*بقلم: بوشعيب حمراوي*
المهاجر غير مرغوب فيه سياسيًا ومطلوب اقتصاديًا… قارة تشيخ وتشدد حدودها ثم تبحث عن الأطباء والممرضين والمهندسين والحرفيين، فمن يتحمل كلفة تكوين الكفاءات التي تستقطبها؟
في يوم 12 يونيو 2026 دخل الميثاق الأوروبي الجديد للهجرة واللجوء حيز التطبيق، حاملاً معه منظومة أكثر صرامة في فحص الوافدين عند الحدود، وتسريع بعض مساطر اللجوء والإرجاع، وتحديد المسؤوليات بين الدول الأوروبية، وتعزيز أدوات مواجهة الهجرة غير النظامية والضغوط على الحدود. وقبل ذلك بيومين فقط، كان الاتحاد الأوروبي يبرز مشروعًا آخر في الاتجاه المعاكس ظاهريًا: «مخزون المواهب الأوروبي»، وهو منصة تهدف إلى تمكين المشغلين الأوروبيين من البحث خارج الاتحاد عن العمال والكفاءات التي يحتاجون إليها في المهن التي تعاني الخصاص.
يومان فقط يفصلان بين الصورتين.
في الصورة الأولى: حدود، فحص، لجوء، إرجاع، مراقبة وتشديد.
وفي الثانية: أوروبا نفسها تبحث خارج حدودها عن أيدٍ عاملة ومهارات وكفاءات.
وهنا تظهر واحدة من أكبر مفارقات أوروبا المعاصرة: المهاجر قد يصبح مشكلة سياسية عندما يصل من الباب الذي لم تختره أوروبا، لكنه يتحول إلى حل اقتصادي عندما يدخل من الباب الذي فتحته هي.
* أوروبا لا تريد وقف الهجرة… إنها تريد اختيار المهاجر
ربما تكون هذه هي العبارة الأكثر دقة لفهم ما يجري.
الاتحاد الأوروبي لا يغلق أبوابه أمام كل المهاجرين، ولا يستطيع اقتصاديًا وديمغرافيًا أن يفعل ذلك أصلًا؛ إنه يحاول الفصل بصورة أكثر صرامة بين الهجرة غير النظامية واللجوء من جهة، والهجرة القانونية والاقتصادية المنتقاة من جهة أخرى.
فالميثاق الأوروبي الجديد لا يعني إلغاء الهجرة القانونية، بل على العكس، تتحدث المفوضية الأوروبية صراحة عن أن تنقل اليد العاملة والمواهب جزء من النموذج الاقتصادي الأوروبي، وعن ضرورة جذب الكفاءات من خارج الاتحاد لمواجهة الخصاص ودعم التنافسية. وفي استراتيجيتها للهجرة للسنوات الخمس المقبلة، أعلنت المفوضية أن فجوات المهارات ونقص اليد العاملة ستتفاقم في قطاعات أساسية، وأن أوروبا تريد أن تصبح أكثر جاذبية في «السباق العالمي على المواهب».
إذن نحن لسنا أمام أوروبا تقول ببساطة: «لا نريد المهاجرين».
الرسالة أكثر تعقيدًا: لا نريد الهجرة التي لا نتحكم فيها، لكننا نريد العامل الذي نحتاجه، والطبيب الذي ينقصنا، والمهندس الذي تبحث عنه شركاتنا، والممرض الذي تحتاجه مستشفياتنا، والتقني والحرفي والسائق والعامل المؤهل الذي لا نجد ما يكفي منه داخل مجتمعاتنا.
وهذه مفارقة سياسية واقتصادية تستحق النقاش.
* قارة تشيخ… والاقتصاد لا يستطيع التقاعد
المشكلة التي تواجه أوروبا ليست ظرفية. إنها في جزء مهم منها مشكلة ديمغرافية.
بلغ متوسط العمر الوسيط لسكان الاتحاد الأوروبي 44.9 سنة في بداية 2025، بعدما كان 39.6 سنة فقط سنة 2005، وأصبح الأشخاص البالغون 65 سنة فأكثر يمثلون نحو 22 في المائة من السكان. كما أن نسبة السكان في سن العمل تتراجع في مقابل ارتفاع عدد المتقاعدين وكبار السن.
والمسألة لن تتوقف هنا؛ فالتوقعات الأوروبية تشير إلى استمرار الشيخوخة السكانية وتراجع حجم السكان في العقود المقبلة إذا استمرت الاتجاهات الحالية.
والاقتصاد، خلاف الإنسان، لا يستطيع أن يبلغ سن التقاعد.
المستشفى يحتاج إلى طبيب وممرض. البيت الذي يُبنى يحتاج إلى كهربائي وسباك وبنّاء. الشاحنة تحتاج إلى سائق. المصنع يحتاج إلى تقني. الشركة تحتاج إلى مهندس ومتخصص في التكنولوجيا. والشخص المسن يحتاج إلى من يقدم له الرعاية.
لهذا تجد أوروبا نفسها أمام معادلة لا يمكن حلها بالشعارات الانتخابية وحدها: كلما شاخ المجتمع، ازداد عدد من يحتاجون إلى الخدمات والرعاية والمعاشات، وفي الوقت نفسه تقل نسبيًا الفئة التي يفترض أن تعمل وتنتج وتدفع الضرائب وتمول أنظمة الحماية الاجتماعية.
* صناديق الاقتراع تقول شيئًا… وسوق العمل تقول شيئًا آخر
في عدد من الدول الأوروبية تحولت الهجرة إلى واحد من أكثر الملفات حساسية في الانتخابات والنقاش السياسي، وصعدت أحزاب وقوى سياسية على خطاب تشديد الحدود وتقليص أعداد الوافدين. لكن سوق العمل لا يصوت. إنه يقدم حساباته الباردة.
وتقرير هيئة العمل الأوروبية لسنة 2025، الصادر في يونيو 2026، يؤكد أن الخصاص في العمال ما زال واسعًا وهيكليًا في أوروبا، وأنه مرتبط، من بين عوامل أخرى، بالتغير الديمغرافي وعدم تطابق المهارات وظروف العمل وضعف التنقل المهني. والخصاص شديد خصوصًا في قطاعي الصحة والرعاية، بما يشمل الأطباء والممرضين ومقدمي الرعاية، كما يستمر في عدد من المهن التقنية والحرفية وغيرها.
بل إن المفوضية الأوروبية أقرت في دراسة حديثة بأن ارتفاع تشغيل الأشخاص المولودين خارج الاتحاد ساهم فعليًا في تخفيف نقص اليد العاملة، وأن نسبة المولودين خارج الاتحاد ضمن السكان في سن العمل ارتفعت من نحو 8 في المائة سنة 2014 إلى أكثر من 12 في المائة سنة 2024.
وهنا تتضح المفارقة أكثر: السياسة تخشى أحيانًا المهاجر، بينما الاقتصاد يبحث عنه.
* الطبيب مرحب به… والقارب غير مرحب به
طبعًا، من حق كل دولة أن تضبط حدودها، ومن حق أوروبا أن تحارب شبكات تهريب البشر والهجرة غير النظامية، كما أنه من غير المنطقي مساواة طالب اللجوء بالعامل المهاجر أو الخلط بين جميع أنواع الهجرة.
لكن النقاش الأخلاقي يبدأ عندما تصبح المنظومة الدولية وكأنها تقول لشباب الجنوب:
إذا وصلت إلينا بطريقة لم نخترها فأنت عبء يجب التخلص منه سريعًا.
أما إذا كنت طبيبًا أو مهندسًا أو ممرضًا أو تقنيًا نحتاجه، فسوف ننشئ الآليات القانونية التي تسهل وصولك.
الأمر ليس غير قانوني، وقد يكون مفيدًا للعامل نفسه، لكن من حق البلدان الأصلية أن تسأل عن توازن المصالح.
وهنا يأتي المغرب.
* من يدفع ثمن الطبيب المغربي الذي تعالج به أوروبا خصاصها؟
عندما يغادر شخص دون تأهيل كبير بحثًا عن فرصة عمل، فإن النقاش الاقتصادي يأخذ شكلًا معينًا.
لكن المسألة تصبح مختلفة عندما يغادر طبيب أمضت الدولة والمجتمع سنوات طويلة في تكوينه، أو مهندسًا درس في مؤسسات عمومية، أو ممرضًا أو تقنيًا متخصصًا في وقت يحتاج فيه المغرب نفسه إلى هذه الكفاءات.
ليس المقصود أن نحاصر الناس أو نحرمهم حقهم في البحث عن حياة أفضل؛ حرية التنقل والطموح المهني حقان يجب احترامهما.
لكن السؤال هو: من يدفع كلفة تكوين الكفاءة، ومن يحصل في النهاية على مردودها؟
منظمة التعاون والتنمية الاقتصادية نفسها تحذر من أن اعتماد الدول الغنية المتزايد على الأطباء والممرضين القادمين من الخارج يمكن أن يخفف خصاص الدول المستقبلة، لكنه قد يعمق نقص الموارد البشرية في بلدان المنشأ. وفي سنة 2023 كان أكثر من 600 ألف طبيب تلقوا تدريبهم في الخارج يعملون داخل بلدان المنظمة، ويمثلون في المتوسط نحو خمس الأطباء الممارسين فيها.
والمغرب ليس بعيدًا عن هذه الظاهرة.
دراسة اقتصادية للمنظمة حول المغرب أشارت إلى أن نحو ثلث المهاجرين المغاربة يتمتعون بتعليم عالٍ، وهي نسبة أكبر بكثير من حصتهم داخل مجموع السكان البالغين، ما يعني أن الهجرة يمكن أن تتحول أيضًا إلى استنزاف لرأس مال بشري راكم المغرب جزءًا مهمًا من كلفة تكوينه.
ليس الحل أن نمنع الطبيب من الرحيل. ولن أصطف إلى جانب من يطالبون بمنع الكفاءات المغربية من الهجرة. فالطبيب والمهندس والممرض ليسوا ممتلكات للدولة.
ومن حقهم البحث عن أجور أفضل وظروف عمل أحسن وآفاق مهنية أوسع.
بل إن السؤال الأول يجب أن يوجه إلى بلدان المنشأ نفسها: لماذا يفضل بعض أبنائها الرحيل؟
إذا كانت الأجور غير محفزة، وظروف العمل صعبة، وفرص البحث والتخصص والترقي محدودة، فمن الطبيعي أن يصبح العرض الأوروبي مغريًا.
إذن معركة الاحتفاظ بالكفاءات تبدأ في المغرب قبل أن تبدأ في مطارات أوروبا.
لكن ذلك لا يعفي أوروبا من مسؤولية أخلاقية أخرى: لا يمكن بناء سياسات سد الخصاص بصورة دائمة على استقدام كفاءات أنفقت بلدان أخرى موارد كبيرة لتكوينها، خصوصًا عندما تعاني تلك البلدان بدورها خصاصًا في القطاعات نفسها.
ومنظمة الصحة العالمية نفسها تدعو إلى التوظيف الدولي الأخلاقي للعاملين في الصحة وإلى تحقيق توازن بين مصالح البلدان المستقبلة وبلدان المنشأ والمهنيين أنفسهم.
* لماذا لا يتحول استقطاب الكفاءات إلى شراكة عادلة؟
هنا يمكن الانتقال من الاحتجاج إلى الاقتراح. إذا كانت أوروبا ستحتاج في السنوات المقبلة إلى المزيد من الكفاءات القادمة من المغرب ومن إفريقيا، فلماذا لا تصبح الهجرة القانونية جزءًا من شراكة أكثر عدلًا؟
يمكن أن تساهم البلدان المستقبلة في تمويل تكوين أعداد أكبر من الأطباء والممرضين والتقنيين داخل بلدان المنشأ.
ويمكن إنشاء برامج تكوين مشتركة، وتشجيع الهجرة الدائرية التي تسمح للمهني بالعمل في الخارج ثم العودة بخبرة جديدة، وتسهيل مشاريع واستثمارات أفراد الجالية في بلدانهم، وتمويل تخصصات إضافية تعوض النقص الذي يخلفه الاستقطاب.
وبذلك تتحول الهجرة من عملية تنقل للكفاءة من الجنوب إلى الشمال إلى عملية تبادل ينتفع منها الطرفان.
لا أن يدفع بلد تكلفة التكوين، ويجني بلد آخر ثمرة الكفاءة جاهزة.
* أوروبا تريد من الجنوب أمرين في وقت واحد
وهناك مفارقة أخرى أكثر حساسية.
أوروبا تريد من دول جنوب المتوسط وإفريقيا أن تتعاون معها في ضبط الهجرة غير النظامية، ومكافحة شبكات التهريب، وقبول إعادة بعض المهاجرين، وهي تجعل التعاون في مجال العودة وإعادة القبول جزءًا واضحًا من استراتيجيتها الجديدة.
وفي الوقت نفسه، تريد أن تستقطب من تلك البلدان العمال والمهارات التي يحتاجها اقتصادها.
أي أن بلدان الجنوب مطالبة، بصورة مبسطة، بأن تساعد أوروبا على منع من لا تحتاج إليهم، بينما تسهل انتقال من تحتاج إليهم.
وهنا يصبح من حق هذه البلدان أن تتفاوض أيضًا انطلاقًا من مصالحها هي.
فالشراكة الحقيقية لا تعني أن تتحول دول الجنوب إلى حراس للحدود الأوروبية ومستودعات تنتقي أوروبا منها أفضل الكفاءات متى احتاجت إليها.
الشراكة تعني أن تكون الهجرة، والعودة، والتكوين، والاستثمار، وتشغيل الشباب، والتنمية، وانتقال المهارات أجزاء من معادلة واحدة متوازنة.
* المهاجر ليس مشكلة وحلًا في الوقت نفسه
ربما تكون أوروبا أمام لحظة تحتاج فيها إلى مصارحة نفسها.
لا يمكن أن يستمر الخطاب العام في تقديم المهاجر باعتباره أصل المشاكل السياسية والاجتماعية، بينما تعتمد قطاعات اقتصادية وخدماتية أساسية بصورة متزايدة على العمال المهاجرين.
ولا يجوز بالطبع إنكار أن للهجرة تكاليف وتحديات مرتبطة بالسكن والمدارس والصحة والاندماج والأمن، أو أن التدفقات غير المنظمة قد تضع بعض الدول والمدن تحت ضغط حقيقي.
لكن يجب أيضًا ألا يُخفى الوجه الآخر للمعادلة.
المهاجر يعمل. وينتج. ويدفع الضرائب. ويعالج المرضى. ويبني البيوت. ويقود الشاحنات. ويرعى كبار السن.
ويساهم في سد فراغات ديمغرافية ومهنية لم تعد الاقتصادات الأوروبية قادرة دائمًا على ملئها من سكانها وحدهم.
ولهذا فإن النقاش الناضج ليس: الهجرة مع أو ضد؟
بل: أي هجرة؟ وبأي شروط؟ ولصالح من؟ وبأي توزيع للتكاليف والمكاسب بين بلد الأصل وبلد الاستقبال والمهاجر نفسه؟
* أوروبا تغلق الباب… لكنها تترك نافذة مفتوحة للكفاءات
في النهاية تبدو الصورة أكثر وضوحًا. أوروبا لا تتجه نحو عالم بلا مهاجرين. إنها تتجه نحو نظام تريد فيه أن تحدد بصورة أكبر من يدخل، وكيف يدخل، ولماذا يدخل، وماذا يستطيع أن يقدم لسوق عملها. وهذا حق سيادي مفهوم. لكن للدول التي تأتي منها تلك الكفاءات حقًا هي الأخرى في طرح أسئلتها.
فإذا كان المغرب يكوّن طبيبًا تحتاجه مستشفياته، ثم تستقطبه أوروبا لسد خصاص مستشفياتها، فلا ينبغي أن ينتهي النقاش عند عبارة «حرية التنقل».
وإذا كانت أوروبا تحتاج إلى الشباب بسبب شيخوخة سكانها، فينبغي ألا تنظر إلى شباب الجنوب باعتبارهم تهديدًا عندما لا تحتاج إليهم، وموردًا بشريًا ثمينًا عندما تحتاج إليهم.
المعادلة يجب أن تكون أكثر عدلًا.
حق أوروبا في حماية حدودها لا يلغي حق المغرب ودول الجنوب في حماية رأسمالها البشري.
وحق الطبيب والمهندس والتقني في الرحيل لا يعفي بلده من واجب توفير أسباب البقاء.
وحاجة أوروبا إلى الكفاءات لا ينبغي أن تتحول إلى استنزاف صامت لبلدان تحتاج إلى الكفاءات نفسها.
وهكذا نصل إلى المفارقة التي بدأت بها الحكاية: أوروبا تشدد أبواب الهجرة غير النظامية، ثم تفتح نوافذ لاستقدام من تحتاج إليهم.
لكن السؤال الذي ينبغي أن يطرحه المغرب والجنوب ليس لماذا تفتح أوروبا هذه النوافذ…
بل: ماذا سنفعل نحن حتى لا نظل ندفع ثمن تكوين الكفاءات، بينما يجني الآخرون أفضل ثمارها؟
رئيسية 








الرئيسية 






