العلم - بقلم د. كمال أكوجكال
قال أحد أساتذتي مفسرا الفرق بين السبب والنتيجة إن النار هي السبب والدخان منها خريجا...
قال أحد أساتذتي مفسرا الفرق بين السبب والنتيجة إن النار هي السبب والدخان منها خريجا...
ينساب من بعض المنازل الريفية في الأيام العادية كما الماطرة خيط دخان... تطهو النسوة لكل من في البيت ما تيسر لأن زمن الوجبات قد حان...
في مطبخهن لا السيراميك ولا الرخام سيد للمكان... الدخان... نعم الدخان وحده يملأ المطبخ بكل عنفوان...
يرسم السواد على السقف والجدران ويقي البيت برمته من الحشرات والجردان،
يقفل للنسوة من أهالينا رغما عنهن الأجفان... خبزهن الحامي على اشتعال روث الأبقار لن يحترق، بل سيشبع ولعله يشفي الأسقام : آنية الطين تحول العجين المستدير لخبز من شعير...
طهي هذا الخبز ليس بالهين ولا يعرف فعلا كم أن الأمر عسير
إلا تلك النسوة المشمرات على الدوام على أكتافهن... تلك النسوة اللواتي لا يهم في عيونهن سوى راحة ورضا أفراد أسرهن.
عسل أو زيت زيتون وزبدة وحليب وخبز ساخن... المائدة تتحول إلى سقف كل المساكن، تقي من قر المداشر ومن حر شمسها لكل من فيها ساكن... تدعو المائدة إليها، فضلا عن الناس كل كائن...
قطط تحت المائدة وكلاب عند الباب، كلها كائنات تنظر وتنتظر رزقها... ينسكب الشاي في الأكواب التي يتطاير منها البخار كالدخان، ويفرد كل نبات مضاف إلى البراد عبيره ليضيف لمسة سحرية لجمال الوجود والمكان...
تلك من الأمور التي أضحت تاريخا دون عنوان... الدخان منبعث على الدوام، لكنه ليس نفس الدخان،
ذهبت تلك الحقب، ذهب عطر البخار والدخان... ذهب الأجداد وذهبت إلى غير عودة المداخن فوق البيوت الطينية...
ذهب الزيت كما ذهبت الزبدة الحقيقية... ذهبت الأكواب والبراد وذهبت الصينية...
غادرت الأهالي المداشر إلى المدن والمدائن، هاجرت كما هاجر الدخان مداخن تلك المساكن...
تلك البلدان الطينية أضحت أطلالا أو مساكن مهجورة... ولم نعد نراها إلا أثناء سفر أو في صورة...
غادرت تلك النسوة، بعضهن إلى دار البقاء، وبعضهن الآخر ولو لا زالت هنا ترفض بالماضي اللقاء...
تقلن إن الماضي أليم، لن يفهم تلك العبارة سوى مجرب أو حليم...
كنتم، كنتن وكنا جميعا لا نرى كل ذلك الجمال...
إلى أن صرنا نستجدى ذلك الماضي ولو تغيرت الأحوال...
الدخان الكثيف المنبعث من المصانع علا في السماء... نعم علا ووفر للناس جميعا بعض الأشياء...
لكنه حرمهم من أمور كثيرة ليست كالأشياء...
حرمهم من تجمع أفراد الأسرة حول المائدة...
حرمهم من رؤية ما في عسر الأمور من فائدة...
حرمهم من تفاصيل الحياة الجدية... حرمهم من كل ذلك، ثم جرفهم إلى بطن الجشع...
أغمض أعينهم وأكرمهم بعدم إمكانية رؤية فاحصة لشكلهم البشع...
إنه دخان آت من أدخنة جديدة... دخان احتراق الغازات... دخان منبعث من البنادق ودخان مخلفات الغارات... دخان منبعث من السيارات، دخان منبعث من النفاثات... دخان المتفجرات وما ينسف من العبوات...
دخان ينسي الناس أنفسهم، دخان يذهب بهم إلى أبعد من أهوالهم...
دخان كأن نافثه شيطان رجيم... دخان لن ينسيني أبدا ذلك الدخان الرحيم... دخان مداشرنا ودواويرنا المنسية... دخان الزمن القديم... دخان الأمس، دخان العيش المستديم.
رئيسية 








الرئيسية



