Quantcast
2026 نوفمبر 2 - تم تعديله في [التاريخ]

ماذا بعد رحيل "المينورسو؟..


صحافي وطالب باحث في التاريخ المعاصر
صحافي وطالب باحث في التاريخ المعاصر
العلم الإلكترونية - بقلم هشام الدرايدي 
 
لا شك أن العديد من متتبعي تطورات ملف الصحراء المغربية يتساءلون بعد فشل دورة مجلس الأمن الأخيرة من تمرير أحد مشروعي القرار اللذان تقدما به كل من حامل القلم الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا، وأسقط كليهما بالـ"فيتو" لأول مرة في تاريخ هذا المجلس منذ 35 سنة، ونتج عن ذلك نهاية حقبة بعثة المينورسو، (يتساءلون) عن مآل هذا الملف. 
 
إن فهم حيثيات وتفاصيل مخرجات جلسة 30 أكتوبر 2026 وتداعياتها على ملف الصحراء المغربية والحكم الذاتي تحت السيادة المغربية يفتح الباب أمام قراءة متأنية للخطوات القادمة التي سيتخذها المغرب من أجل استكمال ترافعه في الأمم المتحدة لطي هذا الملف نهائيا، والذي دام لأزيد من نصف قرن.
 
لقد قطع المغرب أشواطا كبيرة جدا لإخراج هذا الملف من مجلس الأمن الذي تتحكم في قراراته خمس دول أعضاء دائمة، حيث نجح في إقناعها بأن حل النزاع المفتعل في الصحراء المغربية يكمن في الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، وقد جاء ذلك بعد أن فشلت مساعي الأمم المتحدة في إجراء استفتاء لتقرير مصير سكان الأقاليم الجنوبية منذ سنة 1991 إلى 2007، مما جعل الأطروحة المغربية في تدبير هذا الملف هي الأقرب للواقع لدى الدول الأعضاء، في حين ظلت القلة التي تشارك الجزائر مصالح استراتيجية، مثل روسيا والصين العضوين الدائمين بمجلس الأمن، تتشبث باستفتاء لم يتحقق ولن يتحقق. وبسبب ذلك، ظل الملف يطغى عليه الجمود، تحديدا بموجب تمديد بعثة المينورسو كل سنة طوال عقود، قبل أن يأتي القرار 2797 الذي صوت عليه مجلس الأمن في 30 أكتوبر 2025 بـ 11 صوتا فيما امتنتعت أربع دول عن التصويت ولم تستخدم أي دولة من الدول الخمس الدائمة في المجلس حق الفيتو لإسقاطه، فكان القرار محددا جديدا في قضية الصحراء المغربية، بحيث اعتبر أن الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الأوحد، وأسقط ضمنيا حل الاستفتاء الذي ظل متجاوزا، وعليه تم تجديد بقاء بعثة المينورسو إلى غاية 31 أكتوبر المنصرم إلى حين عقد دورة مجلس الأمن.
 
وفي جلسة مجلس الأمن الأخيرة التي عقدت في الثلاثين من الشهر الماضي، تقدم كل من الولايات المتحدة الأمريكية وروسيا هذه المرة بمشروعي قرار عكس ما كان يحدث في السابق، والجديد في المشروع الأمريكي هو التعديل الذي طرح حذف اختصاص البعثة الخاص بالاستفتاء وإزالة ما يتعلق به بعدما أصبح متجاوزا، الأمر الذي رفضته الجزائر ودفعت بحليفتها روسيا لمعارضته وتقديم مشروع قرار قديم يطاله الجمود، فعارضته أمريكا، وبالتالي فشل تمديد بعثة المينورسو، وأصبح القرار 2797 هو السند القانوني الدولي الأساسي، وبموجبه يظل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية هو الحل الأوحد، مع رحيل البعثة الأممية نهائيا عن الأقاليم الجنوبية.
 
إن هذا التطور والتغيير في الملف كان مدروسا مسبقا من الدبلوماسية المغربية، وقد نقل فعلا الملف من مرحلة "التدبير" التي ظلت لعقود إلى مرحلة "التغيير"، وجاء هذا الأمر كإشارة واضحة في خطاب جلالة الملك محمد السادس العام الماضي، لم تتضح معالمها إلا بعد "فيتو" روسيا. فبعد أن ظنت الخصوم أنها قادرة على عرقلة مسار المشروع الأمريكي وتأزيم الوضع بورقة الفيتو الروسي، نسوا أنهم يلعبون مع مملكة عمرت لأزيد من 12 قرنا، وتستطيع تحويل نقاط الضعف إلى قوة. فما كان من التحرك الروسي ضد الأطروحة التي يدعمها المغرب إلا أن شكل ضربة قصمت ظهر بعير الخصوم الجزائريين وقلبت عليهم الطاولة، فأصبح المغرب يحصد غلة ما زرعته الجزائر وروسيا، دون أن يمارس ضغطه أو يدخل في مفاوضات دبلوماسية مضنية مع الجانب الروسي، ولأن الحق يعلو ولا يعلى عليه، فقد نصر الخصوم حق المغرب دون أن يدركوا ذلك إلا بعد فوات الأوان، لينتهي بذلك مجلس كان يجتمع لمدة 35 سنة ويمدد في عرقلة حل هذه القضية، وهذا التحرك الذي لم يفاجئ المغرب قدم له فرصة تاريخية لإفلات زمام المبادرة من يد الفيتو، وتحديد وجهته الجديدة نحو اللجنة الرابعة.
 
وفي ظل هذه التحولات سينتقل الثقل الدبلوماسي للمملكة إلى محطة اللجنة الرابعة للجمعية العامة للأمم المتحدة والمعنية بالمسائل السياسية الخاصة وإنهاء الاستعمار، والتي تكتسي أهمية ومحدد فاصل لكونها الهيئة الأممية التي تدرج الأقاليم الجنوبية ضمن قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي والبالغ عددها سبعة عشر إقليما على مستوى العالم منذ سنة 1963. وعلى عكس مجلس الأمن الذي تتحكم في مخرجاته قرارات الدول الكبرى وحق الفيتو، تعتمد اللجنة الرابعة على مبدأ الاقتراع الديمقراطي للجمعية العامة حيث يتساوى صوت أقوى دولة مع أضعفها، مما يمنح الدبلوماسية المغربية أفقا واسعا للحسم النهائي.
 
ولعبور هذه المرحلة وتحقيق الهدف المنشود المتمثل في إخراج الأقاليم الجنوبية نهائياً من لائحة تصفية الاستعمار، ستعتمد الدبلوماسية المغربية على استراتيجية محكمة ومتعددة الأبعاد، أولا على الاستثمار في الأغلبية العددية والتأييد الدولي الواسع وشبكة التحالفات القوية والزخم الدولي غير المسبوق الذي راكمته المملكة على مدى السنوات الأخيرة، حيث يسيطر الطرح المغربي الداعم لمغربية الصحراء ومبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية على دعم الأغلبية الساحقة من الدول الأعضاء في الأمم المتحدة، مما يضمن تفوقا عدديا مريحا في عمليات التصويت داخل اللجنة الرابعة وفي الجلسات العامة للجمعية العامة.
 
وثانيا، سيوظف المغرب المكتسبات القانونية الصلبة وفي مقدمتها القرار الأممي 2797 الذي كرس مبادرة الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية باعتباره الأساس الوحيد والأوحد لحل النزاع المفتعل، إلى جانب التكريس الميداني لسيادة المملكة على أقاليمها، لدحض الأطروحات المتجاوزة وإثبات أن استمرار إدراج الإقليم في لائحة تصفية الاستعمار بات تناقضا صارخا مع الواقع التنموي والسياسي والديمقراطي الذي تعيشه الصحراء المغربية.
 
وثالثا، ستركز الدبلوماسية المغربية على نزع الشرعية عن جمهورية الوهم عبر فضح استمرار استغلال الخصوم للآليات القديمة للجنة الرابعة لتكريس الجمود، من خلال إبراز نجاح النموذج التنموي بالأقاليم الجنوبية وانخراط السكان المحليين بشكل كلي في التدبير المؤسساتي والديمقراطي لبلادهم عبر ممثليهم الشرعيين المنتخابين ديمقراطيا.
 
ورابعا وأخيرا، هيأ المغرب هذه المعركة مسبقا عبر بناء توافقات واسعة واتصالات دبلوماسية مكثفة مع المجموعات الإقليمية والقارية والدولية، استعدادا لتقديم مذكرات قانونية وسياسية دقيقة تطالب الجمعية العامة باستعادة اختصاصها لرفع الإقليم نهائيا من قائمة الأقاليم غير المتمتعة بالحكم الذاتي، باعتبار أن ممارسة السكان لحقهم في تقرير المصير قد تجسد فعليا ونهائيا في إطار السيادة الوطنية وطي صفحة الماضي.

 

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار