Quantcast
2026 أبريل 17 - تم تعديله في [التاريخ]

تعيين استراتيجي لإعادة ترسيخ تموقع الدولة في قطاع الصحة


طبيب جراح، رئيس المركز المغربي لدراسات والابحاث في الصحة العمومية ،رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب.
طبيب جراح، رئيس المركز المغربي لدراسات والابحاث في الصحة العمومية ،رئيس الفريق الاستقلالي للوحدة والتعادلية بمجلس النواب.
العلم الإلكترونية - بقلم علال العمراوي
 
لا يمكن قراءة التعيينات التي تفضل بها صاحب الجلالة الملك محمد السادس، نصره الله، لمديري المجموعات الصحية الترابية خلال المجلس الوزاري الأخير، باعتبارها مجرد إجراء إداري عابر و بسيط، بل تندرج في عمقها كتعبير عن اختيار سياسي قوي و مؤسس لمرحلة جديدة، قوامها استعادة الدولة لسلطتها التنظيمية والتدبيرية داخل قطاع استراتيجي ظل لسنوات رهين اختلالات بنيوية في الحكامة وتشتت في مراكز القرار.
 
إن هذا التوجه يندرج ضمن رؤية إصلاحية شمولية تروم إعادة هيكلة المنظومة الصحية الوطنية على أسس جديدة، تجعل من المجموعات الصحية الترابية أذرعا تنفيذية حقيقية للدولة على المستوى الجهوي، قادرة على ضمان التقائية السياسات العمومية، وتجويد العرض الصحي، وتعزيز العدالة المجالية في الولوج إلى الخدمات. وإلى جانب هذه المجموعات، تضطلع مؤسسات استراتيجية، من قبيل الهيئة العليا للصحة، والوكالة الوطنية للأدوية ومنتجات الصحة، ووكالة الدم ومشتقاته، وكذا الوظيفة العمومية الصحية، بأدوار تكاملية تروم إعادة الانسجام والفعالية إلى منظومة طالما عانت من التداخل والتجزئة و ضعف النجاعة.
 
غير أن نجاح هذا التحول البنيوي يظل رهينا، بالدرجة الأولى، بطبيعة الكفاءات التي ستتولى قيادة هذه الهياكل الجديدة. وفي هذا الإطار، تعكس التعيينات المصادق عليها توجها واضحا نحو إسناد المسؤولية لنخب مهنية تجمع بين الكفاءة العلمية، والخبرة الميدانية، والمصداقية التدبيرية. وهو اختيار يوازي حجم رهانات الاصلاح المطروحة. فقيادة مجموعة صحية ترابية لم تعد وظيفة إدارية صرفة، بل أضحت مهمة استراتيجية سيادية، تستدعي قدرة عالية على تدبير مؤسسات متعددة الأبعاد، وتأطير موارد بشرية تحت ضغط مستمر، وتحقيق مؤشرات أداء دقيقة وقابلة للتقييم.
 
وفي هذا السياق، يكتسي تعيين طبيب جنرال في صفوف القوات المسلحة الملكية على رأس مجموعة جهة سوس-ماسة دلالة سياسية عميقة، تتجاوز بعدها الإجرائي. فهو من جهة سابقة نوعية من حيث الشكل، ومن جهة أخرى رسالة واضحة من حيث المضمون، مفادها أن الإصلاح الحقيقي يمر عبر استحضار نماذج تدبيرية ناجعة، قائمة على الانضباط، والصرامة، وثقافة النتائج. وكما هو الشأن في الإصلاحات الهيكلية الكبرى، فإن مثل هذه الاختيارات التأسيسية ترسم معالم المرحلة المقبلة، وتؤسس لتحول نوعي في فلسفة التدبير العمومي.
 
لطالما شكلت المصالح الصحية التابعة للقوات المسلحة الملكية، على امتداد عقود، دعامة أساسية للمنظومة الصحية الوطنية، سواء من خلال المستشفيات العسكرية أو الوحدات الطبية المتنقلة المنتشرة عبر مختلف جهات المملكة. و تعبئتها خلال الأزمات الصحية والكوارث الطبيعية، أثبتت على الدوام بأوامر جلالة الملك نصره الله، القائد الأعلى قدرتها اللوجيستكية على التعبئة السريعة، ونجاعتها الحاسمة في التدخل، وصرامتها في الإنجاز، بما يجسد نموذجا متقدما في الخدمة العمومية، قائمًا على الانضباط، والصرامة، وروح الواجب. وهي القيم التي بات قطاع الصحة في أمسّ الحاجة إلى ترسيخها اليوم.
 
وبمنظور نقدي صريح، فإن أحد أبرز أعطاب المنظومة الصحية الوطنية لم يكن دائما مرتبطا فقط بندرة الموارد، بل أيضا، وربما أساسا، بضعف الحكامة، وتراجع المعايير المهنية، وغياب وضوح المسؤوليات، بما أفرغ العديد من الآليات من فعاليتها. ومن هنا، يتأكد أن مدخل الإصلاح الحقيقي لا يمكن أن يكون تقنيا أو ماليا فقط، بل ينبغي أن يكون مؤسساتيا وفكريا، يعيد الاعتبار لمنطق الحكامة الجيدة وربط المسؤولية بالمحاسبة. فلهذا السبب تحديدا تمحورت الاصلاحات الجديدة على الحكامة الجيدة
 
ولا يقتصر إسهام المنظومة الصحية العسكرية على تقديم الخدمات الصحية أو العلاجية، بل يمتد إلى مجال التكوين الصحي، حيث شكلت مدرسة قائمة الذات في تأهيل الأطر الطبية و الصحية وفق أعلى معايير الانضباط والصرامة المهنية. ولمن خبر هذه التجربة، ولو جزئيا، لمس حجم الجودة التي تميز منظومة التأطير داخل هذه المؤسسة، ومستوى الالتزام الذي ينعكس بشكل مباشر على جودة أداء مواردها البشرية.
 
وفي ظل سياق يتسم بالخصاص المتزايد في الموارد البشرية، وتراجع منسوب الالتزام في بعض مفاصل القطاع، لم يعد السؤال مقتصرا على الكم، بل أصبح يتمحور حول طبيعة التدبير ومنظومة القيم المؤطرة لها: من يدبر؟ وفق أي مرجعية؟ وبأي قدرة على فرض المعايير وضمان ربط المسؤولية بالمحاسبة؟ وفي هذا الصدد، يقدم النموذج الصحي العسكري مرجعية واضحة، حيث تشكل قيم الانضباط، والتنظيم، والصرامة ركائز أساسية تمارس بشكل مستمر.
 
وعليه، يمكن قراءة هذا التعيين باعتباره مؤشرا على توجه يروم إدماج ممارسات تدبيرية ناجعة داخل المنظومة المدنية، مستلهمة من نموذج مؤسساتي قائم على وضوح التسلسل القيادي وربط المسؤوليات بالنتائج. كما يحمل رسالة ضمنية مفادها أن الإصلاح لن يظل حبيس النصوص والتشريعات، بل سيتجسد عبر اختيارات بشرية دقيقة، تفسح المجال أمام كفاءات ظلت، لسنوات، غير مستثمرة بالشكل الكافي في تدبير الشأن الصحي المدني.
 
وإذا تجاوزنا البعد الرمزي، فإن لهذا القرار دلالة بنيوية عميقة، ذلك أن نجاعة الإطار العسكري لا ترتبط فقط بخصائص فردية، بل بمنظومة تدبير متكاملة، قوامها الصرامة، والمساءلة، ومعايير غير قابلة للتفاوض. ونقل هذا المنطق إلى المجال المدني لا يعني مجرد تعيين فرد، بل يؤسس لتحول في فلسفة الحكامة، ويفتح أفقا لتفاعل إيجابي بين التجربتين المدنية والعسكرية، بما يعزز جودة التدبير العمومي.
 
وأخيرا ينبغي وضع هذا القرار في سياق الرؤية الملكية المتبصرة التي تم التعبير عنها منذ سنة 2018، والداعية إلى إصلاح عميق وشامل للمنظومة الصحية. كما أن عرض هذه التعيينات في إطار المجلس الوزاري يعكس الطابع الاستراتيجي لهذا الورش، ويؤكد أن تدبيره يتم على أعلى مستوى من القرار، بما يضمن انسجامه واستمراريته.
 
ويبقى الرهان الحاسم هو حسن التنزيل. 
 
فنجاح هذا الإصلاح لن يُقاس فقط بتطور بنياته المؤسساتية، بل بقدرته على إحداث تحول فعلي في الممارسات، وترسيخ ثقافة المسؤولية، وإعادة الاعتبار لمعايير الجودة والاستحقاق. ومن هذا المنظور، فإن هذا التعيين يتجاوز بعده الجهوي، ليعكس بداية تحول أعمق في دور الدولة، كفاعل ضامن للنجاعة، وحارس للمصلحة العامة في قطاع حيوي.
 
إن التحدي اليوم لا يكمن فقط في بناء مؤسسات جديدة و عصرية، بل في إرساء ثقافة تدبيرية قوامها الانضباط، والنجاعة، وربط المسؤولية بالمحاسبة. وفي مسار الإصلاحات الكبرى، لا تكون الإشارات القوية مجرد تفاصيل، بل لحظات مفصلية تعيد توجيه المسار. وهذا التعيين، بلا شك، إحداها.

              

















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار