*بقلم: بوشعيب حمراوي*
لا تجعلوا الجدل الهامشي يحجب انتخابات ستحدد وجه البرلمان والحكومة ومستقبل البلاد… المغاربة حسموا علاقتهم برسولهم منذ قرون، فاحسموا أنتم موقفكم من الغلاء والبطالة والصحة والتعليم، ومن سيحكم خلال السنوات الخمس المقبلة
أعاتب كل من يمتلك منبراً أو قلماً أو حضوراً مؤثراً في النقاش العمومي، ثم يختار في هذه المرحلة الحساسة أن يستنزف وقته ووقت المغاربة في قضايا هامشية أو في مواضيع يمكن مناقشتها في ظروف أخرى، بينما البلاد مقبلة على انتخابات تشريعية ستحدد تركيبة البرلمان المقبل، وستفرز الأغلبية التي ستنبثق عنها الحكومة، بما يعنيه ذلك من تأثير مباشر في مستقبل المغرب الاقتصادي والاجتماعي وفي مختلف مناحي حياة المواطنين.
ولست مع أي كان في النقاش الدائر بشأن الرسول الكريم محمد صلى الله عليه وسلم، لا لأن الموضوع لا يستحق الاحترام، بل لأن المغاربة والمسلمين حسموا منذ قرون علاقتهم برسولهم حباً وإجلالاً واقتداءً. نحن لا نحتاج إلى مناظرة جديدة لنعرف من هو محمد صلى الله عليه وسلم، ولا إلى حملات إلكترونية حتى نقرر مكانته في قلوبنا. اختيار الرسول كان من عند الله، وليس من عند بشر، وقد أدى الأمانة وبلغ الرسالة ونصح الأمة، وكان نموذجاً في الخلق والعلم والحكمة والرحمة والتواضع.
ولهذا أرى أن تحويل كل تصريح مثير إلى معركة وطنية واسعة، وإشغال الناس أياماً بالردود والردود المضادة، قد يمنح بعض الأقوال من الشهرة والانتشار أكثر مما تستحق، وقد يجعل من صاحب التصريح، من حيث لا ندري، هو من يحدد للمغاربة جدول أعمالهم.
اتركوا الرسول في مقامه
رسول الله صلى الله عليه وسلم لا يحتاج منا إلى أن نحول اسمه الشريف إلى مادة يومية لصناعة الضجيج أو البحث عن المشاهدات، ولا يحتاج إلى أن ندخل في سباق لإثبات من يحبه أكثر.
الدفاع الحقيقي عن قيمه يكون كذلك بمحاربة الظلم والفساد والرشوة والغش وخيانة الأمانة، وبالدفاع عن الفقير والمريض والعاطل، وعن المدرسة والمستشفى والعدل وكرامة الإنسان.
وأجمل وفاء لرسول الرحمة أن ندافع عن الرحمة بين الناس، وأجمل وفاء لرسول العدل أن نناهض الظلم، وأجمل وفاء لرسول العلم أن ندافع عن تعليم جيد، وأجمل وفاء لرسول الأمانة أن نطالب بمسؤولين أمناء.
وانزلوا إلى مشاكل المغاربة
المغرب لا تنقصه القضايا التي تستحق النقاش. هناك غلاء يرهق الأسر، وشباب يبحث عن فرص الشغل، ومدرسة عمومية تحتاج إلى مزيد من الجودة والإنصاف، وقطاع صحي ينتظر تحسين الخدمات والموارد والتجهيزات، ومقاولات تواجه صعوبات، ومناطق تعاني التفاوتات المجالية، إلى جانب ملفات الماء والفلاحة والسكن والنقل والحماية الاجتماعية والاستثمار.
وفوق كل ذلك، نحن أمام انتخابات يجب أن تكون فرصة حقيقية للمحاسبة والاختيار الواعي. علينا أن نسأل الأحزاب: ماذا أنجزتم؟ وأين أخفقتم؟ وماذا تقترحون للسنوات المقبلة؟
وعلينا أن نسأل المرشحين: ماذا تعرفون عن مشاكل المواطنين؟ ماذا ستفعلون داخل البرلمان؟ ما مواقفكم من التعليم والصحة والتشغيل والاقتصاد والحماية الاجتماعية؟ وهل أنتم قادرون فعلاً على التشريع ومراقبة الحكومة وتمثيل الناس؟
هذه هي الأسئلة التي تستحق أن تتصدر النقاش العمومي.
لا تجعلوا الانتخابات تمر في ظل الضجيج
الخطر ليس في نقاش عابر يستمر يوماً أو يومين، بل في أن تتوالى المعارك الهامشية إلى أن نصل إلى صناديق الاقتراع دون أن نكون قد ناقشنا بجدية من سننتخب ولماذا.
فالناخب يوم التصويت لا يختار مجرد اسم فوق ورقة، بل يساهم في تشكيل البرلمان، ومن خلال موازين القوى داخله تتحدد الأغلبية والحكومة التي ستتولى تدبير السياسات العمومية لسنوات.
لذلك لا يعقل أن نحشد كل هذا الاهتمام حول تصريح فرد قد ينساه الناس بعد أيام، بينما لا نجد الحماس نفسه لمناقشة برنامج حزب يمكن أن يؤثر في حياة المغاربة خمس سنوات كاملة.
لا أطلب الصمت… بل ترتيب الأولويات
لا أحد يملك الحق في منع الناس من مناقشة الدين أو الفكر أو أي قضية أخرى، لكن لكل مرحلة أولوياتها، والمجتمع الواعي ليس فقط هو الذي يناقش كل شيء، بل هو الذي يعرف ماذا يجب أن يناقش أولاً.
واليوم، الأولوية في تقديري هي المغرب. الأولوية هي المواطن. الأولوية هي الانتخابات المقبلة، والبرلمان والحكومة اللذان ستفرزهما، والبرامج التي ستحدد مستقبل التعليم والصحة والتشغيل والاستثمار والعدالة الاجتماعية.
اتركوا الرسول في مقامه السامي في قلوب المغاربة، فهو أكبر من أن تهز مكانته خرجة إعلامية أو تصريح عابر. وانزلوا إلى مشاكل الناس. ناقشوا البطالة والغلاء، وناقشوا الصحة والتعليم، وحاسبوا الأحزاب، وامتحنوا المرشحين، وافتحوا ملفات الاختلالات والوعود والبرامج.
فالضجيج سيمر، أما الاختيارات التي ستصنعها صناديق الاقتراع، فقد يعيش المغاربة نتائجها سنوات طويلة.
رئيسية 








الرئيسية 






