العلم - بقلم ياسين هواري
تقدم مسرحية «المصعد»، من تأليف الزبير هلال وإخراج أمين ناسور، وضعية درامية بسيطة في ظاهرها، لكنها قابلة لتوليد أسئلة مركبة حول المسؤولية والذنب والانتقام والقدر. أربع شخصيات تجد نفسها عالقة داخل مصعد في إحدى العمارات التي تضم عيادات للأطباء، بعد أن تتوقف الآلة عن العمل. ومن هذه الحادثة اليومية تنفتح تدريجيا طبقات الحكاية، إلى أن يتضح أن العطل لم يكن مجرد خلل تقني، بل جزءا من خطة مدبرة للانتقام من طبيب يحمل مسؤولية مأساة قديمة. تقوم المسرحية بذلك على مفارقة أساسية: توقف الحركة الخارجية يقابله تصاعد في الحركة الداخلية للشخصيات. فكلما تعذر الوصول إلى الطابق المقصود، اقتربت الشخصيات من مناطق أكثر حساسية في ذاكرتها. ويصبح الزمن الذي يفترض أن يكون عابرا داخل المصعد زمنا للكشف والمواجهة. من هنا تتأسس البنية الدرامية على انتقال تدريجي من الحادثة إلى السؤال، ومن الموقف الكوميدي إلى المأساة، ومن الهوية الاجتماعية إلى المسؤولية الفردية.
1- المصعد: من الوظيفة العملية إلى الوظيفة الدرامية
يتميز المصعد في الحياة اليومية بكونه مكانا انتقاليا لا يقصده الإنسان لذاته، وإنما يستعمله للوصول إلى مكان آخر. غير أن المسرحية تلغي هذه الوظيفة بمجرد توقفه، فتحول الوسيلة إلى غاية، والمرور إلى إقامة قسرية. هذه النقلة تمنح المكان قيمة درامية خاصة؛ إذ لم يعد المصعد مجرد ديكور يمثل موقع الأحداث، بل أصبح الآلية التي تسمح للأحداث نفسها بأن تتطور. فلو استمر في حركته الطبيعية لما اجتمعت الشخصيات في هذا الشكل، ولما نشأت تلك المواجهة، ولما انكشفت العلاقة بين الطبيب والزائر. والأهم أن الشخصيات الأربع لا تدخل المكان وهي تحمل القيمة نفسها. لكل واحدة منها وظيفة وموقع اجتماعي مختلف، لكن المصعد يضعها أمام وضع مشترك لا يمكن لأي منها التحكم فيه. الطبيب يفقد امتياز موقعه المهني، والممثل يفقد المسافة التي تتيح له مراقبة العالم من الخارج، وعامل التوصيل يتوقف عن أداء مهمته، بينما يجد الزائر نفسه أمام الشخص الذي جاء لمواجهته. إن المكان هنا لا يلغي الاختلاف بين الشخصيات، لكنه يعيد ترتيب العلاقات بينها. فالمكان الذي كان يفترض أن يكون محايدا يصبح طرفا فاعلا في الصراع.
2- الشخصيات بين المهنة والمسؤولية
تتأسس قوة الشخصيات على المفارقة بين الصورة التي تقدمها المهنة وبين حقيقة الإنسان الذي يقف خلفها. يظهر الطبيب بوصفه صاحب سلطة مهنية يفترض أن تكون مرتبطة بالرعاية والحماية والحفاظ على الحياة. لكن ماضيه يكشف عن إخفاق خطير في ممارسة هذه المسؤولية. فقد وافق على توليد زوجة الزائر وهو في حالة سكر، لتنتهي العملية بموتها وموت الجنين. لا تقدم هذه الحادثة بوصفها مجرد خلفية للحكاية، وإنما باعتبارها النقطة التي يتولد منها الصراع الأخلاقي كله. فالخطأ المهني تحول إلى مأساة عائلية، والمأساة تحولت إلى رغبة في الانتقام. أما الزائر، فيمثل الوجه الآخر لهذه المعادلة. فقد بدأ باعتباره شخصا فقد زوجته وجنينه، لكنه لا يظل في موقع الضحية؛ إذ يتحول إلى فاعل يخطط للقصاص من المسؤول عن مأساته. وبذلك تضع المسرحية شخصيتين أمام سؤال واحد من موقعين متعارضين: أين تنتهي المسؤولية ويبدأ الانتقام؟ فالطبيب مطالب بمواجهة نتائج فعله، والزائر مطالب بمواجهة نتائج اختياره. وبين الاثنين تظل العدالة سؤالا مفتوحا، لا نتيجة محسومة.
3- الصدفة بوصفها قوة درامية
وجود عامل التوصيل والممثل الشاب يوسع دائرة المأساة. فالشخصيتان لم تدخلا المصعد بهدف المشاركة في المواجهة، وإنما قادتهما المصادفة إلى المكان واللحظة نفسيهما. وتكمن أهمية هذا المعطى في أن المسرحية لا تجعل العواقب مقتصرة على أطراف الصراع الأصلي. فعندما يتحول الانتقام إلى فعل، يصبح الآخرون معرضين لأن يدفعوا ثمن نزاع لم يكونوا طرفا فيه. عامل التوصيل يأتي لأداء مهمة مهنية محددة، ولذلك يصبح توقف المصعد تعطيلا مباشرا لمساره اليومي. أما الممثل الشاب، فيدخل العمارة الخطأ، فتقوده مصادفة بسيطة إلى قلب أزمة لم يكن يعرف عنها شيئا. وتحمل شخصية الممثل مفارقة إضافية؛ فهو شخص يبحث عن فرصة في مجال التمثيل، لكنه يجد نفسه داخل وضع لا يستطيع فيه تمثيل شيء. هنا يصبح عليه أن يتعامل مع ذاته بوصفها جزءا من الموقف، لا مع شخصية يؤديها أمام الآخرين. ومن خلال هاتين الشخصيتين، تتجاوز المسرحية الصراع بين الطبيب والزائر لتطرح سؤالا أوسع حول هشاشة الإنسان أمام الصدفة، وحول إمكانية أن يجد الفرد نفسه فجأة داخل نتائج أفعال لم يرتكبها.
4- الكوميديا السوداء: حين يجاور المضحك المأساوي
لا تنشأ الكوميديا في «المصعد» من طبيعة الأحداث وحدها، وإنما من الطريقة التي توضع بها الشخصيات داخل موقف بالغ التناقض. فالموت حاضر في خلفية الحكاية، والانتقام يتشكل تدريجيا، لكن تفاصيل الاحتجاز اليومية تنتج مواقف ساخرة تجعل المتلقي يتأرجح بين الضحك والقلق. ويكتسب هذا الجانب بعدا جسديا واضحا من خلال الأوزان الجسدية المرتفعة للشخصيات الأربع. فالعرض يضع أربعة أجساد ثقيلة من الناحية الفيزيائية داخل حيز محدود، وهو ما يؤثر في الحركة وتوزيع الأجساد والمسافات بينها. تصبح محاولة تغيير الوضعية أو التحرك داخل المصعد جزءا من الفعل المسرحي، وليس مجرد حركة عابرة. والأهم أن هذا الاستخدام لا ينبغي فهمه باعتباره سخرية من أجساد الممثلين، بل بوصفه توظيفا للكتلة والوزن في بناء الموقف. فالجسد هنا يمتلك حضورا ماديا واضحا، والمكان لا يوفر له مساحة كافية، فتتولد من هذا التعارض طاقة تجمع بين الحرج والضحك والتوتر. وهنا يكتسب مفهوم «الثقل» قيمة مزدوجة: هناك ثقل جسدي محسوس، وثقل آخر تحمله الشخصيات في شكل ذنب وذاكرة وفقدان. غير أن المسرحية لا تساوي بينهما، بل تستثمر التقاطع بينهما لتمنح الكوميديا السوداء بعدا بصريا ودراميا.
5- سارتر: الآخر أم الماضي هو الجحيم؟
يحيل الوضع المغلق في المسرحية إلى أفق فلسفي قريب من عالم جان بول سارتر، وخصوصا في «جلسة مغلقة» (Huis Clos)، حيث يتحول الاحتجاز مع الآخرين إلى تجربة قاسية للمواجهة. لكن استدعاء سارتر هنا لا ينبغي أن يتحول إلى مطابقة بين العملين. فالشخصيات في «المصعد» لا تعاني فقط من وجود الآخرين، وإنما من الماضي الذي تحمله معها. الآخر يصبح مرآة تكشف ما تحاول الشخصية إخفاءه، لكنه ليس بالضرورة مصدر العذاب الوحيد. الطبيب يعاني من فعل سابق، والزائر من فقدان لا يستطيع تجاوزه، بينما يجد الأبرياء أنفسهم أمام نتائج صراع لم يشاركوا في صنعه. ومن ثم يمكن أن يتحول السؤال السارتري من «هل الآخر هو الجحيم؟» إلى سؤال أكثر ملاءمة للمسرحية: هل الجحيم في الآخر، أم في الحقيقة التي يجبرنا الآخر على مواجهتها؟
6- بيكيت ومنطق الانتظار
يظهر أثر صمويل بيكيت في بنية الانتظار التي تحكم تجربة الشخصيات. فالباب مغلق، والمساعدة المنتظرة لا تأتي في الوقت المتوقع، والزمن يبدو وكأنه فقد انتظامه المعتاد. غير أن الانتظار في المسرحية ليس مجرد انتظار للخروج. إنه انتظار لانتهاء الأزمة، وظهور الحقيقة، واتخاذ القرار، وربما تحقق العدالة. ومن هنا تبرز أهمية السؤال: ماذا تنتظر الشخصيات؟ إنها تنتظر شيئا يتجاوز فتح باب المصعد. فالخلاص المادي لا يحل بالضرورة المشكلة الأخلاقية. يمكن للباب أن يفتح، لكن الماضي سيظل مفتوحا بدوره. وتتعزز هذه الإحالة من خلال حضور شجرة بيكيت في الصورة المعروضة فوق المصعد، بما تحمله من ذاكرة بصرية مرتبطة بالانتظار والفراغ وتعليق الفعل.
7- التفاحة: من الخطيئة إلى الجاذبية
تعد التفاحة من أكثر العلامات كثافة في العرض، لأنها تسمح بربط مستويات مختلفة من الحكاية في صورة واحدة. على المستوى الديني والثقافي، تستدعي تفاحة آدم وما يرتبط بها من الخطيئة والسقوط. وعلى المستوى العلمي، تستدعي تفاحة نيوتن وقانون الجاذبية. وعلى المستوى الحكائي، ترتبط بزوجة الزائر، التي كانت تتمنى أكل تفاحة قبل موتها. هكذا تتحول التفاحة إلى علامة تتقاطع فيها ثلاثة معان: الخطيئة، والجاذبية، والموت. ومن خلال ارتباطها بالجاذبية، تتصل التفاحة مباشرة بعالم المصعد. فالمكان نفسه قائم على الحركة العمودية، على الصعود والنزول، وعلى علاقة الجسد بالوزن والجاذبية. أما رغبة الزوجة في أكل التفاحة، فتحولها إلى أثر من آثار الحياة التي انقطعت قبل اكتمالها. إنها رغبة بسيطة بقيت معلقة في الذاكرة، وتحولت بالنسبة إلى الزوج إلى جزء من جرحه. لذلك لا تكون التفاحة مجرد إكسسوار بصري أو تفصيلا حكائيا، وإنما علامة تختصر مأساة كاملة: حياة، ورغبة لم تتحقق، وخطيئة، وسقوط، وانتقام.
8- السينوغرافيا والمابينغ وبناء الدلالة البصرية
تؤدي السينوغرافيا وظيفة هندسية ودلالية أساسية في بناء العالم الدرامي للمسرحية. فالمصعد الموضوع في مركز الخشبة يفرض شكلا هندسيا محددا للرؤية، بينما تتكفل الشاشات المحيطة بتوسيع الفضاء وإخراج الخلل الميكانيكي وأرقام الطوابق من أفق الحوار إلى لغة بصرية مرئية تحاكي العطب الإنساني الداخلي. وفي هذا السياق، يبرز تقنية "المابينغ" (Mapping) بوصفها المحرك الإخراجي لأنساق الرموز، حيث تمنح الدلالات امتدادا يكسر واقعية الاحتجاز:
القناع الاجتماعي ولعبة الأزرار: يتعمق استدعاء لوحة رينيه ماغريت «ابن الإنسان» عبر الإسقاط البصري لفك الأقنعة الاجتماعية. فكما تحجب التفاحة وجه الشخصية في اللوحة، تسقط التقنية هذا المعنى على الهويات الجاهزة للشخصيات (الطبيب، الممثل، عامل التوصيل، والزائر)؛ حيث تتحول أزرار المصعد الجانبية إلى تجسيد بصري لسؤال الحرية والقدر (Choix et Conséquence)، إذ تؤدي كل ضغطة زر إلى تفعيل استجابة درامية تجبر الشخصيات على التعري من أقنعتها الحرفية والإنسانية.
تأويلات التفاحة وألوان الذنب: يمنح المابينغ رمزية "التفاحة" أبعادا متغيرة تتلون بتنوع ذنوب الشخصيات؛ فتارة تظهر تفاحة خضراء مستوحاة من السريالية مع الطربوش عند شخصية الممثل، وتارة تظهر تفاحة رمادية خاوية تعبر عن التنصل والخواء الروحي للطبيب، بينما تتشكل بؤريا كعلة لمرض الزوجة الراحلة والدافع الانتقامي للزائر.
شعرية العبث البايكيتي: تتكامل الإضاءة مع المابينغ لتجسيد العالم البايكيتي؛ إذ تتضاعف شخصية رجل القبعة بظهور ثنائي يرمز لشخصيتي "فلاديمير" و"إستراغون"، بينما تعكس الشجرة اليابسة المعروضة إشارات بصرية دقيقة تتمثل في قبعتين تحملان الحرفين (V) و(E)، محولة انتظار الخروج إلى مجاز عبثي مفتوح.
هجاء القسم الطبي والعالم البرزخي: يصل التوظيف البصري أوج كثافته بتفكيك الشعار الطبي؛ حيث يعاد رسم عصا أسكليبيوس والأفعى بأسلوب نقد هجائي تظهر فيه الأفعى وهي تعض التفاحة، في إحالة بصرية للتقصير والإهمال الطبي الناتج عن السكر. وتختتم هذه الدلالة السينوغرافية بتشييد عالم برزخي ناصع عبر المؤثرات البصرية، تعيش فيه الزوجة الضحية وسط جنان من التفاح، لتتحول التفاحة سينوغرافيا من قناع للهوية الخاطئة ورمز للذنب إلى فضاء افتراضي يمنح الخلاص.
9- من المواجهة إلى المكاشفة
تتحرك المسرحية في نهايتها من كشف الوقائع إلى اختبار المواقف. فالمهم ليس فقط أن يعرف المتلقي ما حدث في الماضي، وإنما أن يرى كيف تتعامل الشخصيات مع ما عرفته. وهنا يتجاوز الاعتراف وظيفته المعلوماتية. إنه لحظة يصبح فيها الماضي حاضرا داخل العلاقة بين الشخصيات. الطبيب لا يستطيع الاستمرار في الاحتماء بمهنته، والزائر لا يستطيع الاستمرار في تقديم نفسه بوصفه ضحية فقط. وحتى الشخصيات التي لم تكن طرفا في المأساة تصبح مطالبة باتخاذ موقف مما يحدث أمامها. إن المكاشفة، بهذا المعنى، لا تعني الوصول إلى حقيقة واحدة بقدر ما تعني إزالة المسافة بين الشخصية وما فعلته. وهذا ما يمنح المواجهة قيمتها الأخلاقية.
تقوم مسرحية «المصعد» على بناء درامي يحول حادثة بسيطة إلى مساءلة واسعة للإنسان ومسؤوليته. فالخلل التقني ليس سوى نقطة الانطلاق، بينما تتكشف وراءه أزمة في المهنة، وفي العلاقة بالآخر، وفي طريقة التعامل مع الفقدان والذنب والعدالة.
وقد ساعد الفضاء المغلق على تكثيف هذا الصراع، في حين منحت الكوميديا السوداء للموقف قدرة على الجمع بين الضحك والقلق. كما أضاف الوزن الجسدي المرتفع للشخصيات الأربع بعدا أدائيا واضحا، إذ أصبحت الكتلة الجسدية جزءا من بناء الحركة والمفارقة، من دون أن تتحول إلى موضوع للسخرية من الأجساد.
أما التفاحة، فقد شكلت أحد أهم المفاتيح الرمزية للعمل، لأنها جمعت بين الخطيئة والجاذبية والموت والرغبة غير المكتملة. بينما أسهمت السينوغرافيا والمابينغ في تحويل هذه الدلالات إلى صور مرئية، خصوصا من خلال استدعاء عالم بيكيت ولوحة ماغريت.
وعلى المستوى الفلسفي، يظل السؤال الأعمق الذي تطرحه المسرحية مرتبطا بمسؤولية الإنسان عن أفعاله وعن الطريقة التي يختار بها مواجهة نتائجها. فالمشكلة ليست في أن المصعد توقف، وإنما في أن التوقف أتاح ظهور ما كان مخفيا.
لذلك يمكن اعتبار «المصعد» مسرحا للمواجهة أكثر منه مسرحا للاحتجاز؛ إذ إن إغلاق الباب لا يغلق الحكاية، بل يفتحها على أسئلة الذنب والعدالة والانتقام والقدر.
وفي النهاية، لا يصبح المصعد مجرد آلة تعطلت، وإنما صورة مكثفة للإنسان حين يجد نفسه عاجزا عن مواصلة الطريق بالطريقة التي اعتادها، ومضطرا إلى النظر إلى ما يحمله معه قبل أن يستطيع مواصلة الحركة. إن عطب المصعد لا يكشف خللا في الآلة فقط، بل يكشف ما يحدث حين يتعطل الإنسان أمام ماضيه.
تقدم مسرحية «المصعد»، من تأليف الزبير هلال وإخراج أمين ناسور، وضعية درامية بسيطة في ظاهرها، لكنها قابلة لتوليد أسئلة مركبة حول المسؤولية والذنب والانتقام والقدر. أربع شخصيات تجد نفسها عالقة داخل مصعد في إحدى العمارات التي تضم عيادات للأطباء، بعد أن تتوقف الآلة عن العمل. ومن هذه الحادثة اليومية تنفتح تدريجيا طبقات الحكاية، إلى أن يتضح أن العطل لم يكن مجرد خلل تقني، بل جزءا من خطة مدبرة للانتقام من طبيب يحمل مسؤولية مأساة قديمة. تقوم المسرحية بذلك على مفارقة أساسية: توقف الحركة الخارجية يقابله تصاعد في الحركة الداخلية للشخصيات. فكلما تعذر الوصول إلى الطابق المقصود، اقتربت الشخصيات من مناطق أكثر حساسية في ذاكرتها. ويصبح الزمن الذي يفترض أن يكون عابرا داخل المصعد زمنا للكشف والمواجهة. من هنا تتأسس البنية الدرامية على انتقال تدريجي من الحادثة إلى السؤال، ومن الموقف الكوميدي إلى المأساة، ومن الهوية الاجتماعية إلى المسؤولية الفردية.
1- المصعد: من الوظيفة العملية إلى الوظيفة الدرامية
يتميز المصعد في الحياة اليومية بكونه مكانا انتقاليا لا يقصده الإنسان لذاته، وإنما يستعمله للوصول إلى مكان آخر. غير أن المسرحية تلغي هذه الوظيفة بمجرد توقفه، فتحول الوسيلة إلى غاية، والمرور إلى إقامة قسرية. هذه النقلة تمنح المكان قيمة درامية خاصة؛ إذ لم يعد المصعد مجرد ديكور يمثل موقع الأحداث، بل أصبح الآلية التي تسمح للأحداث نفسها بأن تتطور. فلو استمر في حركته الطبيعية لما اجتمعت الشخصيات في هذا الشكل، ولما نشأت تلك المواجهة، ولما انكشفت العلاقة بين الطبيب والزائر. والأهم أن الشخصيات الأربع لا تدخل المكان وهي تحمل القيمة نفسها. لكل واحدة منها وظيفة وموقع اجتماعي مختلف، لكن المصعد يضعها أمام وضع مشترك لا يمكن لأي منها التحكم فيه. الطبيب يفقد امتياز موقعه المهني، والممثل يفقد المسافة التي تتيح له مراقبة العالم من الخارج، وعامل التوصيل يتوقف عن أداء مهمته، بينما يجد الزائر نفسه أمام الشخص الذي جاء لمواجهته. إن المكان هنا لا يلغي الاختلاف بين الشخصيات، لكنه يعيد ترتيب العلاقات بينها. فالمكان الذي كان يفترض أن يكون محايدا يصبح طرفا فاعلا في الصراع.
2- الشخصيات بين المهنة والمسؤولية
تتأسس قوة الشخصيات على المفارقة بين الصورة التي تقدمها المهنة وبين حقيقة الإنسان الذي يقف خلفها. يظهر الطبيب بوصفه صاحب سلطة مهنية يفترض أن تكون مرتبطة بالرعاية والحماية والحفاظ على الحياة. لكن ماضيه يكشف عن إخفاق خطير في ممارسة هذه المسؤولية. فقد وافق على توليد زوجة الزائر وهو في حالة سكر، لتنتهي العملية بموتها وموت الجنين. لا تقدم هذه الحادثة بوصفها مجرد خلفية للحكاية، وإنما باعتبارها النقطة التي يتولد منها الصراع الأخلاقي كله. فالخطأ المهني تحول إلى مأساة عائلية، والمأساة تحولت إلى رغبة في الانتقام. أما الزائر، فيمثل الوجه الآخر لهذه المعادلة. فقد بدأ باعتباره شخصا فقد زوجته وجنينه، لكنه لا يظل في موقع الضحية؛ إذ يتحول إلى فاعل يخطط للقصاص من المسؤول عن مأساته. وبذلك تضع المسرحية شخصيتين أمام سؤال واحد من موقعين متعارضين: أين تنتهي المسؤولية ويبدأ الانتقام؟ فالطبيب مطالب بمواجهة نتائج فعله، والزائر مطالب بمواجهة نتائج اختياره. وبين الاثنين تظل العدالة سؤالا مفتوحا، لا نتيجة محسومة.
3- الصدفة بوصفها قوة درامية
وجود عامل التوصيل والممثل الشاب يوسع دائرة المأساة. فالشخصيتان لم تدخلا المصعد بهدف المشاركة في المواجهة، وإنما قادتهما المصادفة إلى المكان واللحظة نفسيهما. وتكمن أهمية هذا المعطى في أن المسرحية لا تجعل العواقب مقتصرة على أطراف الصراع الأصلي. فعندما يتحول الانتقام إلى فعل، يصبح الآخرون معرضين لأن يدفعوا ثمن نزاع لم يكونوا طرفا فيه. عامل التوصيل يأتي لأداء مهمة مهنية محددة، ولذلك يصبح توقف المصعد تعطيلا مباشرا لمساره اليومي. أما الممثل الشاب، فيدخل العمارة الخطأ، فتقوده مصادفة بسيطة إلى قلب أزمة لم يكن يعرف عنها شيئا. وتحمل شخصية الممثل مفارقة إضافية؛ فهو شخص يبحث عن فرصة في مجال التمثيل، لكنه يجد نفسه داخل وضع لا يستطيع فيه تمثيل شيء. هنا يصبح عليه أن يتعامل مع ذاته بوصفها جزءا من الموقف، لا مع شخصية يؤديها أمام الآخرين. ومن خلال هاتين الشخصيتين، تتجاوز المسرحية الصراع بين الطبيب والزائر لتطرح سؤالا أوسع حول هشاشة الإنسان أمام الصدفة، وحول إمكانية أن يجد الفرد نفسه فجأة داخل نتائج أفعال لم يرتكبها.
4- الكوميديا السوداء: حين يجاور المضحك المأساوي
لا تنشأ الكوميديا في «المصعد» من طبيعة الأحداث وحدها، وإنما من الطريقة التي توضع بها الشخصيات داخل موقف بالغ التناقض. فالموت حاضر في خلفية الحكاية، والانتقام يتشكل تدريجيا، لكن تفاصيل الاحتجاز اليومية تنتج مواقف ساخرة تجعل المتلقي يتأرجح بين الضحك والقلق. ويكتسب هذا الجانب بعدا جسديا واضحا من خلال الأوزان الجسدية المرتفعة للشخصيات الأربع. فالعرض يضع أربعة أجساد ثقيلة من الناحية الفيزيائية داخل حيز محدود، وهو ما يؤثر في الحركة وتوزيع الأجساد والمسافات بينها. تصبح محاولة تغيير الوضعية أو التحرك داخل المصعد جزءا من الفعل المسرحي، وليس مجرد حركة عابرة. والأهم أن هذا الاستخدام لا ينبغي فهمه باعتباره سخرية من أجساد الممثلين، بل بوصفه توظيفا للكتلة والوزن في بناء الموقف. فالجسد هنا يمتلك حضورا ماديا واضحا، والمكان لا يوفر له مساحة كافية، فتتولد من هذا التعارض طاقة تجمع بين الحرج والضحك والتوتر. وهنا يكتسب مفهوم «الثقل» قيمة مزدوجة: هناك ثقل جسدي محسوس، وثقل آخر تحمله الشخصيات في شكل ذنب وذاكرة وفقدان. غير أن المسرحية لا تساوي بينهما، بل تستثمر التقاطع بينهما لتمنح الكوميديا السوداء بعدا بصريا ودراميا.
5- سارتر: الآخر أم الماضي هو الجحيم؟
يحيل الوضع المغلق في المسرحية إلى أفق فلسفي قريب من عالم جان بول سارتر، وخصوصا في «جلسة مغلقة» (Huis Clos)، حيث يتحول الاحتجاز مع الآخرين إلى تجربة قاسية للمواجهة. لكن استدعاء سارتر هنا لا ينبغي أن يتحول إلى مطابقة بين العملين. فالشخصيات في «المصعد» لا تعاني فقط من وجود الآخرين، وإنما من الماضي الذي تحمله معها. الآخر يصبح مرآة تكشف ما تحاول الشخصية إخفاءه، لكنه ليس بالضرورة مصدر العذاب الوحيد. الطبيب يعاني من فعل سابق، والزائر من فقدان لا يستطيع تجاوزه، بينما يجد الأبرياء أنفسهم أمام نتائج صراع لم يشاركوا في صنعه. ومن ثم يمكن أن يتحول السؤال السارتري من «هل الآخر هو الجحيم؟» إلى سؤال أكثر ملاءمة للمسرحية: هل الجحيم في الآخر، أم في الحقيقة التي يجبرنا الآخر على مواجهتها؟
6- بيكيت ومنطق الانتظار
يظهر أثر صمويل بيكيت في بنية الانتظار التي تحكم تجربة الشخصيات. فالباب مغلق، والمساعدة المنتظرة لا تأتي في الوقت المتوقع، والزمن يبدو وكأنه فقد انتظامه المعتاد. غير أن الانتظار في المسرحية ليس مجرد انتظار للخروج. إنه انتظار لانتهاء الأزمة، وظهور الحقيقة، واتخاذ القرار، وربما تحقق العدالة. ومن هنا تبرز أهمية السؤال: ماذا تنتظر الشخصيات؟ إنها تنتظر شيئا يتجاوز فتح باب المصعد. فالخلاص المادي لا يحل بالضرورة المشكلة الأخلاقية. يمكن للباب أن يفتح، لكن الماضي سيظل مفتوحا بدوره. وتتعزز هذه الإحالة من خلال حضور شجرة بيكيت في الصورة المعروضة فوق المصعد، بما تحمله من ذاكرة بصرية مرتبطة بالانتظار والفراغ وتعليق الفعل.
7- التفاحة: من الخطيئة إلى الجاذبية
تعد التفاحة من أكثر العلامات كثافة في العرض، لأنها تسمح بربط مستويات مختلفة من الحكاية في صورة واحدة. على المستوى الديني والثقافي، تستدعي تفاحة آدم وما يرتبط بها من الخطيئة والسقوط. وعلى المستوى العلمي، تستدعي تفاحة نيوتن وقانون الجاذبية. وعلى المستوى الحكائي، ترتبط بزوجة الزائر، التي كانت تتمنى أكل تفاحة قبل موتها. هكذا تتحول التفاحة إلى علامة تتقاطع فيها ثلاثة معان: الخطيئة، والجاذبية، والموت. ومن خلال ارتباطها بالجاذبية، تتصل التفاحة مباشرة بعالم المصعد. فالمكان نفسه قائم على الحركة العمودية، على الصعود والنزول، وعلى علاقة الجسد بالوزن والجاذبية. أما رغبة الزوجة في أكل التفاحة، فتحولها إلى أثر من آثار الحياة التي انقطعت قبل اكتمالها. إنها رغبة بسيطة بقيت معلقة في الذاكرة، وتحولت بالنسبة إلى الزوج إلى جزء من جرحه. لذلك لا تكون التفاحة مجرد إكسسوار بصري أو تفصيلا حكائيا، وإنما علامة تختصر مأساة كاملة: حياة، ورغبة لم تتحقق، وخطيئة، وسقوط، وانتقام.
8- السينوغرافيا والمابينغ وبناء الدلالة البصرية
تؤدي السينوغرافيا وظيفة هندسية ودلالية أساسية في بناء العالم الدرامي للمسرحية. فالمصعد الموضوع في مركز الخشبة يفرض شكلا هندسيا محددا للرؤية، بينما تتكفل الشاشات المحيطة بتوسيع الفضاء وإخراج الخلل الميكانيكي وأرقام الطوابق من أفق الحوار إلى لغة بصرية مرئية تحاكي العطب الإنساني الداخلي. وفي هذا السياق، يبرز تقنية "المابينغ" (Mapping) بوصفها المحرك الإخراجي لأنساق الرموز، حيث تمنح الدلالات امتدادا يكسر واقعية الاحتجاز:
القناع الاجتماعي ولعبة الأزرار: يتعمق استدعاء لوحة رينيه ماغريت «ابن الإنسان» عبر الإسقاط البصري لفك الأقنعة الاجتماعية. فكما تحجب التفاحة وجه الشخصية في اللوحة، تسقط التقنية هذا المعنى على الهويات الجاهزة للشخصيات (الطبيب، الممثل، عامل التوصيل، والزائر)؛ حيث تتحول أزرار المصعد الجانبية إلى تجسيد بصري لسؤال الحرية والقدر (Choix et Conséquence)، إذ تؤدي كل ضغطة زر إلى تفعيل استجابة درامية تجبر الشخصيات على التعري من أقنعتها الحرفية والإنسانية.
تأويلات التفاحة وألوان الذنب: يمنح المابينغ رمزية "التفاحة" أبعادا متغيرة تتلون بتنوع ذنوب الشخصيات؛ فتارة تظهر تفاحة خضراء مستوحاة من السريالية مع الطربوش عند شخصية الممثل، وتارة تظهر تفاحة رمادية خاوية تعبر عن التنصل والخواء الروحي للطبيب، بينما تتشكل بؤريا كعلة لمرض الزوجة الراحلة والدافع الانتقامي للزائر.
شعرية العبث البايكيتي: تتكامل الإضاءة مع المابينغ لتجسيد العالم البايكيتي؛ إذ تتضاعف شخصية رجل القبعة بظهور ثنائي يرمز لشخصيتي "فلاديمير" و"إستراغون"، بينما تعكس الشجرة اليابسة المعروضة إشارات بصرية دقيقة تتمثل في قبعتين تحملان الحرفين (V) و(E)، محولة انتظار الخروج إلى مجاز عبثي مفتوح.
هجاء القسم الطبي والعالم البرزخي: يصل التوظيف البصري أوج كثافته بتفكيك الشعار الطبي؛ حيث يعاد رسم عصا أسكليبيوس والأفعى بأسلوب نقد هجائي تظهر فيه الأفعى وهي تعض التفاحة، في إحالة بصرية للتقصير والإهمال الطبي الناتج عن السكر. وتختتم هذه الدلالة السينوغرافية بتشييد عالم برزخي ناصع عبر المؤثرات البصرية، تعيش فيه الزوجة الضحية وسط جنان من التفاح، لتتحول التفاحة سينوغرافيا من قناع للهوية الخاطئة ورمز للذنب إلى فضاء افتراضي يمنح الخلاص.
9- من المواجهة إلى المكاشفة
تتحرك المسرحية في نهايتها من كشف الوقائع إلى اختبار المواقف. فالمهم ليس فقط أن يعرف المتلقي ما حدث في الماضي، وإنما أن يرى كيف تتعامل الشخصيات مع ما عرفته. وهنا يتجاوز الاعتراف وظيفته المعلوماتية. إنه لحظة يصبح فيها الماضي حاضرا داخل العلاقة بين الشخصيات. الطبيب لا يستطيع الاستمرار في الاحتماء بمهنته، والزائر لا يستطيع الاستمرار في تقديم نفسه بوصفه ضحية فقط. وحتى الشخصيات التي لم تكن طرفا في المأساة تصبح مطالبة باتخاذ موقف مما يحدث أمامها. إن المكاشفة، بهذا المعنى، لا تعني الوصول إلى حقيقة واحدة بقدر ما تعني إزالة المسافة بين الشخصية وما فعلته. وهذا ما يمنح المواجهة قيمتها الأخلاقية.
تقوم مسرحية «المصعد» على بناء درامي يحول حادثة بسيطة إلى مساءلة واسعة للإنسان ومسؤوليته. فالخلل التقني ليس سوى نقطة الانطلاق، بينما تتكشف وراءه أزمة في المهنة، وفي العلاقة بالآخر، وفي طريقة التعامل مع الفقدان والذنب والعدالة.
وقد ساعد الفضاء المغلق على تكثيف هذا الصراع، في حين منحت الكوميديا السوداء للموقف قدرة على الجمع بين الضحك والقلق. كما أضاف الوزن الجسدي المرتفع للشخصيات الأربع بعدا أدائيا واضحا، إذ أصبحت الكتلة الجسدية جزءا من بناء الحركة والمفارقة، من دون أن تتحول إلى موضوع للسخرية من الأجساد.
أما التفاحة، فقد شكلت أحد أهم المفاتيح الرمزية للعمل، لأنها جمعت بين الخطيئة والجاذبية والموت والرغبة غير المكتملة. بينما أسهمت السينوغرافيا والمابينغ في تحويل هذه الدلالات إلى صور مرئية، خصوصا من خلال استدعاء عالم بيكيت ولوحة ماغريت.
وعلى المستوى الفلسفي، يظل السؤال الأعمق الذي تطرحه المسرحية مرتبطا بمسؤولية الإنسان عن أفعاله وعن الطريقة التي يختار بها مواجهة نتائجها. فالمشكلة ليست في أن المصعد توقف، وإنما في أن التوقف أتاح ظهور ما كان مخفيا.
لذلك يمكن اعتبار «المصعد» مسرحا للمواجهة أكثر منه مسرحا للاحتجاز؛ إذ إن إغلاق الباب لا يغلق الحكاية، بل يفتحها على أسئلة الذنب والعدالة والانتقام والقدر.
وفي النهاية، لا يصبح المصعد مجرد آلة تعطلت، وإنما صورة مكثفة للإنسان حين يجد نفسه عاجزا عن مواصلة الطريق بالطريقة التي اعتادها، ومضطرا إلى النظر إلى ما يحمله معه قبل أن يستطيع مواصلة الحركة. إن عطب المصعد لا يكشف خللا في الآلة فقط، بل يكشف ما يحدث حين يتعطل الإنسان أمام ماضيه.
رئيسية 








الرئيسية


