Quantcast
2026 أكتوبر 3 - تم تعديله في [التاريخ]

7 و8 أكتوبر في مجلس الأمن… الحكم الذاتي على الطاولة، فماذا بقي للتفاوض؟

حين ينتقل النقاش من البحث عن أرضية للحل إلى تفاصيل بنائه، تبدأ الأسئلة الأصعب: صلاحيات ومؤسسات وضمانات، ومستقبل بعثة أممية تواكب الملف منذ أكثر من ثلاثة عقود… حمراوي يقرأ رهانات محطة أكتوبر وما قد تفتحه أمام المغرب.


الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
بعد القرار 2797 لم يعد السؤال المغربي هو كيف نقنع العالم بجدية الحكم الذاتي فقط، بل كيف ننتقل إلى تفاصيله السياسية والمؤسساتية والقانونية… وأي «مينورسو» جديدة نريد لمواكبة مرحلة ما بعد إدارة النزاع؟

يدخل ملف الصحراء أسبوعًا دبلوماسيًا بالغ الأهمية، مع برمجة مجلس الأمن اجتماعين مغلقين يومي 7 و8 أكتوبر 2026، في الطريق نحو القرار المرتقب قبل انتهاء ولاية بعثة «المينورسو» في 31 أكتوبر. وتشير أجندة المجلس إلى مناقشة وضع البعثة والمسار السياسي، فيما يُنتظر أن يقدم كل من رئيس «المينورسو»، ألكسندر إيفانكو، والمبعوث الشخصي للأمين العام، ستافان دي ميستورا، إحاطتيهما حول التطورات الميدانية والسياسية.

لكن قراءة هذه المحطة بمنطق انتظار عبارة جديدة تنتصر لهذا الطرف أو ذاك فقط، قد تجعلنا نضيع السؤال الأهم الذي فرضه القرار 2797 منذ 31 أكتوبر 2025: ماذا يعني أن يدعو مجلس الأمن إلى مفاوضات تتخذ مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا لها؟ وماذا بقي بعد ذلك لكي يجلس الأطراف حول الطاولة ويتفاوضوا؟

هنا بالتحديد تبدأ المرحلة الأكثر دقة.

◊ المغرب لم يعد يطرح مجرد شعار… بل أرضية للتفاوض

القرار 2797 لم يعلن نهاية النزاع، ولم يحوّل مقترح الحكم الذاتي إلى اتفاق نهائي جاهز للتوقيع، وهذه حقيقة ينبغي قولها بوضوح، حتى لا نحول مكسبًا دبلوماسيًا مهمًا إلى قراءة متسرعة قد تسيء إليه.

لكن القرار أحدث، في المقابل، تحولًا واضحًا في لغة مجلس الأمن، إذ أعرب عن دعمه للمفاوضات التي تتخذ مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا للوصول إلى حل سياسي عادل ودائم ومقبول من الأطراف.

وهذا التحول مهم بالنسبة إلى الرباط، لأن المعركة الدبلوماسية المغربية طوال سنوات لم تكن من أجل ترديد عبارة «الحكم الذاتي» في البيانات فقط، وإنما من أجل جعل المبادرة التي قدمتها سنة 2007 جزءًا مركزيًا من المرجعية العملية لأي مفاوضات مستقبلية.

ومن هنا يصبح السؤال مختلفًا تمامًا: إذا كانت المفاوضات ستنطلق من الحكم الذاتي، فهل سيظل النقاش حول مبدأ الحكم الذاتي نفسه، أم سينتقل تدريجيًا إلى مضمون هذا الحكم الذاتي؟

◊ فماذا بقي إذن للتفاوض؟

بقي الكثير.

الحكم الذاتي ليس كلمتين توضعان في قرار أممي، وليس شعارًا دبلوماسيًا يصلح فقط للمؤتمرات الصحفية، بل مشروع سياسي ودستوري ومؤسساتي يحتاج، إذا بلغ مرحلة التسوية النهائية، إلى عشرات التفاصيل والضمانات والترتيبات.

يمكن أن يصبح النقاش يومًا حول صلاحيات الجهة: ماذا ستدبر مؤسسات الحكم الذاتي بشكل حصري؟ وما الذي سيبقى ضمن الاختصاصات السيادية للدولة؟

ويمكن أن يتعلق النقاش ببرلمان الجهة وحكومتها، وطريقة انتخابهما، ومسؤولياتهما، والعلاقة بينهما وبين المؤسسات الوطنية.

وسيُطرح كذلك ملف الموارد المالية والثروات والاستثمارات والضرائب والميزانية، لأن أي حكم ذاتي حقيقي يحتاج إلى مصادر تمويل واضحة، وإلى قواعد تحدد كيفية تدبير الموارد وتوزيعها.

كما سيبرز النقاش حول القضاء المحلي، والشرطة، والتدبير الإداري، والثقافة واللغة والتعليم والتنمية الاقتصادية والاجتماعية، والعلاقة بين مؤسسات الحكم الذاتي والمؤسسات المركزية.

وهناك أيضًا سؤال الضمانات: كيف يُحصَّن الاتفاق؟ وكيف يتحول من تفاهم سياسي إلى مقتضيات دستورية وقانونية ملزمة؟ وما الدور الذي يمكن أن تلعبه الأمم المتحدة في مواكبته وتنفيذه؟

إذن، عندما يقول المغرب إن الحكم الذاتي يمكن أن يكون أساس الحل، فهذا لا يعني أن التفاوض انتهى، بل يعني، من زاوية الموقف المغربي، أن موضوع التفاوض نفسه تغير.

◊ بين التفاوض على الحل والتفاوض داخل الحل

وهنا يكمن التحول الذي يستحق التركيز.

لسنوات طويلة، كان النزاع يدور حول سؤال: ما شكل الحل أصلًا؟

اليوم، يرى المغرب أن تطور مواقف دول عديدة ولغة القرار 2797 يدفعان نحو سؤال آخر: إذا كان الحكم الذاتي هو الأرضية التي ستُبنى عليها المناقشات، فما الشكل النهائي الذي سيأخذه؟

والفرق كبير بين الحالتين.

في الأولى، يبدأ كل طرف من مشروع مختلف جذريًا عن الآخر.

أما في الثانية، فيصبح من الممكن نظريًا أن ينتقل التفاوض إلى حدود الصلاحيات وعمقها وضماناتها وكيفية ممارستها.

وهذا بالتحديد ما ينبغي للدبلوماسية المغربية أن تستعد له سياسيًا وقانونيًا ومؤسساتيًا، لأن نجاح مبادرة الحكم الذاتي لا يُقاس فقط بعدد الدول التي تصفها بالجدية أو الواقعية، وإنما كذلك بقدرتها على الصمود أمام أسئلة التفاصيل الدقيقة، عندما توضع يومًا فوق طاولة المفاوضات.

◊ لا حاجة إلى إعلان الانتصار قبل انتهاء المباراة

لا يخدم المغرب أن تتحول اجتماعات 7 و8 أكتوبر إلى مناسبة للاحتفال المسبق بقرار لم يصدر بعد، ولا أن نقدم كل إشارة دبلوماسية على أنها نهاية النزاع.

القوة الحقيقية للموقف المغربي تكمن في شيء آخر: تراكم سياسي ودبلوماسي جعل مبادرة قُدمت سنة 2007 تنتقل من وثيقة مغربية إلى عنصر مركزي ومتكرر في النقاش الدولي حول التسوية.

لكن مجلس الأمن لا يزال يتحدث عن حل سياسي نهائي ودائم ومقبول من الأطراف، كما أن البوليساريو ما تزال تعلن تمسكها بتفسير مختلف لتقرير المصير وبخيار الاستقلال، أي إن الخلاف السياسي لم يختفِ.

وهذا ليس تفصيلًا ينبغي إخفاؤه، بل حقيقة تجعل السؤال المطروح أكثر أهمية: هل يستطيع المسار الأممي تحويل التقارب حول أرضية تفاوض إلى اتفاق؟

◊ والجزائر ليست بعيدة عن الطاولة

ولا يمكن قراءة الملف وكأنه مواجهة ثنائية معزولة عن محيطها الإقليمي.

فالعملية السياسية التي رعتها الأمم المتحدة خلال السنوات الأخيرة ضمت المغرب والبوليساريو والجزائر وموريتانيا، واستمرت تحركات دي ميستورا واتصالاته مع الأطراف خلال 2026.

ومن زاوية الرباط، تظل الجزائر فاعلًا أساسيًا في البيئة السياسية للنزاع، بينما تقدم الجزائر نفسها رسميًا باعتبارها دولة مجاورة، وليست طرفًا بالمعنى الذي يطرحه المغرب.

وهذه إحدى نقاط الخلاف التي ستظل حاضرة كلما اقتربت المفاوضات من القضايا الجوهرية.

◊ أي «مينورسو» جديدة نريد؟ من بعثة الاستفتاء إلى بعثة مواكبة الحل السياسي

قبل أن نسأل عن مستقبل «المينورسو»، ينبغي أن نتذكر أولًا لماذا أُحدثت هذه البعثة، لأن اسمها نفسه يحتفظ إلى اليوم بذاكرة المرحلة التي وُلدت فيها: بعثة الأمم المتحدة للاستفتاء في الصحراء الغربية.

فمجلس الأمن أنشأ المينورسو يوم 29 أبريل 1991 بموجب القرار 690، في إطار خطة التسوية التي كان المغرب والبوليساريو قد قبلاها آنذاك، وكان التصور الأممي يقوم على مرحلة انتقالية تنتهي بتنظيم استفتاء يختار فيه السكان، وفق الصيغة التي اعتمدتها الأمم المتحدة في ذلك الوقت، بين الاستقلال والاندماج مع المغرب.

ولم تكن البعثة مكلفة بالاستفتاء وحده، بل كانت مراقبة وقف إطلاق النار جزءًا من مهامها الأصلية أيضًا، إلى جانب ترتيبات أخرى مرتبطة بتنفيذ خطة التسوية.

ودخل وقف إطلاق النار حيز التنفيذ في 6 شتنبر 1991، وكان يُفترض، وفق الجدول الأولي للخطة الأممية، أن تنطلق المرحلة الانتقالية في اليوم نفسه، وأن يُجرى الاستفتاء في يناير 1992.

لكن ذلك لم يحدث، ودخلت العملية في خلافات طويلة، كان في مقدمتها تحديد من يحق له المشاركة في الاستفتاء، فتعثرت عملية تحديد الهوية، ولم تصل الخطة الأصلية إلى نهايتها المرسومة.

وهنا حدث التحول العملي الكبير في وظيفة المينورسو: الاستفتاء الذي تحمله في اسمها لم يُنظم، بينما استمرت البعثة على الأرض لعقود، وأصبحت مراقبة الوضع العسكري ووقف إطلاق النار وخفض التوتر أبرز وظائفها الميدانية.

وهذا التاريخ ليس مجرد استرجاع لما وقع قبل أكثر من ثلاثة عقود، بل هو مفتاح السؤال الذي ينبغي طرحه اليوم.

فإذا كانت المينورسو قد أُنشئت سنة 1991 لخدمة خطة سياسية محددة، ثم تغيرت المعطيات السياسية وتعطلت الخطة الأصلية، وبدأ مجلس الأمن اليوم يضع مقترح الحكم الذاتي المغربي في صلب المفاوضات، فمن المشروع أن نسأل:

هل يمكن أن تتغير أرضية الحل السياسي، بينما تبقى البعثة الأممية أسيرة الوظائف والتصورات التي وُضعت لها سنة 1991؟

وهل المطلوب فقط أن نمدد للمينورسو سنة بعد أخرى، أم أن الوقت قد حان لكي نناقش أي مينورسو نريد للمرحلة الجديدة؟

إذا دخل الملف فعلًا مرحلة تفاوض جدي حول الحكم الذاتي، فإن المغرب يحتاج، من وجهة نظر مصالحه ورؤيته للحل، إلى نقاش دولي حول بعثة تتلاءم مع طبيعة المرحلة الجديدة، بعثة يمكن أن تتحول وظائفها من إدارة آثار نزاع قديم إلى مواكبة تنفيذ تسوية سياسية جديدة.

قد يصبح المطلوب مستقبلًا، في حال التوصل إلى اتفاق، مواكبة عودة سكان المخيمات، ودعم إجراءات بناء الثقة والمصالحة، والمساعدة في ترتيبات نزع السلاح والتسريح وإعادة الإدماج، ومواكبة بعض ترتيبات الانتقال إلى المؤسسات الجديدة، فضلًا عن ضمان احترام ما يتم الاتفاق عليه بين الأطراف.

وهنا يصبح السؤال أكثر عمقًا:

إذا كان الحل السياسي يتغير، فلماذا لا تتغير معه وظيفة الأداة الأممية التي يُفترض أن تواكبه؟

المينورسو ليست غاية في ذاتها، وإنما أداة أنشأها مجلس الأمن لخدمة مسار سياسي معين، وحين تتغير طبيعة المسار، يصبح من المنطقي إعادة التفكير في وظيفة الأداة ومدتها وصلاحياتها، بدل التعامل مع تمديد ولايتها وكأنه إجراء أبدي منفصل عن تطور النزاع.

فالمغرب لا يحتاج إلى «مينورسو» جديدة بالاسم بالضرورة، وإنما إلى وظيفة أممية جديدة تتناسب مع ما بعد الاتفاق، بدل البقاء أسيرة ما قبل الاتفاق.

وهنا تكمن المفارقة التي ينبغي لمجلس الأمن أن يجيب عنها: بعثة تحمل منذ 1991 كلمة «الاستفتاء» في اسمها، بينما تحولت العملية السياسية بعد أكثر من ثلاثة عقود إلى البحث عن تسوية سياسية تفاوضية، وأصبح الحكم الذاتي المغربي يحتل موقعًا متقدمًا داخل هذه العملية.

لذلك، فإن السؤال الذي ينبغي أن يرافق اجتماعات أكتوبر ليس فقط: هل سيجدد مجلس الأمن ولاية المينورسو؟

بل: لماذا يجددها؟ وبأي وظيفة؟ ولأي مرحلة؟

وإذا كان المجتمع الدولي يريد فعلًا الانتقال من إدارة النزاع إلى بناء الحل، فإن الأمر قد يحتاج في النهاية إلى الانتقال أيضًا من مينورسو وُلدت مع خطة 1991 إلى حضور أممي مصمم لمواكبة التسوية التي قد تولد في زمن مختلف، وبمرجعية سياسية مختلفة.

◊ 7 و8 أكتوبر… لا تبحثوا فقط عما سيقال، بل عما تغير

لهذا، لا ينبغي أن نقرأ اجتماعي 7 و8 أكتوبر فقط بحثًا عن كلمة «المغرب» أو «الحكم الذاتي»، أو عن صياغة يمكن تحويلها فورًا إلى عنوان منتصر أو مهزوم.

السؤال الأعمق هو: أين أصبح مركز النقاش داخل مجلس الأمن؟

إذا استمرت المرجعية التي أرساها القرار 2797، فإن الرباط ستكون أمام تحدٍّ جديد يختلف عن تحديات السنوات الماضية.

لقد كان المطلوب سابقًا توسيع الاعتراف الدولي بجدية المبادرة المغربية.

أما المرحلة المقبلة، إذا تطور المسار فعلًا نحو مفاوضات جوهرية، فقد تتطلب الانتقال من الدفاع عن عنوان الحكم الذاتي إلى هندسة الحكم الذاتي نفسه: صلاحيات محددة، مؤسسات واضحة، موارد مضمونة، تمثيلية ديمقراطية، ضمانات دستورية، وعلاقة مضبوطة بين الجهة والدولة.

وبالتوازي مع ذلك، سيكون من المشروع طرح سؤال ثانٍ لا يقل أهمية:

إذا تغيرت طبيعة الحل، فلماذا لا تتغير طبيعة المينورسو أيضًا؟

وهنا يبدأ الامتحان الحقيقي.

فأقوى المبادرات السياسية ليست تلك التي تربح معركة الكلمات داخل البيانات الدولية فقط، وإنما تلك التي تستطيع أن تتحول، حين تأتي ساعة التفاوض، من فكرة سياسية إلى نظام قابل للحياة والتنفيذ والاستمرار.

ولهذا، فإن 7 و8 أكتوبر ليسا نهاية الطريق.

قد يكونان محطة أخرى في انتقال ملف الصحراء من سنوات طويلة من إدارة النزاع إلى السؤالين اللذين سيحددان المرحلة المقبلة:

إذا أصبح الحكم الذاتي على طاولة المفاوضات، فما تفاصيله التي سيُتفاوض بشأنها؟

وإذا دخل الملف مرحلة جديدة، فأي «مينورسو» جديدة نريد لمواكبتها؟

الملف المغربي على طاولة النقاش الأممي
الملف المغربي على طاولة النقاش الأممي

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار