في ظل الثورة المعرفية المتسارعة، بات التعليم العالي والبحث العلمي في صلب معادلة التنمية، ليس فقط كرافعة اقتصادية واجتماعية، بل كمدخل حاسم للاندماج في سوق شغل أصبح رهيناً بالكفايات والمهارات.
في المغرب، عرف القطاع منذ مطلع الألفية تحولات لافتة، أبرزها الارتفاع الكبير في عدد الطلبة، الذي انتقل من حوالي 280 ألفاً سنة 2005 إلى ما يقارب 1.3 مليون طالب اليوم. غير أن هذا التوسع الكمي، الذي يتركز أساساً في مؤسسات الاستقطاب المفتوح بنسبة 71 في المائة، لم يواكبه تطور مماثل في الموارد البشرية والبنيات التحتية، إذ لا يتجاوز عدد الأساتذة الباحثين 19 ألفاً، مقابل نحو 8 آلاف إطار إداري وتقني.
هذا الاختلال ينعكس مباشرة على جودة التأطير البيداغوجي والخدمات الجامعية، ويطرح بإلحاح سؤال الحكامة كمدخل أساسي لتدبير الضغط المتزايد وتحسين مردودية المنظومة.
من الناحية القانونية، تخضع مؤسسات التعليم العالي لميثاق الحكامة الصادر سنة 2021، والذي يفرض اعتماد برامج سنوية للتسيير وأخرى متعددة السنوات للاستثمار، منسجمة مع الاستراتيجية الوطنية والخصوصيات الترابية. غير أن نجاح هذه الآليات يظل رهيناً بالمنهجية المعتمدة في إعدادها، حيث تؤكد التجارب أن المقاربات التشاركية التصاعدية، المنطلقة من الشعب والمؤسسات وصولاً إلى مجالس الجامعات، أكثر نجاعة من المقاربات المركزية.
ولا تقتصر الحكامة على إعادة هيكلة الأجهزة، بل تتطلب تفعيل الهيئات المنصوص عليها قانوناً، واستكمال الترسانة التنظيمية، إلى جانب ابتكار آليات تحفيزية تُشرك مختلف الفاعلين في بلورة وتنفيذ المشاريع الجامعية. فالتغيير الشكلي للهياكل، دون ترسيخ ثقافة التدبير المشترك، يبقى محدود الأثر.
وتبرز مقاربة التعاقد كأداة محورية لترسيخ ثقافة التقييم وربط المسؤولية بالمحاسبة، من خلال تحديد الأهداف والالتزامات بشكل واضح، وإخضاعها لتقييم دوري قائم على النتائج.
كما تشكل الشفافية والولوج إلى المعلومة ركيزتين أساسيتين في حكامة المرفق العمومي، بما يحد من مظاهر الفساد والمحسوبية، ويعزز الثقة في المؤسسات. وفي هذا الإطار، يظل تعميم الأنظمة الداخلية والمواثيق التنظيمية (الدكتوراه، الطالب، الأخلاقيات، استعمال الموارد الرقمية...)، إلى جانب دلائل المساطر الإدارية والبيداغوجية، خطوة ضرورية لضمان وضوح الإجراءات وحماية الحقوق.
وفي ما يتعلق بتدبير الموارد البشرية، يبرز دليل الوظائف والكفاءات كأداة استراتيجية للتخطيط الاستباقي، بما يسمح برصد الحاجيات الحقيقية وتصحيح اختلالات التوظيف، وتعزيز مبادئ الاستحقاق والنزاهة، فضلاً عن توجيه برامج التكوين وتقييم الأداء.
كما تفرض متطلبات الحكامة الحديثة تحيين منظومة التقييم وضمان الجودة، لتواكب الأدوار الجديدة للجامعة، وعلى رأسها قابلية تشغيل الخريجين، ودعم الابتكار وإحداث المقاولات الناشئة، والانخراط في التنمية الجهوية، وتنويع مصادر التمويل.
وفي هذا السياق، يشكل التحول الرقمي رافعة أساسية لتكريس الشفافية وتحسين الأداء، من خلال إحداث فضاءات رقمية تتيح تقاسم المعطيات وتبسيط المساطر وتعزيز التفاعل بين مختلف المتدخلين.
خلاصة القول، إن الارتقاء بحكامة مؤسسات التعليم العالي لا يتطلب بالضرورة موارد مالية ضخمة، بقدر ما يحتاج إلى إرادة سياسية ومؤسساتية قوية، قادرة على تفعيل القوانين، وتعزيز ثقافة المسؤولية والمحاسبة، وترسيخ مقومات التدبير الحديث داخل الجامعة المغربية.
رئيسية 








الرئيسية



