Quantcast
2026 أكتوبر 5 - تم تعديله في [التاريخ]

أوروبا تريد سمك المغرب وتعلن سبتة أوروبية… هل بدأت معركة الأوراق قبل مفاوضات الصيد؟

تطلب بروكسل مفاتيح المياه المغربية، فيما ترتفع الرسائل السياسية بشأن سبتة ومليلية وتتربص التعقيدات القضائية بأي اتفاق جديد، في هذا المقال، يفتح بوشعيب حمراوي ملف الشراكة من زاوية السيادة والثروة البحرية، ويسائل حدود التوازن بين أوروبا التي تريد العودة إلى الصيد والمغرب الذي يمتلك حق تحديد شروط استغلال موارده.


الكاتب بوشعيب حمراوي
الكاتب بوشعيب حمراوي
*بقلم: بوشعيب حمراوي*
بروكسل تنتظر الضوء الأخضر من الرباط لإعادة أساطيلها، وحكم القضاء الأوروبي يعقّد مياه الصحراء… فيما يطرح الانحياز الأوروبي لإسبانيا سؤالًا عن حدود الشراكة وحسابات الضغط المتبادل

تتحرك أوروبا من جديد في اتجاه المياه المغربية، ليس من أجل السياحة ولا لاكتشاف شواطئ الأطلسي، بل بحثًا عن السمك الذي افتقدته سفنها منذ انتهاء آخر بروتوكول لاتفاق الصيد بين المغرب والاتحاد الأوروبي في 17 يوليوز 2023.

الاتحاد الأوروبي يريد العودة. ومجلسه أعطى منذ يناير 2026 الضوء الأخضر للمفوضية لفتح مفاوضات مع المغرب بشأن اتفاق جديد للصيد المستدام وبروتوكول تنفيذي جديد، بينما ما يزال الاتفاق الحالي مصنفًا أوروبيًا في خانة «غير النشط»، وهو ما يمنع السفن الأوروبية حاليًا من الصيد في المياه المغربية.

لكن السؤال لم يعد: هل ستعود السفن الأوروبية؟

السؤال الحقيقي هو: بأي شروط ستعود، وفي أي مياه، وبأي مقابل، وتحت أي تصور للسيادة المغربية؟

وهنا تتحول قضية السمك من اتفاق اقتصادي إلى جزء من معركة سياسية وقانونية واستراتيجية أكبر بكثير.

◆ أوروبا تريد السمك… والمغرب لم يعد مضطرًا لبيعه بالشروط القديمة

كان اتفاق الصيد لعقود يُقدَّم باعتباره شراكة يستفيد منها الطرفان: أوروبا تحصل على إمكانات الصيد، والمغرب يحصل على مقابل مالي ودعم قطاعي.

لكن العالم تغير، والمغرب تغير، وأهمية الثروة البحرية تغيرت.

لم تعد الأسماك مجرد كميات تخرج من البحر مقابل رسوم تؤديها سفن أجنبية. إنها أمن غذائي، ومخزون استراتيجي، وفرص شغل، وصناعات تحويلية، وموانئ، واستثمارات، وتصدير، وبحث علمي، ومستقبل آلاف الأسر المغربية.

لذلك سيكون من الخطأ اختزال المفاوضات المقبلة في سؤال: كم ستدفع أوروبا؟

الأجدر هو السؤال: ماذا سيستفيد المغرب من كل طن يُصطاد؟ وكم من القيمة المضافة سيبقى داخل البلاد؟ وكم من الأسماك يجب أصلًا ألّا يُصطاد حفاظًا على مخزونه البحري؟

فالثروة السمكية المغربية ليست خزانًا مفتوحًا إلى ما لا نهاية، ولا ينبغي لأي اتفاق أن يجعل حاجة بعض الأساطيل الأوروبية مقدَّمة على استدامة المخزون وعلى المصلحة الاقتصادية المغربية.

◆ محكمة أوروبا تسبح في مياه السياسة

المعضلة الأخرى توجد في لوكسمبورغ، داخل محكمة العدل الأوروبية. ففي 4 أكتوبر 2024، أصدرت المحكمة حكمها بشأن اتفاق الصيد وتطبيقه على المياه المحاذية للصحراء، وأعادت إلى الواجهة إشكالية «موافقة شعب الإقليم» وفق البناء القانوني الذي تعتمده المحكمة الأوروبية.

وبغض النظر عن الموقف المغربي الرافض لأي مس بسيادته ووحدته الترابية، فإن أوروبا نفسها أصبحت أمام تناقض واضح.

فمن جهة، قضاؤها يضع شروطًا قانونية أمام اتفاقاتها مع المغرب.

ومن جهة ثانية، مؤسساتها السياسية تتقدم في اتجاه آخر؛ إذ رحب الاتحاد الأوروبي في يناير 2026 بقرار مجلس الأمن 2797، وبالمفاوضات التي تتخذ مقترح الحكم الذاتي المغربي أساسًا لها، كما أشار إلى توضيح شكل الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية.

فإلى متى ستستمر أوروبا في إنتاج خطابين بشأن الشريك نفسه؟

خطاب سياسي يعرف أهمية المغرب ووحدته واستقراره ومقترح الحكم الذاتي، وخطاب قضائي يجعل كل اتفاق اقتصادي معرضًا لأن يتحول إلى نزاع جديد؟

إذا كانت بروكسل تريد اتفاق صيد يعيش سنوات ولا يسقط عند أول طعن، فإنها مطالبة، قبل التفكير في عدد السفن والحصص، بأن تجد لنفسها مخرجًا من تناقضاتها.

◆ سبتة ومليلية… لماذا ارتفع الصوت الأوروبي الآن؟

وفي خضم هذه الحسابات، جاء ملف سبتة ومليلية ليضيف مزيدًا من التعقيد.

بعد أزمة التدفق البشري التي شهدتها سبتة في الصيف، اختارت رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين خطابًا شديد الوضوح أمام البرلمان الأوروبي في 16 شتنبر 2026، فقالت إن حدود سبتة حدود أوروبية، لأن سبتة إسبانيا وسبتة أوروبا.

هذا ليس تصريحًا عابرًا بالنسبة إلى المغرب.

فسبتة ومليلية تقعان في شمال إفريقيا وعلى التراب الجغرافي المغربي، والمغرب يعتبرهما مدينتين محتلتين ويطالب باسترجاعهما، بينما تتمسك إسبانيا بسيادتها عليهما، ويقف الاتحاد الأوروبي إلى جانب دولة عضو فيه.

ثم جاءت خطوة أخرى أكثر حساسية مع الإعلان عن زيارة الملك فيليبي السادس والملكة ليتيزيا إلى سبتة ومليلية يومي 13 و14 أكتوبر، في أول زيارة للملك الإسباني الحالي إلى المدينتين منذ اعتلائه العرش، وهي زيارة تأتي بعد أزمة حدودية حادة وفي سياق توتر سياسي واضح.

وهنا يصبح من المشروع طرح السؤال:

لماذا هذا الإصرار الأوروبي والإسباني على رفع منسوب الرسائل السياسية بشأن المدينتين، في الوقت نفسه الذي تستعد فيه أوروبا للدخول في مفاوضات ثقيلة مع المغرب بشأن الصيد؟

◆ هل السمك وراء سبتة؟ لا دليل… لكن السياسة لا تعرف الجدران بين الملفات

فقرار الاتحاد الأوروبي بفتح مفاوضات اتفاق الصيد الجديد يعود إلى يناير 2026، أي قبل أزمة سبتة في يوليوز وقبل خطاب فون دير لاين في شتنبر. لكن السياسة الدولية لا تعمل دائمًا بملفات منفصلة.

حين تجلس الرباط وبروكسل إلى طاولة واحدة، يكون حاضرًا السمك والهجرة والتجارة والأمن والطاقة والصحراء والاستثمارات والعلاقات مع إسبانيا وغيرها من الملفات، حتى وإن لم توضع كلها رسميًا على جدول الاجتماع نفسه.

ولهذا يصبح السؤال أدق: هل يمكن أن تُستعمل الأجواء السياسية المحيطة بسبتة ومليلية ورقةً لخفض السقف التفاوضي المغربي في ملفات أخرى؟

وبالمقابل، ألا يستطيع المغرب بدوره استعمال أوراقه؟

أوروبا تحتاج إلى تعاون المغرب في مكافحة الهجرة غير النظامية، وفي الأمن ومكافحة الإرهاب، وفي التجارة والطاقة وسلاسل الإنتاج والاستقرار المتوسطي، كما تحتاج بعض أساطيلها إلى موارد الصيد المغربية.

إذن، الشراكة ليست منحة أوروبية للمغرب. إنها حاجة متبادلة.

ومن حق المغرب أن يتفاوض على هذا الأساس.

◆ لماذا لا يختار المغرب شركاءه في الصيد على أساس موقفهم من الصحراء؟

لا ينبغي استبعاد أن يكون المغرب بصدد التوجه نحو إعادة النظر في جدوى اتفاق صيد جماعي جديد مع الاتحاد الأوروبي، إذا ظل هذا الاتفاق معرضًا باستمرار للنزاعات القضائية والمواقف السياسية الملتبسة بشأن الصحراء المغربية. فالمغرب سبق أن حدد قاعدة واضحة في خطاب الملك محمد السادس بمناسبة المسيرة الخضراء سنة 2021: لا معاملات اقتصادية أو تجارية مع شركاء ذوي مواقف غامضة إذا كانت تستثني الصحراء المغربية.

ومن هنا، قد يصبح الخيار المغربي مستقبلًا أكثر انتقائية: توسيع التعاون البحري والاستثمارات والصناعات السمكية مع الدول الأوروبية التي تعترف صراحة بسيادة المغرب على صحرائه أو تتبنى بوضوح الحكم الذاتي تحت السيادة المغربية، ومنحها أولوية في الشراكات الاقتصادية. وفرنسا تقدم نموذجًا واضحًا بعد إعلانها أن حاضر ومستقبل الصحراء يندرجان في إطار السيادة المغربية.

وبهذا، يمكن أن تتحول الثروة السمكية بدورها إلى أداة من أدوات الدبلوماسية الاقتصادية المغربية: من يريد الاستفادة من خيرات المغرب، عليه أن يتعامل مع المغرب كاملًا، لا أن يطلب سمكه ويتردد في الاعتراف بسيادته على أرضه ومياهه.

◆ لا يمكن لأوروبا أن تختار السيادة على المقاس

المفارقة التي ينبغي أن يناقشها المغرب بهدوء وصلابة هي أن أوروبا، عندما يتعلق الأمر بسبتة، تقول دون تردد: هذه أرض إسبانية، وحدودها حدود أوروبية، رغم علمها بأن المدينة مغربية تاريخيًا وجغرافيًا.

وعندما يتعلق الأمر بالصحراء المغربية، تستدعي كل التعقيدات القانونية الممكنة. هنا يحق للمغاربة أن يسألوا عن منطق هذه المعايير.

ليس المطلوب أن يتخلى الاتحاد الأوروبي عن قواعده القانونية، بل أن يدرك أن الشراكة الاستراتيجية لا تستقيم بسياسة الكيل بمكيالين، وأن احترام مصالح المغرب ووحدته الترابية لا يمكن أن يكون أقل أهمية من التضامن الأوروبي مع إسبانيا.

كما أن الجغرافيا والتاريخ لا يمكن محوهما بتصريح سياسي.

فالقول إن «سبتة هي أوروبا» لا ينقل المدينة من شمال إفريقيا إلى القارة الأوروبية، ولا يلغي حقيقة وجود نزاع سياسي تاريخي حولها بين المغرب وإسبانيا.

◆ المغرب أمام فرصة لا أمام مأزق

لذلك ينبغي ألّا يدخل المغرب مفاوضات الصيد المقبلة بمنطق الطرف الذي يريد استعادة الاتفاق بأي ثمن.

العكس هو الصحيح. السفن الأوروبية هي التي تنتظر العودة، والمغرب يمتلك الثروة والمجال البحري والقدرة على تحديد شروط استغلال موارده.

الاتفاق الجديد، إذا تم، يجب أن يكون اتفاقًا مختلفًا: حصص تحمي المخزون، ومراقبة حقيقية للكميات، وتعويضات تعكس القيمة الاقتصادية للمصطاد، وتشغيل أكبر للبحارة المغاربة، وتفريغ وتصنيع وتحويل داخل الموانئ المغربية، واستثمارات في البحث العلمي البحري وتربية الأحياء المائية، وفوائد ملموسة لسكان الأقاليم الجنوبية.

أي أن المغرب لا ينبغي أن يبيع حق الصيد فقط، بل عليه أن يفاوض على سلسلة القيمة كاملة.

◆ السمك قد يكشف حقيقة الشراكة

المعركة المقبلة قد لا تكون حول السمك وحده.

قد تصبح اختبارًا لنوع العلاقة التي تريدها أوروبا مع المغرب.

هل تريد شريكًا استراتيجيًا يحترم مصالحه وسيادته؟

أم تريد مغربًا يتعاون في الهجرة والأمن والطاقة، ويفتح أسواقه ومياهه، بينما تحتفظ بروكسل لنفسها بحق استعمال أكثر من معيار عندما يتعلق الأمر بقضاياه السيادية؟

المغرب ليس مطالبًا بالدخول في مواجهة مع أوروبا، ولا أوروبا تستطيع تجاهل أهمية المغرب. لكن الشراكة الحقيقية ليست طريقًا باتجاه واحد.

وحين تعود بروكسل لطلب مفاتيح المياه المغربية، سيكون من حق الرباط أن تضع على الطاولة ليس فقط ثمن السمك، بل ثمن الشراكة المتوازنة واحترام المصالح المتبادلة.

أما سبتة ومليلية، فهما ملف قائم بذاته، لا ينبغي أن يتحول إلى سلعة للمقايضة، لا مقابل السمك ولا مقابل الهجرة.

ولكن أوروبا أيضًا مطالبة بأن تفهم رسالة بسيطة: من يريد من المغرب شراكة استراتيجية في البحر والبر والحدود والأمن، عليه أن يتعامل معه كشريك استراتيجي كامل، لا كخزان للأسماك وحارس للحدود وسوق للمنتجات حين يحتاج إليه، ثم يتجاهل حساسية قضاياه السيادية عندما تتعارض مع مصالح بعض دول الاتحاد.

المغرب يمسك بمفاتيح مياهه… وأوروبا تنتظر شروط العودة
المغرب يمسك بمفاتيح مياهه… وأوروبا تنتظر شروط العودة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار