العلم الإلكترونية - سمير زرادي
أعلن عزيز أخنوش يوم الثلاثاء الماضي بأن النجاح الذي حققه المغرب على مستوى تنظيم كأس إفريقيا لم يكن معزولا عن سياقه، ولم يكن حدثا عابرا، بل جاء ثمرة لمسار طويل من الاستثمار العمومي، ومن الرؤية الاستراتيجية، ومن الإيمان بأن الرياضة ليست هامشا، بل قلبا نابضا في مشروع التنمية الشاملة.
وأكد رئيس الحكومة خلال تفاعله مع أعضاء مجلس المستشارين في إطار جلسة المساءلة الشهرية لمقاربة موضوع السياسة الحكومية في المجال الرياضي بأن المتابعين، من مسؤولين رياضيين، وإعلاميين، وخبراء، وجماهير، أجمعوا على أن النسخة التي احتضنتها بلادنا كانت من الأفضل في تاريخ هذه التظاهرة القارية، سواء من حيث جودة الملاعب، أو سلاسة التنقل، أو الأمن، أو الخدمات، أو الحضور الجماهيري، والتغطية الإعلامية.
ولعل أبرز دليل عن هذا النجاح القاري الباهر، هو التعبير الصادق والواضح لجلالة الملك، الذي أكد أن ما حققته المملكة من خلال تنظيم كأس إفريقيا للأمم ليس إنجازا وطنيا معزولا، بل هو نجاح لإفريقيا كلها، وصورة مشرفة لقارة قادرة على الفرح، وعلى التنافس، وعلى تنظيم أكبر التظاهرات الرياضية في أجواء أخوية تعكس عمق الانتماء الإفريقي المشترك.
وتابع رئيس الحكومة بأن هاته الرسالة تؤكد أن المغرب سيظل بلدا إفريقيا كبيرا، ملتزما بقيم التضامن والاحترام، ومؤمنا بأن مستقبل القارة يبنى بالتكامل وتقاسم التجارب، لا بالتضليل ولا بتشويه النجاحات.
وأعلن في أعقاب ذلك بأن التحول العميق في مكانة الرياضة داخل السياسات العمومية لم يكن وليد ظرفية رياضية أو رهين نتائج آنية، بل تأسس على رؤية استشرافية مندمجة مؤمنة بأن الولوج إلى الرياضة يجب أن يكون عادلا ومنصفا، وأن الدولة مطالبة بتوفير شروط الممارسة، لا الاكتفاء بالتشجيع الخطابي، بما يجعل الرياضة حاضرة في المناطق المحرومة، وغير مقتصرة على المراكز، ويضع كذلك الفئات الهشة، وعلى رأسها الأشخاص في وضعية إعاقة في صلب السياسات لا على هامشها.
وعطفا على ذلك اعتبر أن النقاش حول الرياضة اليوم لا يمكن أن يكون نقاشا تقنيا ضيقا، ولا نقاشا مناسباتيا مرتبطا ببطولة أو نتيجة، بل يجب أن يكون نقاشا استراتيجيا، يضع الرياضة في مكانها الحقيقي داخل النموذج التنموي للمغرب، لافتا إلى أن التحول الذي عرفه هذا القطاع خلال السنوات الأخيرة، لم يكن مجرد تراكم أرقام، بل انتقالا تدريجيا من منطق التهميش إلى منطق الإدماج، ومن منطق الظرفية إلى منطق التخطيط، ومن منطق النخبة فقط إلى منطق القاعدة الواسعة.
ولعل أول مؤشر دال على هذا التحول هو ما عرفته البنية التنظيمية للرياضة الوطنية، موازاة مع التوفر على 57 جامعة رياضية وطنية، و261 عصبة جهوية، بما يعكس الامتداد الترابي للمنظومة الرياضية، ويؤكد أن التنظيم لم يعد محصورا في المركز.
وفي هذا الإطار، يعد برنامج إحداث 800 ملعب للقرب، خلال الفترة من 2021 إلى 2025، في العالم القروي وشبه الحضري ورشا استراتيجيا بامتياز، يجسد الرؤية العمومية للدولة في جعل الرياضة حقا متاحا لجميع المواطنات والمواطنين، لا امتيازا محصورا في المدن الكبرى، بما يكرس الأولوية للمناطق الهشة، ويعزز التماسك الاجتماعي، ويجسد فعليا الحق الدستوري في ممارسة الرياضة كرافعة للتنمية، والإدماج، وصناعة الأمل لدى فئات واسعة من الشباب.
وذكر رئيس الحكومة على مستوى آخر بأن عدد المستفيدين من مختلف الأنشطة الرياضية المدرسية ارتفع إلى 1,2 مليون في سنة 2024، بفضل تنويع العرض الرياضي المدرسي من خلال مجموعة من الأنشطة الجديدة، كاشفا أن عدد المستفيدين سنة 2021 لم يكن يتجاوز 240 ألفا و800 تلميذة وتلميذ على المستويين الوطني والجهوي، موزعين على 20 نشاطا رياضيا، قبل أن يرتفع هذا الرقم إلى 895 ألفا سنة 2023، وإلى حوالي 1,2 مليون سنة 2024، ضمن 50 نشاطا رياضيا.
وشدد على أن العدالة المجالية في مجال الرياضة لا تكتمل بالبنية التحتية وحدها، بل تتعزز حين تصبح المدرسة فضاء مركزيا للممارسة الرياضية، مشيرا إلى الأهمية الاستراتيجية للتحول الذي شهدته الرياضة المدرسية في الفترة الأخيرة.
وأضاف هذا التطور يعني عمليا أن ملايين الأطفال، في المدن وفي القرى، وجدوا في المدرسة فضاء للممارسة الرياضية المنتظمة، بعيدا عن منطق الانتقاء الاجتماعي أو المجالي، مؤكدا أن الرياضة المدرسية أصبحت اليوم رافعة حقيقية للإنصاف.
وأبرز كذلك بأن توسيع قاعدة الممارسة الرياضية، خاصة عبر المدرسة، يفرض استثمارا متواصلا في الموارد البشرية، مشددا على أن الرياضة المدرسية التي يستفيد منها اليوم ملايين التلاميذ تحتاج إلى أطر مؤهلة وتكوين مستمر، وتنسيق بين مختلف المتدخلين، حتى لا تتحول الكمية إلى عبء على الجودة.
وأشار السيد أخنوش إلى أن هذا المسار، يفتح في الوقت نفسه أفق الاقتصاد الرياضي باعتباره رافعة مستقبلية للتنمية، حيث تخلق البنيات المؤهلة والتظاهرات الكبرى والطلب المتزايد على الممارسة، فرصا حقيقية في مجالات التأطير والتدبير والصيانة والخدمات المرتبطة، لتحويل هذا الزخم إلى قيمة مضافة لفائدة الجهات، وليس فقط إلى تكلفة ظرفية مرتبطة بالميزانية العامة.
وختم رئيس الحكومة عرضه بقوله إن الرهان الأساسي في المجال الرياضي يبقى هو الحفاظ على هذا النفس الهادئ والمتوازن في تنزيل السياسة الرياضية، بما يضمن الإنصاف المجالي، والاستدامة، وجودة الأثر، وأن الرياضة، ليست غاية في حد ذاتها، بل رافعة للتنمية البشرية، وأداة للاندماج والتلاحم الاجتماعي، ومحاربة الإقصاء والتهميش، وهو ما يجعل من تثبيت هذا المسار مسؤولية جماعية تتجاوز الظرفية والنتائج الآنية.
رئيسية 








الرئيسية




