Quantcast
2026 سبتمبر 11 - تم تعديله في [التاريخ]

هل أصبحت أغاني الراب جريمة تقود إلى السجن؟

أغنية واحدة هزّت الخطوط الحمراء في الجزائر.. الكاتب "عبده حقي" يفتح ملف السلطة التي تخشى الكلمات، والفنانين الذين يغنون للحرية ثم يصمتون عندما يصبح لها ثمن.


الكاتب "عبده حقي"
الكاتب "عبده حقي"

*بقلم: عبده حقي*

ثمة لحظات تكشف فيها قضية تبدو صغيرة حقيقة نظام سياسي بأكمله. وليس ضروريًا أن تظهر هذه الحقيقة دائمًا عبر انتخابات مزورة أو اعتقالات جماعية أو محاكمات سياسية مدوية؛ فقد تختصر أغنية واحدة أحيانًا المسافة كلها بين الدولة الواثقة في نفسها والدولة التي ترتعب من الكلمات.

وهذا بالضبط ما تطرحه قضية مغني الراب الجزائري المعروف فنيًا باسم «ZD4»، زكرياء قارة سليمان، الذي تشير المعطيات المتداولة بشأن قضيته إلى صدور حكم في حقه بالسجن سنة نافذة، عقب نشر أغنية تناول فيها العلاقات الجزائرية المغربية وانتقد حالة العداء والتوتر بين البلدين.

لا أرى في هذه القضية مجرد نزاع قضائي حول كلمات أغنية، بل مؤشرًا مقلقًا على طبيعة العلاقة التي يريد النظام الجزائري فرضها بين السلطة والمجتمع، وبين الدولة والفنان، وبين السياسة وحرية التعبير. فحين تصبح كلمات تدعو إلى التقارب بين شعبين سببًا في دخول صاحبها السجن، لا يعود السؤال: ماذا قال الفنان؟ بل: ما الذي تخشاه السلطة إلى هذا الحد في أغنية؟

تحمل الأغنية عنوان «زوج بغال»، وهو اسم المعبر الحدودي المعروف بين المغرب والجزائر، وقد استُخدم في العمل الفني رمزًا لواحدة من أكثر المفارقات السياسية إيلامًا في المغرب الكبير: شعبان تجمعهما روابط التاريخ والثقافة واللغة والعائلات والجغرافيا، لكن الحدود البرية بينهما مغلقة منذ سنة 1994، فيما تتفاقم القطيعة السياسية ويتحول الخلاف بين الحكومتين إلى جدار نفسي يتسلل، شيئًا فشيئًا، إلى وعي المواطنين.

وهنا تكمن حساسية الأغنية بالنسبة إلى السلطة الجزائرية؛ فهي لا تكتفي، وفق مضمونها المتداول، بإدانة الخلاف بين المغرب والجزائر، بل تحاول تفكيك الخطاب الذي يصور الشعبين كأنهما عدوان تاريخيان. إنها تقول، في جوهرها، إن الصراع سياسي، وإن الشعبين ليسا مضطرين إلى وراثة خلاف الحكومات جيلًا بعد جيل.

وهذا بالضبط هو النوع من الخطاب الذي يبدو أن النظام الجزائري لا يريد له أن يتحول إلى سؤال جماهيري واسع.

فالسلطة التي تمتلك شرعية سياسية صلبة لا تخاف من مغنٍّ، والدولة الواثقة في مؤسساتها لا تحتاج إلى السجن للرد على أغنية، والنظام الذي يحترم شعبه لا يتعامل مع السخرية والغضب والاحتجاج الفني كأنها تهديد للأمن القومي. أما عندما يتحول الراب إلى ملف قضائي، ويتحول مقطع غنائي إلى قضية دولة، فإننا نصبح أمام أزمة أعمق من الكلمات التي وردت في الأغنية نفسها.

وتشير المعلومات المتداولة إلى أن الفنان أوقف يوم 28 غشت 2026، ثم أُحيل في اليوم التالي إلى المحاكمة وفق إجراء المثول الفوري، قبل أن تصدر محكمة تلمسان في حقه حكمًا بالسجن سنة نافذة مع الإيداع الفوري. كما تذكر المصادر التي تناولت القضية أن من بين التهم المنسوبة إليه إهانة رئيس الجمهورية، بسبب إشارات وردت في الأغنية إلى الرئيس عبد المجيد تبون.

وإذا صحت هذه المعطيات، فإن أكثر ما يثير القلق ليس الحكم وحده، بل السرعة المذهلة التي انتقلت بها القضية من التوقيف إلى السجن.

ماذا يعني أن يُوقف فنان ويُستجوب ويُحال إلى القضاء، ثم يجد نفسه خلف القضبان خلال نحو أربع وعشرين ساعة؟

أين المساحة التي يحتاجها الدفاع للاطلاع على الملف وإعداد الحجج القانونية؟ وأين النقاش حول طبيعة الفن الساخر وحدود المبالغة والاستفزاز في موسيقى الراب؟ وأين التفريق بين خطاب سياسي مزعج وجريمة حقيقية تستوجب سلب الإنسان حريته؟

إن النظام الجزائري، إذا كان يريد إقناع مواطنيه والعالم بأنه دولة مؤسسات، لا يمكنه أن يطالب بالاحترام ثم يتعامل مع النقد باعتباره إهانة، ولا أن يتحدث عن الجمهورية ثم يضع رئيس الجمهورية فوق النقد السياسي والفني.

فالرئيس، أي رئيس، شخصية عامة، ومن يدخل المجال العام يدخل معه أيضًا إلى فضاء النقد والسخرية والاعتراض. وكل محاولة لإحاطة الحاكم بهالة قانونية تمنع انتقاده تعيد الدولة من منطق الجمهورية إلى منطق التقديس السياسي.

والمشكلة الأكبر أن هذه القضية، كما تقدمها المصادر المتداولة، ليست معزولة عن مناخ أوسع يتعلق بحرية التعبير والإبداع الفني في الجزائر؛ إذ يبدو سجن «ZD4» امتدادًا لتضييق سياسي يتسع تدريجيًا، في وقت أصبحت فيه أزمة العلاقات مع المغرب موضوعًا بالغ الحساسية، لا تسمح السلطة بسهولة بالخروج فيه عن الرواية الرسمية.

وهنا أصل إلى جوهر المسألة.

النظام الجزائري لا يحتاج إلى مزيد من الخطب حول السيادة والقوة والكرامة الوطنية، بل يحتاج، قبل كل شيء، إلى أن يتصالح مع حق الجزائريين في الاختلاف معه. فالسيادة التي تحتاج إلى حماية نفسها من أغنية سيادة هشة، والدولة التي تشعر بأن استقرارها مهدد بسبب مغنٍّ شاب ليست دولة قوية كما تحاول أن تبدو، بل دولة تعاني خوفًا مزمنًا من المجال العام.

والنظام الذي يريد أن يبقى وحده مالكًا لتعريف الوطنية والخيانة، والصداقة والعداء، والمسموح والممنوع، يتحول تدريجيًا إلى سلطة لا تدير المجتمع بقدر ما تدير صمته.

وهذه هي المعضلة الجزائرية اليوم: ليس المطلوب من المواطن أن يحب وطنه فقط، بل أن يحبه بالطريقة التي تحددها السلطة. وليس المطلوب منه أن يتحدث عن المغرب فقط، بل أن يتحدث عنه داخل الحدود التي يرسمها الخطاب الرسمي. وليس المطلوب منه أن ينتقد، بل أن ينتقد كل شيء ما عدا مركز السلطة نفسه.

وحين تصبح العلاقة بين الجزائر والمغرب من المحرمات السياسية، فإننا لا نكون أمام مجرد خلاف دبلوماسي، بل أمام محاولة لتحويل الجغرافيا السياسية إلى عقيدة داخلية.

لقد مضت عقود على إغلاق الحدود بين البلدين، ونشأت أجيال كاملة من الجزائريين والمغاربة وهي لا تعرف الجار إلا عبر نشرات الأخبار والخطب السياسية ومواقع التواصل الاجتماعي. واستمرار هذا الوضع ليس انتصارًا لأي طرف، بل فشل مغاربي تاريخي تدفع الشعوب ثمنه أكثر مما تدفعه الأنظمة.

فالحدود المغلقة لا تمنع الأفكار، لكنها تمنع التجارة والسفر واللقاء العائلي والتعاون الاقتصادي. والخطاب العدائي لا يبني دولة، لكنه يستهلك طاقات المجتمع في خصومة دائمة. وكل سنة تمر على هذا الوضع تعني مزيدًا من الفرص الضائعة في التنمية والتكامل الإقليمي.

لهذا تبدو أغنية «ZD4»، مهما كان مستواها الفني ومهما كانت حدة لغتها، أكثر عقلانية من كثير من الخطابات الرسمية التي سمعناها خلال السنوات الماضية؛ فهي تقول، وفق مضمونها المتداول، إن الشعبين ليسا عدوين، وإن الصراع السياسي لا ينبغي أن يتحول إلى كراهية شعبية دائمة.

فهل أصبحت الدعوة إلى المصالحة خطرًا على الدولة الجزائرية؟

إذا كان الجواب نعم، فنحن أمام مشكلة سياسية عميقة.

ولا يقل إزعاجًا عن موقف السلطة ذلك الصمت الذي يحيط بالقضية داخل جزء من الوسط الفني؛ فعدد من نجوم الراب الجزائري الذين يمتلكون جماهير بالملايين لم يعلنوا، بحسب ما هو متداول، موقفًا واضحًا من قضية زميلهم.

والفنان الذي يغني عن الحرية ثم يصمت عندما يُسجن فنان آخر بسبب أغنية يجد نفسه أمام اختبار أخلاقي حقيقي؛ فالحرية ليست لازمة موسيقية جميلة تُردد أمام الجمهور، وليست شعارًا تجاريًا يُباع في المهرجانات، بل موقف تظهر قيمته عندما تصبح له كلفة.

وقد يكون الخوف مفهومًا في نظام تضيق فيه مساحة التعبير، لكن الخوف الجماعي هو أيضًا ما يجعل هذه الأنظمة أكثر قدرة على التوسع في القمع.

لهذا فإن قضية «ZD4» تتجاوز صاحبها؛ إنها قضية الحق في أن يقول الجزائري إن العداء مع المغرب ليس قدرًا، وإن قطيعة البلدين عبث سياسي، وإن النظام يمكن أن يخطئ، وإن الرئيس يمكن أن يُنتقد، وإن الأغنية ليست جريمة.

أما تحويل كل خطاب سياسي حاد إلى ملف جنائي، فلا يحمي الجزائر، بل يضعف صورتها ويمنح خصومها أفضل الحجج ضدها.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار