الرباط: أنس الشعرة
في سياق أوروبي يتسم بتشديد غير مسبوق في سياسات الهجرة، مدفوعًا بصعود التيارات اليمينية المتشددة وتنامي خطاب الضبط الحدودي وإعادة تعريف أولويات الأمن الداخلي، تتجه الحكومات إلى تشديد أدوات التنفيذ وتسريع إجراءات الترحيل، باعتبارها أحد أبرز مؤشرات التحول في إدارة ملف اللجوء.
وفي هذا المناخ السياسي الجديد، تكشف البيانات الرسمية الصادرة من ألمانيا عن ارتفاع ملحوظ في عمليات الترحيل خلال عام 2025، مع تسجيل أرقام تعكس تحوّلًا عمليًا من سياسات الاستقبال إلى سياسات الإبعاد المنهجي.
وأظهرت المعطيات أن السلطات الألمانية نفذت 22,787 عملية ترحيل خلال عام 2025، من بينها 785 حالة تخص مهاجرين إلى المغرب، ما يضعه في المرتبة الحادية عشرة ضمن دول الوجهة. كما شملت عمليات الترحيل إلى الجزائر 631 شخصًا، وإلى تونس 498 شخصًا، ليصل إجمالي المرحّلين إلى دول المغرب العربي الثلاث إلى 1914 مهاجرًا خلال العام ذاته.
وتكشف الأرقام أيضًا عن بُعد إجرائي لافت، إذ سجل المغرب أعلى عدد من حالات استخدام إجراءات التقييد الجسدي أثناء الترحيل، حيث خضع 483 شخصًا لهذه التدابير، وهو الرقم الأعلى مقارنة بجميع الجنسيات الأخرى، تليه الجزائر بـ426 حالة. ويعكس هذا المؤشر درجة التعقيد المرتبطة بتنفيذ بعض عمليات الإبعاد، في ظل تشديد الضوابط الأمنية المرافقة لها.
وبحسب البيانات، نُفذت غالبية عمليات الترحيل عبر الرحلات التجارية المجدولة بدل الرحلات الخاصة، فيما سجلت السلطات أيضًا حالات فشل في تنفيذ الإبعاد، من بينها 57 حالة لمهاجرين مغاربة لم تتم إعادتهم رغم تسليمهم للشرطة الفيدرالية.
وفي ما يتعلق بعمليات النقل وفق نظام توزيع طلبات اللجوء داخل الاتحاد الأوروبي، نفذت ألمانيا 5,377 عملية نقل إلى الدول المسؤولة عن معالجة الملفات، شملت 181 مغربيًا و384 جزائريًا، بينما تصدرت جنسيات أفغانستان وسوريا وتركيا قائمة الجنسيات الأكثر شمولًا بهذه الإجراءات.
جغرافيًا، جرت معظم عمليات الترحيل جوًا، مع تسجيل عمليات أقل عبر البر والبحر، وكانت تركيا الوجهة الأولى بـ2297 حالة، تلتها جورجيا بـ1690 حالة، فيما شملت الوجهات الأوروبية كذلك إسبانيا وفرنسا ضمن عمليات إعادة التوزيع أو الإبعاد. وعلى مستوى المنطقة العربية، سجلت عمليات الترحيل إلى العراق ارتفاعًا ملحوظًا لتبلغ 793 حالة خلال العام.
وأكدت الحكومة الألمانية أن عدد الأشخاص الذين صدرت بحقهم أوامر ترحيل بلغ 232,067 شخصًا بحلول نهاية 2025، من بينهم 190,974 شخصًا يحملون وضعية «التسامح المؤقت»، وهي وضعية قانونية تسمح بالبقاء المؤقت دون تثبيت الإقامة. وفي المقابل، غادر 16,576 شخصًا طوعًا في إطار برنامج العودة الطوعية المدعومة.
وتعكس الأرقام مسارًا تصاعديًا واضحًا في وتيرة الترحيل خلال السنوات الأخيرة، إذ ارتفعت الحالات من نحو 13 ألفًا في 2022 إلى 16,430 في 2023، ثم تجاوزت 20 ألفًا في 2024، قبل أن تبلغ مستواها الحالي في 2025، في مؤشر على تحوّل هيكلي في سياسة إدارة الهجرة، يتقاطع مع توجه أوروبي أوسع نحو إعادة التشديد التنظيمي والحد من الإقامة غير المستقرة.
وبينما تؤكد الحكومة الألمانية أن هذه الإجراءات تندرج ضمن تطبيق القانون وتنظيم نظام اللجوء، يرى مراقبون أن هذا التصاعد الكمي والإجرائي يعكس إعادة صياغة شاملة لسياسات الهجرة الأوروبية، في سياق سياسي بات يمنح الأولوية لضبط الحدود وتسريع الإبعاد بوصفهما ركيزتين مركزيتين في إدارة الظاهرة.
رئيسية 








الرئيسية 





