبيل المثال، اكتفت الدراسات النقدية عربيا ومغربيا بما سبق نشره جزئيا أو كليا، لكن دون تكوين الصورة المكملة والتي أهملت عند التطرق إلى باختين، والمؤسف حتى بعد نشر "جمالية الإبداع اللفظي" في الترجمة العربية لم يحظَ بالدراسة والسعي إلى الإفادة من مضامينه المتعددة التخصص والمجالات، من قبيل "المؤلف والبطل" و "أجناس الخطاب" أو "مشكل النص"، وقل الشيء نفسه عن كتاب "أعمال فرانسوا رابليه" الذي يكتفي من يحيلون عليه في ترجمته العربية إلى اعتماد ما وصلهم من ملخصات من نسخته الانجليزية!

حُّفت الترجمة بالمخاطر والمصاعب، ومَهمة المترجم تدليل هذه الصعوبات، كيفَ تعملُ على تلافي ذلكَ أثناءَ ترجماتكَ؟ وماهي وسائلكَ في ذلك؟

سبق لي أن عرفت الترجمة بأنها ركوب لأهوال، سير في حقل ألغام. والحق أنها كذلك، إذ عند منعطف كل جملة أو صفحة لا تدري ما سوف تلاقيه من صعوبات ومتاعب؛ لكن أظن أن هذه التجربة في حد ذاتها تغري دوما بالمضي قدما لإيجاد الحل اللغوي المناسب، قدر المستطاع، إذ لا ننسى أن هناك ما يسمى في علم الترجمة بما هو غير قابل للترجمة، وعلى المترجم أن يجد الحل لنقل ذلك، ليس لزوما على المترجم أن يجد دائما المعادل لما ورد في النص الأصل، حيث لكل لغة قواعدها وقوانينها، لكن في جميع الأحوال، أتصرف بحيث لا يشعر القارئ بنفور من التركيب أو المعجم أو ما يحيط بذلك.

كل مترجم يقوم بعمليتن: الأولى عملية نقل النص إلى اللغة المترجَمة وهو في ذلك يحرص على نقلٍ صحيح للترجمة، الثانية أنه يحاولُ أن يبدعَ في تلكَ الترجمة بمعنى الانتقال من المقروء المستساغ نحو الإبداع الترجمي، كيفَ تحرص على المزواجة بينَ هاتين العمليتين أثناء ممارستكَ الترجمة؟

مثلما أن الكاتب لا يخرج بنصوصه إلا بعد إعادة كتابة قد تتكرر مرات، ثم تصحيح وحذف وإضافة فإن المترجم ينقل النّص ثم يعيد مرات كثيرة حتى يستوي في لسانه الحاضن الجديد، وأظن أن القراءة السليمة للنص هي أحد مفاتيح توصيله في لسانه الجديد، القراءة بكل تلك العدة المعرفية المفاهيمية التي نتحدث عنها في النقد الأدبي. إذَا لم يفهم المترجم النص في أدقّ تفاصيله لن يوصله إلى القراء إلا مشوها، وهذا ما نراه مع الأسف كثيرا، سواء محليا أو عربيا.

يقول إيتالو كالفينو: "لا نقول عن الكتب الكلاسيكية إننا بصدد قراءتها، بل إننا بصدد إعادة قراءتها"، كيفَ تجلت هذه المقولة انطلاقًا من ترجماتكَ لرائد "الحوارية" باختين، في أعمال: "جمالية الإبداع اللفظي" أو "أعمال فرانسوا رابليه والثقافة الشعبية في العصر الوسيط وإبان عصر النهضة"، و"الفرويدية"؟

لا أدري هل يمكن اعتبار م. باختين كلاسيكيا أو أن ندخله في زمرة الأدباء والأدب الكلاسيكي كما تحدث عنه إ. كالفينو، لكن ما أعرفه منذ صلتي الأولى بنصوص باختين التي تعود إلى أكثر من ثلاثة عقود، بصفتي قارئا، ثم مترجما فيما بعد، أن ترجمة النصوص الفكرية لا تقل صعوبة عن ترجمة الأعمال الروائية مثلا، إذ لا يكفي فهم اللّسان بصفته لسانا فحسب، بل ينبغي الانغماس في الحقول المعرفية التي تتصل بفكر باختين وأطروحاته، والحال أن باختين ليس له وجه واحد كما ذهب إلى ذلك ت. تودوروف، إذ للتمثيل فحسب بكتاب "جمالية الإبداع اللفظي" يجب على القارئ، وليس المترجم فحسب، أن يحيط بمفاهيم موغلة في التخصص تتصل بالفلسفة، بل بمدارس فلسفية كثيرة وعلم اللاهوت، والفيلولوجيا، والفنون التشكيلية والجماليات واللسانيات، والسيميائيات وغيرها.

تعترض المترجم مسألة غاية في الصعوبة، أثناء إنجاز ترجمته، وتزيد في كثير منَ الأحيان من مضاعفة معانته هاته، ضعف أو عدم وجود المعاجم العربية المتخصصة، خصوصا في تخصصات العلوم الإنسانية والاجتماعية والقانونية، إلى ماذا تعزو هذا الضعف والفراغ وعدم الاهتمام بإنتاج معاجم متخصصة في هذهِ الحقول العلمية؟

لدي موقف من مسألة عدم وجود هذا الشيء، وعدم توفر تلك الوسيلة، لأن إذا كانت هناك كل الأشياء وجميع الوسائل فذلك لا يعني أننا سوف نحصل بالضرورة على النتائج المنتظرة، كما أن انعدام تلك الأشياء والوسائل لا يعني ضرورة عدم انجاز ما نرمي إليه. شخصيا أتدبر حل المشاكل الفنية التي تواجهني أثناء الترجمة بالوسائل المتاحة، وبكل موضوعية أعتقد أن وسائل البحث اليوم متوفرة أكثر من أعوام مضت، بفضل الإنترنت يمكن اليوم الوصول إلى وثائق ومراجع لم يكن من السهل الوصول إليها.

هل تجتمع لغة المؤلف ولغة المترجم في وقت واحد؟

أظن أن التحدي القائم نصب عيني المترجم هو محو كل ظلال نص المؤلف، قدر المستطاع، طبعا لا يمكن للنّص المترجم أن يكون صافيا خالصا من كل الشوائب، لكن السعي إلى بلوغ ذلك الهدف هو ما يضمن الحصول على ترجمة تليق بالقارئ العربي، إذ المطلوب من المترجم التصرف كأنه صاحب النص دون أن يكون فعلا كذلك، عليه أن يبذل جهدا كبيرا للوصول إلى هذه الغاية ويتصرف كأن القارئ لا يجيد اللغة المنقول منها، ولا علاقة له بها وأن عليه أن يقرأ نصا عربيا، وفي الآن نفسه يجب تصور ذلك القارئ بمثابة خبير في اللغة المنقول منها، بهذه الاحتياطات يمكن أن يصل بالنص إلى القارئ العربي دون خسائر كبيرة.

انخراطكَ في مجال الترجمة لم يأت من جهة الانخراط في جهد مؤسسي أو في سياق جهد تموله جهة رسمية أو مدنية، وإنما هو تقليد ثقافي موروث عن الأجيال السابقة بالمغرب، ألا ترى أن غياب المساهمة المؤسسية في الفعل الترجمي هو عقبة كبيرة في سياق البناء الحضاري والثقافي للمجتمعات؟

سوف يكون ردي مماثلا لما سبق ذكره، لا أنتظر توفر الظروف والوسائل من جهة خارجية ما، لا أهتم بوجود مؤسسات من عدمه، أتابع في حد الإمكان حركية النشر المتصلة بالترجمة نصوصا، العمل الفردي المقترن بإحساس جماعي، أي أنك تعمل ومن سبقك ومن معك في مضمار واحد وهو الدفع بالدرس النقدي وبالتخييل الروائي في المغرب إلى الأمام، لأن الترجمة عندنا تعتمد في جزء أكبر على أفراد، كل يسهم قدر المستطاع، في هذه الحركية التي غذت المشهد الثقافي مغربيا وعربيا.

الفعل الترجمي هو تعبير عن روحِ ثقافتين، بمعنى أنه فعل يقوم بإصلاح ما تفسدهُ السياسة، وبمعنى أخر هو عمل دبلوماسي بصيغ أخرى، كيفَ تكونُ الترجمة تعبيرًا عن روح الثقافات؟

الصورة الغالبة في هذا السياق، صورة إيجابية، لكن حقيقة الأمر أن الواقع الثقافي والسياسي ليس بالحُسْن الشائع. لأن ثقافة الأجنبي ولغته المهيمنة في الماضي كما في الحاضر، لا يجب أن تنسينا لا الماضي الكولونيالي بفظائعه ولا الحاضر النيولبرالي بتسلطه الدائم؛ لكن مع ذلك يلوذ الإنسان السوي بالآداب والفنون وبالجميل في هذه الثقافة أو ما تبقى فيها من جمال، لأن العقدين الأخيرين وما عرفهما العالم العربي من تحولات أظهرا بل وفضحا الوجه الحقيقي لهذا الغرب وثقافته. اللّقاء حاصل ومستمر، والترجمة تقبض على نزر قليل منه، في شقه الجميل، تاركة قبحه للمعاينة المباشرة. 

أستعيرُ من جيل دولوز مفاهيمَ من قبيل: الرحيل، وخطوط الهروب، بما هي اختراق للأفق والدخول في حياة أخرى، كيف يجسد فعل الترجمة خطوط الهروب هاته؟

لا أدري هل يليق بنا استعمال مفاهيم جيل دولوز تلك، لكن المترجم هو إلى حد ما يعبر بنصوص من لسان وثقافة إلى لسان وثقافة مغايرين، أما بخصوص خطوط التلاشي التي تقترن عند ج. دولوز بما يسميه نقض الحيز وبناء حيز جديد، أظن أن المترجم يقوم بذلك دون إدراك منه أنه يسير وفق المفاهيم الدولوزية، لأن الترجمة نقل من تربة (حيز) إلى تربة ثانية، مع مراعاة ما يحف هذا الاستنبات من مخاطر إثمار أو فساد الثمرة قبل نضجها.

ماهي محددات الترجمة في المغرب؟ وكيف ترى وضع الترجمة في المغرب؟  وماهي الفروق التي تميزها عن الترجمة المشرقية؟

كما سلف، الترجمة في المغرب يحملها الأفراد، بكل ما يتطلب ذلك من جهد وبذل للوقت والطاقة النفسية، وهي على العموم تحتل مكانة محترمة عربيا لأنها مدت وتستمر في مد المكتبات العربية بالمنجزات الرصينة بلغات العالم الأقرب إلينا، من الفرنسية والإنجليزية والإسبانية والبرتغالية بإيقاع يخال المرء أن هناك دعما مؤسسيا والحال أن حتى دور النشر المغربية، لا تلقى بالا إلى المترجمين المغاربة الذين وسموا المشهد الأدبي العربي بميسم الرصانة والجدّة.

لماذا تغيب في بلادنا استراتيجية ثقافية تكون إحدى رافعاتها هي الترجمة؟ وكيفَ ترىَ مستقبل الترجمة في المغرب والعالم العربي؟

هذا سؤال ينبغي أن يرد عليه من يضع "الاستراتيجيات الثقافية"، إن وجدت فعلا. أما عن الترجمة في المغرب وفي باقي البلاد العربية، فإنها ستواجه في نظري تحدي مسايرة الإنتاجات المتعددة في بلاد العالم الغربي، وفي المنجزات التقنية العالية الدقة والمعتمدة للذكاء الاصطناعي في مجال الترجمة الذي هو سيف ذو حدّين.

هل تحملونَ خطابًا أو توصية للأجيال الجديدة منَ المترجمين المبتدئين؟

كل مترجم يبتدئ هذا المسار، ينتمي ضرورة إلى حركية الترجمة في المغرب، وعليه أن يشق بنفسه طريقه مستفيدا من اطلاعه على ما يحيط به من نصوص إبداعية، في مجالات مختلفة وترجمية لمن سبقه مغربيا وعربيا.
















MyMeteo


Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار