★ العلم الإلكترونية - إعداد: حكيمة الوردي ★
لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد خسارة انتخابية عابرة للحزب الجمهوري، بل شكلت تحولًا سياسيًا كبيرًا في موازين القوة داخل الولايات المتحدة، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، محققين مكاسب واسعة في ولايات ومناطق كانت تُحسب تقليديًا على الجمهوريين، في تصويت حمل رسالة اعتراض قوية على سياسات الرئيس دونالد ترامب، وعلى رأسها الحرب مع إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار الانخراط الأمريكي في الصراعات الخارجية.
وجاءت هذه النتائج بعد حملة انتخابية وضع ترامب خلالها ثقله السياسي خلف مرشحي حزبه، وحشد أنصاره، وسعى إلى تحويل الانتخابات إلى اختبار لمدى استمرار التأييد الشعبي لمشروعه السياسي. لكن صناديق الاقتراع جاءت بنتيجة مغايرة لما أراده البيت الأبيض؛ إذ خسر الجمهوريون السيطرة على المجلسين، فيما حقق الديمقراطيون اختراقات انتخابية في ولايات جمهورية، من بينها تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية، في مشهد عكس اتساع دائرة التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية.
◆ من وعد بإنهاء الحروب إلى حرب تستنزف الرصيد السياسي
كان ترامب قد بنى جانبًا أساسيًا من خطابه الانتخابي على التعهد بتجنب الحروب الخارجية، وتقديم المصالح الأمريكية الداخلية على الانخراط في صراعات جديدة، مستفيدًا من حالة الاستياء لدى قطاعات من الناخبين من الحروب الطويلة وتكاليفها البشرية والاقتصادية.
غير أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وضعت هذه الوعود أمام اختبار صعب؛ فبدل أن يظل شعار «أمريكا أولًا» مرتبطًا بتحسين أوضاع الأمريكيين وتخفيف الأعباء عنهم، وجد الناخبون أنفسهم أمام مواجهة عسكرية جديدة، وما رافقها من تكاليف وضغوط اقتصادية وارتفاع في أسعار الوقود.
ولم تكن الحرب مجرد ملف خارجي بعيد عن حياة الأمريكيين، بل تحولت إلى قضية تمس قدرتهم الشرائية وتكاليف تنقلهم ومعيشتهم. وأظهرت التغطيات والتحليلات الانتخابية أن الاستياء من الحرب، إلى جانب القلق من ارتفاع الأسعار، كان من أبرز العوامل التي ساهمت في تراجع حظوظ الجمهوريين.
واللافت أن ترامب أقر، عقب ظهور النتائج، بأن الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود كانا من العوامل التي ساهمت في خسارة حزبه، لكنه دافع عن قراره العسكري، مؤكدًا أنه كان سيتخذ القرار نفسه. أما نائبه جيه دي فانس، فقد أشار بدوره إلى أثر الحرب في النتائج، في اعتراف يعكس حجم الضغوط التي فرضها هذا الملف على الحزب الجمهوري.
◆ غزة ودعم إسرائيل.. ملف يلاحق البيت الأبيض
لم تكن الحرب على إيران وحدها في خلفية التراجع الجمهوري؛ فالدعم الأمريكي لإسرائيل، في ظل الحرب على غزة وما خلفته من دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين، ظل ملفًا حاضرًا في النقاش السياسي الأمريكي، وأثار اعتراضات متزايدة داخل قطاعات من الرأي العام، خصوصًا بين الناخبين الرافضين لاستمرار الدعم العسكري غير المشروط.
فقد وضع استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل إدارة ترامب أمام أسئلة متزايدة بشأن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وحجم الأموال التي تُخصص لدعم حليف خارجي في وقت يواجه فيه المواطن الأمريكي ارتفاعًا في تكاليف الحياة وضغوطًا اقتصادية متصاعدة.
وفي تطور لافت، أعلن ترامب، يوم الثلاثاء 3 نونبر، تزامنًا مع يوم الاقتراع، أن الولايات المتحدة ستوقف المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل، التي قدّرها بنحو أربعة مليارات دولار، مع نهاية العام الجاري، مدعيًا أنه توصل إلى اتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهذا الشأن، وأن الجانبين اتفقا على إنهاء هذه المساعدات قبل أشهر.
والأكثر دلالة أن ترامب ربط إعلانه بالعبء السياسي الذي أصبح يمثله هذا الملف على الجمهوريين، مشيرًا إلى أن مرشحي الحزب يتعرضون لانتقادات بسبب المساعدات المقدمة لإسرائيل. وهو ما يطرح تساؤلات بشأن توقيت الإعلان، وما إذا كان يمثل تحولًا فعليًا في السياسة الأمريكية أم محاولة لاحتواء ملف بات يضغط على المرشحين الجمهوريين انتخابيًا.
غير أن الإعلان سرعان ما أثار ارتباكًا داخل إسرائيل، بعدما فوجئ مسؤولون في وزارتي الدفاع والمالية، إلى جانب مسؤولين في المؤسسة العسكرية، بالتصريح الأمريكي، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية. وأفادت تقارير بأن الجهات المعنية لم تكن على علم بقرار وشيك لوقف المساعدات بهذه السرعة، كما نقلت عن مسؤول في وزارة المالية الإسرائيلية قوله إنه لم يُقدَّم أي مستند رسمي من مكتب رئيس الوزراء بشأن إنهاء المساعدات، وإن الوزارة كانت على علم بوجود توجه لمراجعتها، لكنها فوجئت بطرح تنفيذ ذلك بصورة فورية.
ولم يقتصر الارتباك الذي أحدثه إعلان ترامب على المؤسسات العسكرية والمالية الإسرائيلية، بل انتقل سريعًا إلى قلب المواجهة السياسية الداخلية، خصوصًا أن نتنياهو كان قد خرج لتوه من انتخابات الكنيست التي جرت في 28 أكتوبر، وسط مشهد برلماني لم يحسم تشكيل أغلبية حكومية؛ إذ حصل المعسكر الداعم له على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر المعارض، دون أن يتمكن أي من الطرفين من بلوغ عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل أغلبية. وفي هذا السياق، سارع غادي آيزنكوت، أحد أبرز منافسي نتنياهو، إلى استثمار الإعلان لمهاجمته، معتبرًا أن اطلاع المؤسسة الأمنية والمواطنين الإسرائيليين على تغيير بهذا الحجم في العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة عبر وسائل الإعلام يكشف خطورة طريقة إدارة نتنياهو للحكم، وطالبه بتقديم توضيحات فورية. وهكذا تحول إعلان ترامب إلى مادة جديدة في المواجهة مع نتنياهو، لا بسبب تأثيره في نتيجة الانتخابات التي كانت قد انتهت بالفعل، بل لما أثاره من تساؤلات حول شفافية قراراته، ومدى قدرته على حماية المصالح الأمنية الإسرائيلية وإدارة العلاقة مع الحليف الأمريكي.
ولم يتوقف الأمر عند مفاجأة المسؤولين الإسرائيليين؛ إذ نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن موظفين لدى نتنياهو وترامب أكدوا لاحقًا أن الرئيس الأمريكي أخطأ في التعبير، في وقت أشارت فيه الصحيفة إلى أن مسؤولين إسرائيليين لم يكونوا يتوقعون إنهاء المساعدات قبل موعد انتهاء التفاهم القائم بعامين. كما ظل مكتب نتنياهو صامتًا إزاء الإعلان في الساعات الأولى، بينما أحال مسؤولون إسرائيليون الاستفسارات إلى رئيس الوزراء، من دون تقديم توضيح رسمي يحسم حقيقة الاتفاق الذي تحدث عنه ترامب.
وهنا برز السؤال الذي شغل وسائل الإعلام والمراقبين: متى أُبرم هذا الاتفاق المزعوم، وما تفاصيله، ومن أعلن عنه أو وقّعه؟ فترامب تحدث عن تفاهم جرى التوصل إليه قبل أشهر، لكن لم يُعلن عن وثيقة أو تفاصيل رسمية تثبت الاتفاق على وقف المساعدات مع نهاية 2026. وفي المقابل، فإن ما سبق أن طرحه نتنياهو علنًا كان يتصل بتقليص الاعتماد الإسرائيلي على المساعدات الأمريكية تدريجيًا على مدى سنوات، وليس بوقفها بصورة مفاجئة مع نهاية العام الجاري.
ومع ذلك، فإن الإعلان لا يعني أن وقف المساعدات أصبح أمرًا منفذًا؛ إذ إن مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية القائمة، والتي توفر لإسرائيل نحو 3.8 مليارات دولار سنويًا، تمتد إلى عام 2028، كما أن تغيير الالتزامات المرتبطة بها يثير أسئلة بشأن دور الكونغرس والإجراءات المطلوبة لتنفيذ أي تحول من هذا النوع. وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد تصريح رئاسي، بل بتغيير استراتيجي لم تتضح آلياته أو تفاصيله، ولم يصدر بشأنه تأكيد رسمي مشترك من واشنطن وتل أبيب.
◆ استثمار في اليمين المتطرف.. الإسلام والمسلمون في خطاب التعبئة
ومن الملفات التي لا يمكن إغفالها عند قراءة المسار السياسي لترامب، توظيفه المتكرر لخطاب معادٍ للإسلام والمسلمين، واستثماره في مشاعر اليمين الأمريكي المتطرف والتيارات التي تتبنى مواقف عدائية تجاه المسلمين، ضمن استراتيجية سياسية تقوم على إثارة المخاوف والهواجس المرتبطة بالهوية والهجرة والدين.
فخلال حملته الرئاسية الأولى، دعا ترامب في السابع من دجنبر 2015 إلى وقف دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، قبل أن يصرح في مقابلة تلفزيونية عام 2016 بعبارته الشهيرة: «أعتقد أن الإسلام يكرهنا». ولم تكن تلك التصريحات مجرد مواقف عابرة، بل شكلت جزءًا موثقًا من خطابه السياسي خلال مرحلة انتخابية اعتمد فيها على تعبئة المخاوف من المسلمين والمهاجرين.
وفي الحملة الانتخابية الأخيرة، عاد هذا الخطاب إلى الواجهة بصورة أكثر مباشرة، عندما استهدف ترامب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم عبد السيد (Abdul El-Sayed)، ونعته خلال تجمع انتخابي في 25 أكتوبر بـ«الجهادي»، وربطه بجماعة الإخوان المسلمين، دون تقديم أدلة تثبت هذه الاتهامات، كما زعم أنه يريد فرض الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة، وصوّره باعتباره تهديدًا أمنيًا في حال وصوله إلى مجلس الشيوخ. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ استحضر ترامب هجمات 11 شتنبر في سياق تحريضه ضد المرشح، وتحدث عن ضرورة إخضاعه للتفتيش بجهاز كشف المعادن قبل دخوله المجلس، في خطاب ربط فيه بوضوح بين هوية المرشح الإسلامية ومخاوف الإرهاب والأمن القومي.
وتزامن ذلك مع سخرية ترامب المتكررة من اسم المرشح، وتركيزه المتعمد على اسمه الأوسط «محمد»، في سياق لم يقتصر على استهداف شخص المرشح، بل امتد إلى التهكم على اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يحظى بمكانة دينية عظيمة لدى المسلمين، ويرتبط في وجدانهم بهويتهم الدينية. كما سبق لترامب، خلال تجمع انتخابي في ولاية جورجيا يوم 16 أكتوبر، أن سخر من اسم «محمد» وشيوعه بين أشخاص من الشرق الأوسط، في تصريحات أثارت انتقادات لما حملته من إيحاءات تمس رمزية الاسم ومكانته في الإسلام، وتفتح الباب أمام توظيف السخرية من المقدسات الدينية في خطاب التعبئة السياسية.
وفي هذا السياق، لم يتردد ترامب في توظيف خطاب معادٍ للإسلام والمسلمين، مستثمرًا في مشاعر اليمين الأمريكي المتطرف والتيارات المعادية للمسلمين، ومحاولًا تحويل الخوف والكراهية إلى أدوات للتعبئة الانتخابية وحشد الأصوات خلف مشروعه السياسي.
ولا يعني ذلك تعميم هذه المواقف على المجتمع الأمريكي أو على جميع ناخبي الحزب الجمهوري، بل يتعلق بتسليط الضوء على كيفية استثمار ترامب في تيارات متشددة، ومنح خطابها مساحة داخل حملاته، وتوظيف الانقسام حول الإسلام والهجرة والهوية في معاركه الانتخابية.
وقد ظل هذا الخطاب حاضرًا في صورة ترامب السياسية، إلى جانب مواقفه المتشددة من الهجرة، وتحالفاته مع شخصيات وتيارات يمينية محافظة ومتطرفة. غير أن النتائج الأخيرة تفتح النقاش حول حدود قدرة هذا النوع من التعبئة على حماية الحزب من الغضب المرتبط بالاقتصاد والحروب والسياسات الخارجية.
◆ حتى فوكس نيوز لم تسلم من اتهامات ترامب
وبعد اتضاح حجم الخسائر الجمهورية، لم يتجه ترامب إلى تحمل المسؤولية السياسية عن النتائج، بل بدأ في توجيه الانتقادات إلى أطراف أخرى، وفي مقدمتها قناة «فوكس نيوز»، التي اتهمها بالمساهمة في خسارة الجمهوريين بسبب تغطيتها الانتخابية واستضافتها أصواتًا معارضة.
كما انتقد أداء عدد من مرشحي حزبه، معتبرًا أنهم لم ينجحوا في تحفيز قاعدة «ماغا» وحشدها بالشكل المطلوب، في حين هنأ الديمقراطيين على انتصاراتهم، وأكد أن النتائج لا تمثل ضربة شخصية له.
وتظل هذه الاتهامات جزءًا من رواية ترامب لتفسير الخسارة، وليست دليلًا على مسؤولية القناة أو المرشحين عنها. لكن اللافت أن الرئيس الأمريكي، الذي جعل نفسه طرفًا مركزيًا في الحملة، وجد نفسه بعد ظهور النتائج يبحث عن أسباب الإخفاق خارج دائرة قراراته وسياساته.
◆ إيلون ماسك.. نصف مليار دولار لا تشتري أصوات الناخبين
لم يكن إيلون ماسك بعيدًا عن ارتدادات الهزيمة الجمهورية، بعدما وجد نفسه أمام نتائج لم تنقذها مئات الملايين من الدولارات التي ضخها لدعم مرشحي الحزب. فالملياردير الأمريكي، الذي أنفق نحو نصف مليار دولار في المعركة الانتخابية، اختار الرد بسخرية عبر منصته «إكس»، قائلًا: «يبدو أن أشعة الليزر الفضائية المتدخلة في الانتخابات لم تنجح هذه المرة»، في تعليق حمل طابعًا تهكميًا على الانتقادات التي لاحقت تدخله في الانتخابات. كما كتب أن مراكز البيانات في الفضاء أصبحت تبدو خيارًا جذابًا.
غير أن خلف هذه السخرية تكمن مفارقة سياسية لافتة: رجل يمتلك ثروة ونفوذًا إعلاميًا هائلين، ووضع إمكاناته المالية في خدمة مرشحي الجمهوريين، لكنه لم يستطع تحويل هذا الإنفاق إلى أصوات انتخابية. وقد جاءت خسارة مرشحيه في تكساس، ومن بينهم كين باكستون، لتسلط الضوء على حدود تأثير المال السياسي، وعلى أن الناخبين لا يمكن التعامل مع أصواتهم باعتبارها سلعة تُشترى بالإعلانات والتبرعات.
◆ كونغرس معارض.. بداية مرحلة سياسية أكثر صعوبة
وتحمل خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس تداعيات تتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة؛ فالديمقراطيون أصبحوا يمتلكون أدوات تشريعية ورقابية أوسع لمواجهة الإدارة، وفتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، ومراجعة قرارات البيت الأبيض، فضلًا عن التأثير في مسار التعيينات والمشروعات التشريعية.
وبذلك يدخل ترامب المرحلة المقبلة من ولايته في مواجهة كونغرس تسيطر عليه المعارضة، بعدما كان يعتمد على أغلبية جمهورية تمنحه هامشًا أوسع لتمرير أجندته السياسية. ومن المنتظر أن تتحول ملفات الحرب والإنفاق العسكري والعلاقة مع إسرائيل والاقتصاد والقرارات التنفيذية إلى ساحات مواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس.
وقد أعلن ترامب أنه سيستخدم حق النقض الرئاسي «الفيتو» ضد مشروعات وصفها بأنها غير مقبولة، في إشارة إلى طبيعة المواجهة المنتظرة مع الأغلبية الديمقراطية الجديدة. كما أن هذه الأغلبية ستمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على ممارسة الرقابة البرلمانية والتحقيق في أداء الإدارة، وهو ما قد يضع الرئيس أمام ضغوط سياسية ومؤسساتية متزايدة.
إن نتائج الثالث من نونبر 2026 لا تعني نهاية ولاية ترامب، لكنها تكشف أن السيطرة على الخطاب السياسي وحشد القاعدة الانتخابية لا يكفيان وحدهما لحماية الحزب من تداعيات القرارات التي تمس حياة المواطنين. فالحرب التي تتناقض مع وعود تجنب الصراعات، وغلاء المعيشة، والدعم العسكري لإسرائيل، والخطاب المعادي للمسلمين الذي استُخدم في التعبئة السياسية، كلها ملفات أصبحت جزءًا من النقاش الذي رافق التصويت الأمريكي.
ضربتان انتخابيتان في مجلسي الكونغرس، ورسالة سياسية ثقيلة إلى البيت الأبيض: الناخبون لا يمنحون شيكًا على بياض، والوعود التي تُرفع في الحملات الانتخابية تعود لاحقًا لتُختبر أمام الواقع. أما ترامب، الذي بذل كل طاقته للحفاظ على الأغلبية الجمهورية، فقد وجد نفسه أمام خريطة سياسية جديدة، وخصوم يمتلكون الآن أدوات أقوى لمراقبة إدارته ومواجهة سياساته.
لم تكن نتائج انتخابات التجديد النصفي الأمريكية مجرد خسارة انتخابية عابرة للحزب الجمهوري، بل شكلت تحولًا سياسيًا كبيرًا في موازين القوة داخل الولايات المتحدة، بعدما تمكن الديمقراطيون من انتزاع الأغلبية في مجلسي النواب والشيوخ، محققين مكاسب واسعة في ولايات ومناطق كانت تُحسب تقليديًا على الجمهوريين، في تصويت حمل رسالة اعتراض قوية على سياسات الرئيس دونالد ترامب، وعلى رأسها الحرب مع إيران، وارتفاع تكاليف المعيشة، واستمرار الانخراط الأمريكي في الصراعات الخارجية.
وجاءت هذه النتائج بعد حملة انتخابية وضع ترامب خلالها ثقله السياسي خلف مرشحي حزبه، وحشد أنصاره، وسعى إلى تحويل الانتخابات إلى اختبار لمدى استمرار التأييد الشعبي لمشروعه السياسي. لكن صناديق الاقتراع جاءت بنتيجة مغايرة لما أراده البيت الأبيض؛ إذ خسر الجمهوريون السيطرة على المجلسين، فيما حقق الديمقراطيون اختراقات انتخابية في ولايات جمهورية، من بينها تكساس وكانساس وكارولاينا الجنوبية، في مشهد عكس اتساع دائرة التحديات التي تواجه الإدارة الأمريكية.
◆ من وعد بإنهاء الحروب إلى حرب تستنزف الرصيد السياسي
كان ترامب قد بنى جانبًا أساسيًا من خطابه الانتخابي على التعهد بتجنب الحروب الخارجية، وتقديم المصالح الأمريكية الداخلية على الانخراط في صراعات جديدة، مستفيدًا من حالة الاستياء لدى قطاعات من الناخبين من الحروب الطويلة وتكاليفها البشرية والاقتصادية.
غير أن الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران وضعت هذه الوعود أمام اختبار صعب؛ فبدل أن يظل شعار «أمريكا أولًا» مرتبطًا بتحسين أوضاع الأمريكيين وتخفيف الأعباء عنهم، وجد الناخبون أنفسهم أمام مواجهة عسكرية جديدة، وما رافقها من تكاليف وضغوط اقتصادية وارتفاع في أسعار الوقود.
ولم تكن الحرب مجرد ملف خارجي بعيد عن حياة الأمريكيين، بل تحولت إلى قضية تمس قدرتهم الشرائية وتكاليف تنقلهم ومعيشتهم. وأظهرت التغطيات والتحليلات الانتخابية أن الاستياء من الحرب، إلى جانب القلق من ارتفاع الأسعار، كان من أبرز العوامل التي ساهمت في تراجع حظوظ الجمهوريين.
واللافت أن ترامب أقر، عقب ظهور النتائج، بأن الحرب مع إيران وارتفاع أسعار الوقود كانا من العوامل التي ساهمت في خسارة حزبه، لكنه دافع عن قراره العسكري، مؤكدًا أنه كان سيتخذ القرار نفسه. أما نائبه جيه دي فانس، فقد أشار بدوره إلى أثر الحرب في النتائج، في اعتراف يعكس حجم الضغوط التي فرضها هذا الملف على الحزب الجمهوري.
◆ غزة ودعم إسرائيل.. ملف يلاحق البيت الأبيض
لم تكن الحرب على إيران وحدها في خلفية التراجع الجمهوري؛ فالدعم الأمريكي لإسرائيل، في ظل الحرب على غزة وما خلفته من دمار واسع وسقوط أعداد كبيرة من المدنيين الفلسطينيين، ظل ملفًا حاضرًا في النقاش السياسي الأمريكي، وأثار اعتراضات متزايدة داخل قطاعات من الرأي العام، خصوصًا بين الناخبين الرافضين لاستمرار الدعم العسكري غير المشروط.
فقد وضع استمرار المساعدات العسكرية الأمريكية لإسرائيل إدارة ترامب أمام أسئلة متزايدة بشأن أولويات السياسة الخارجية الأمريكية، وحجم الأموال التي تُخصص لدعم حليف خارجي في وقت يواجه فيه المواطن الأمريكي ارتفاعًا في تكاليف الحياة وضغوطًا اقتصادية متصاعدة.
وفي تطور لافت، أعلن ترامب، يوم الثلاثاء 3 نونبر، تزامنًا مع يوم الاقتراع، أن الولايات المتحدة ستوقف المساعدات العسكرية السنوية لإسرائيل، التي قدّرها بنحو أربعة مليارات دولار، مع نهاية العام الجاري، مدعيًا أنه توصل إلى اتفاق مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو بهذا الشأن، وأن الجانبين اتفقا على إنهاء هذه المساعدات قبل أشهر.
والأكثر دلالة أن ترامب ربط إعلانه بالعبء السياسي الذي أصبح يمثله هذا الملف على الجمهوريين، مشيرًا إلى أن مرشحي الحزب يتعرضون لانتقادات بسبب المساعدات المقدمة لإسرائيل. وهو ما يطرح تساؤلات بشأن توقيت الإعلان، وما إذا كان يمثل تحولًا فعليًا في السياسة الأمريكية أم محاولة لاحتواء ملف بات يضغط على المرشحين الجمهوريين انتخابيًا.
غير أن الإعلان سرعان ما أثار ارتباكًا داخل إسرائيل، بعدما فوجئ مسؤولون في وزارتي الدفاع والمالية، إلى جانب مسؤولين في المؤسسة العسكرية، بالتصريح الأمريكي، وفق ما نقلته وسائل إعلام إسرائيلية. وأفادت تقارير بأن الجهات المعنية لم تكن على علم بقرار وشيك لوقف المساعدات بهذه السرعة، كما نقلت عن مسؤول في وزارة المالية الإسرائيلية قوله إنه لم يُقدَّم أي مستند رسمي من مكتب رئيس الوزراء بشأن إنهاء المساعدات، وإن الوزارة كانت على علم بوجود توجه لمراجعتها، لكنها فوجئت بطرح تنفيذ ذلك بصورة فورية.
ولم يقتصر الارتباك الذي أحدثه إعلان ترامب على المؤسسات العسكرية والمالية الإسرائيلية، بل انتقل سريعًا إلى قلب المواجهة السياسية الداخلية، خصوصًا أن نتنياهو كان قد خرج لتوه من انتخابات الكنيست التي جرت في 28 أكتوبر، وسط مشهد برلماني لم يحسم تشكيل أغلبية حكومية؛ إذ حصل المعسكر الداعم له على 53 مقعدًا، مقابل 48 مقعدًا للمعسكر المعارض، دون أن يتمكن أي من الطرفين من بلوغ عتبة 61 مقعدًا اللازمة لتشكيل أغلبية. وفي هذا السياق، سارع غادي آيزنكوت، أحد أبرز منافسي نتنياهو، إلى استثمار الإعلان لمهاجمته، معتبرًا أن اطلاع المؤسسة الأمنية والمواطنين الإسرائيليين على تغيير بهذا الحجم في العلاقة الاستراتيجية مع الولايات المتحدة عبر وسائل الإعلام يكشف خطورة طريقة إدارة نتنياهو للحكم، وطالبه بتقديم توضيحات فورية. وهكذا تحول إعلان ترامب إلى مادة جديدة في المواجهة مع نتنياهو، لا بسبب تأثيره في نتيجة الانتخابات التي كانت قد انتهت بالفعل، بل لما أثاره من تساؤلات حول شفافية قراراته، ومدى قدرته على حماية المصالح الأمنية الإسرائيلية وإدارة العلاقة مع الحليف الأمريكي.
ولم يتوقف الأمر عند مفاجأة المسؤولين الإسرائيليين؛ إذ نقلت صحيفة «جيروزاليم بوست» أن موظفين لدى نتنياهو وترامب أكدوا لاحقًا أن الرئيس الأمريكي أخطأ في التعبير، في وقت أشارت فيه الصحيفة إلى أن مسؤولين إسرائيليين لم يكونوا يتوقعون إنهاء المساعدات قبل موعد انتهاء التفاهم القائم بعامين. كما ظل مكتب نتنياهو صامتًا إزاء الإعلان في الساعات الأولى، بينما أحال مسؤولون إسرائيليون الاستفسارات إلى رئيس الوزراء، من دون تقديم توضيح رسمي يحسم حقيقة الاتفاق الذي تحدث عنه ترامب.
وهنا برز السؤال الذي شغل وسائل الإعلام والمراقبين: متى أُبرم هذا الاتفاق المزعوم، وما تفاصيله، ومن أعلن عنه أو وقّعه؟ فترامب تحدث عن تفاهم جرى التوصل إليه قبل أشهر، لكن لم يُعلن عن وثيقة أو تفاصيل رسمية تثبت الاتفاق على وقف المساعدات مع نهاية 2026. وفي المقابل، فإن ما سبق أن طرحه نتنياهو علنًا كان يتصل بتقليص الاعتماد الإسرائيلي على المساعدات الأمريكية تدريجيًا على مدى سنوات، وليس بوقفها بصورة مفاجئة مع نهاية العام الجاري.
ومع ذلك، فإن الإعلان لا يعني أن وقف المساعدات أصبح أمرًا منفذًا؛ إذ إن مذكرة التفاهم الأمريكية الإسرائيلية القائمة، والتي توفر لإسرائيل نحو 3.8 مليارات دولار سنويًا، تمتد إلى عام 2028، كما أن تغيير الالتزامات المرتبطة بها يثير أسئلة بشأن دور الكونغرس والإجراءات المطلوبة لتنفيذ أي تحول من هذا النوع. وبذلك، لا يتعلق الأمر بمجرد تصريح رئاسي، بل بتغيير استراتيجي لم تتضح آلياته أو تفاصيله، ولم يصدر بشأنه تأكيد رسمي مشترك من واشنطن وتل أبيب.
◆ استثمار في اليمين المتطرف.. الإسلام والمسلمون في خطاب التعبئة
ومن الملفات التي لا يمكن إغفالها عند قراءة المسار السياسي لترامب، توظيفه المتكرر لخطاب معادٍ للإسلام والمسلمين، واستثماره في مشاعر اليمين الأمريكي المتطرف والتيارات التي تتبنى مواقف عدائية تجاه المسلمين، ضمن استراتيجية سياسية تقوم على إثارة المخاوف والهواجس المرتبطة بالهوية والهجرة والدين.
فخلال حملته الرئاسية الأولى، دعا ترامب في السابع من دجنبر 2015 إلى وقف دخول المسلمين إلى الولايات المتحدة، قبل أن يصرح في مقابلة تلفزيونية عام 2016 بعبارته الشهيرة: «أعتقد أن الإسلام يكرهنا». ولم تكن تلك التصريحات مجرد مواقف عابرة، بل شكلت جزءًا موثقًا من خطابه السياسي خلال مرحلة انتخابية اعتمد فيها على تعبئة المخاوف من المسلمين والمهاجرين.
وفي الحملة الانتخابية الأخيرة، عاد هذا الخطاب إلى الواجهة بصورة أكثر مباشرة، عندما استهدف ترامب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عن ولاية ميشيغان، عبد الرحمن محمد السيد، المعروف باسم عبد السيد (Abdul El-Sayed)، ونعته خلال تجمع انتخابي في 25 أكتوبر بـ«الجهادي»، وربطه بجماعة الإخوان المسلمين، دون تقديم أدلة تثبت هذه الاتهامات، كما زعم أنه يريد فرض الشريعة الإسلامية في الولايات المتحدة، وصوّره باعتباره تهديدًا أمنيًا في حال وصوله إلى مجلس الشيوخ. ولم يتوقف الأمر عند ذلك، إذ استحضر ترامب هجمات 11 شتنبر في سياق تحريضه ضد المرشح، وتحدث عن ضرورة إخضاعه للتفتيش بجهاز كشف المعادن قبل دخوله المجلس، في خطاب ربط فيه بوضوح بين هوية المرشح الإسلامية ومخاوف الإرهاب والأمن القومي.
وتزامن ذلك مع سخرية ترامب المتكررة من اسم المرشح، وتركيزه المتعمد على اسمه الأوسط «محمد»، في سياق لم يقتصر على استهداف شخص المرشح، بل امتد إلى التهكم على اسم النبي محمد صلى الله عليه وسلم، الذي يحظى بمكانة دينية عظيمة لدى المسلمين، ويرتبط في وجدانهم بهويتهم الدينية. كما سبق لترامب، خلال تجمع انتخابي في ولاية جورجيا يوم 16 أكتوبر، أن سخر من اسم «محمد» وشيوعه بين أشخاص من الشرق الأوسط، في تصريحات أثارت انتقادات لما حملته من إيحاءات تمس رمزية الاسم ومكانته في الإسلام، وتفتح الباب أمام توظيف السخرية من المقدسات الدينية في خطاب التعبئة السياسية.
وفي هذا السياق، لم يتردد ترامب في توظيف خطاب معادٍ للإسلام والمسلمين، مستثمرًا في مشاعر اليمين الأمريكي المتطرف والتيارات المعادية للمسلمين، ومحاولًا تحويل الخوف والكراهية إلى أدوات للتعبئة الانتخابية وحشد الأصوات خلف مشروعه السياسي.
ولا يعني ذلك تعميم هذه المواقف على المجتمع الأمريكي أو على جميع ناخبي الحزب الجمهوري، بل يتعلق بتسليط الضوء على كيفية استثمار ترامب في تيارات متشددة، ومنح خطابها مساحة داخل حملاته، وتوظيف الانقسام حول الإسلام والهجرة والهوية في معاركه الانتخابية.
وقد ظل هذا الخطاب حاضرًا في صورة ترامب السياسية، إلى جانب مواقفه المتشددة من الهجرة، وتحالفاته مع شخصيات وتيارات يمينية محافظة ومتطرفة. غير أن النتائج الأخيرة تفتح النقاش حول حدود قدرة هذا النوع من التعبئة على حماية الحزب من الغضب المرتبط بالاقتصاد والحروب والسياسات الخارجية.
◆ حتى فوكس نيوز لم تسلم من اتهامات ترامب
وبعد اتضاح حجم الخسائر الجمهورية، لم يتجه ترامب إلى تحمل المسؤولية السياسية عن النتائج، بل بدأ في توجيه الانتقادات إلى أطراف أخرى، وفي مقدمتها قناة «فوكس نيوز»، التي اتهمها بالمساهمة في خسارة الجمهوريين بسبب تغطيتها الانتخابية واستضافتها أصواتًا معارضة.
كما انتقد أداء عدد من مرشحي حزبه، معتبرًا أنهم لم ينجحوا في تحفيز قاعدة «ماغا» وحشدها بالشكل المطلوب، في حين هنأ الديمقراطيين على انتصاراتهم، وأكد أن النتائج لا تمثل ضربة شخصية له.
وتظل هذه الاتهامات جزءًا من رواية ترامب لتفسير الخسارة، وليست دليلًا على مسؤولية القناة أو المرشحين عنها. لكن اللافت أن الرئيس الأمريكي، الذي جعل نفسه طرفًا مركزيًا في الحملة، وجد نفسه بعد ظهور النتائج يبحث عن أسباب الإخفاق خارج دائرة قراراته وسياساته.
◆ إيلون ماسك.. نصف مليار دولار لا تشتري أصوات الناخبين
لم يكن إيلون ماسك بعيدًا عن ارتدادات الهزيمة الجمهورية، بعدما وجد نفسه أمام نتائج لم تنقذها مئات الملايين من الدولارات التي ضخها لدعم مرشحي الحزب. فالملياردير الأمريكي، الذي أنفق نحو نصف مليار دولار في المعركة الانتخابية، اختار الرد بسخرية عبر منصته «إكس»، قائلًا: «يبدو أن أشعة الليزر الفضائية المتدخلة في الانتخابات لم تنجح هذه المرة»، في تعليق حمل طابعًا تهكميًا على الانتقادات التي لاحقت تدخله في الانتخابات. كما كتب أن مراكز البيانات في الفضاء أصبحت تبدو خيارًا جذابًا.
غير أن خلف هذه السخرية تكمن مفارقة سياسية لافتة: رجل يمتلك ثروة ونفوذًا إعلاميًا هائلين، ووضع إمكاناته المالية في خدمة مرشحي الجمهوريين، لكنه لم يستطع تحويل هذا الإنفاق إلى أصوات انتخابية. وقد جاءت خسارة مرشحيه في تكساس، ومن بينهم كين باكستون، لتسلط الضوء على حدود تأثير المال السياسي، وعلى أن الناخبين لا يمكن التعامل مع أصواتهم باعتبارها سلعة تُشترى بالإعلانات والتبرعات.
◆ كونغرس معارض.. بداية مرحلة سياسية أكثر صعوبة
وتحمل خسارة الجمهوريين السيطرة على مجلسي الكونغرس تداعيات تتجاوز الحسابات الانتخابية المباشرة؛ فالديمقراطيون أصبحوا يمتلكون أدوات تشريعية ورقابية أوسع لمواجهة الإدارة، وفتح التحقيقات، واستدعاء المسؤولين، ومراجعة قرارات البيت الأبيض، فضلًا عن التأثير في مسار التعيينات والمشروعات التشريعية.
وبذلك يدخل ترامب المرحلة المقبلة من ولايته في مواجهة كونغرس تسيطر عليه المعارضة، بعدما كان يعتمد على أغلبية جمهورية تمنحه هامشًا أوسع لتمرير أجندته السياسية. ومن المنتظر أن تتحول ملفات الحرب والإنفاق العسكري والعلاقة مع إسرائيل والاقتصاد والقرارات التنفيذية إلى ساحات مواجهة بين البيت الأبيض والكونغرس.
وقد أعلن ترامب أنه سيستخدم حق النقض الرئاسي «الفيتو» ضد مشروعات وصفها بأنها غير مقبولة، في إشارة إلى طبيعة المواجهة المنتظرة مع الأغلبية الديمقراطية الجديدة. كما أن هذه الأغلبية ستمنح الديمقراطيين قدرة أكبر على ممارسة الرقابة البرلمانية والتحقيق في أداء الإدارة، وهو ما قد يضع الرئيس أمام ضغوط سياسية ومؤسساتية متزايدة.
إن نتائج الثالث من نونبر 2026 لا تعني نهاية ولاية ترامب، لكنها تكشف أن السيطرة على الخطاب السياسي وحشد القاعدة الانتخابية لا يكفيان وحدهما لحماية الحزب من تداعيات القرارات التي تمس حياة المواطنين. فالحرب التي تتناقض مع وعود تجنب الصراعات، وغلاء المعيشة، والدعم العسكري لإسرائيل، والخطاب المعادي للمسلمين الذي استُخدم في التعبئة السياسية، كلها ملفات أصبحت جزءًا من النقاش الذي رافق التصويت الأمريكي.
ضربتان انتخابيتان في مجلسي الكونغرس، ورسالة سياسية ثقيلة إلى البيت الأبيض: الناخبون لا يمنحون شيكًا على بياض، والوعود التي تُرفع في الحملات الانتخابية تعود لاحقًا لتُختبر أمام الواقع. أما ترامب، الذي بذل كل طاقته للحفاظ على الأغلبية الجمهورية، فقد وجد نفسه أمام خريطة سياسية جديدة، وخصوم يمتلكون الآن أدوات أقوى لمراقبة إدارته ومواجهة سياساته.
رئيسية 








الرئيسية



