قصة مستوحاة من معيش يومي
*بقلم: الدكتور أنور الشرقاوي*
ليست كل النساء حين يشتد بهن الألم يرفعن أصواتهن.
بعضهن يكتفين برفع رؤوسهن إلى السماء، وينظرن إليها طويلاً، كأن بينهن وبينها حديثاً سرياً لا يحتاج إلى لغة.
في كل مدينة، وربما في كل حي، يمكن أن توجد امرأة من هذا النوع.
امرأة عادية في نظر الناس، لكنها تحمل في داخلها ما لا تستطيع الجبال أن تحمله طويلاً.
قد يبدأ الأمر بمرض يسكن الجسد، ويحتاج إلى دواء ومتابعة وصبر. وقد يأتي بعده امتحان آخر في أحد أفراد الأسرة، ثم آخر، حتى يصبح البيت نفسه أشبه بسفينة تمخر بحرًا لا يهدأ.
في مثل هذه البيوت، لا تأتي المحن دائماً منفردة.
قد يكون هناك طفل يحتاج إلى رعاية دائمة، وآخر يحتاج إلى حضن، ورفيق حياة بدأ الزمن ينتزع منه شيئاً من ذاكرته أو قدرته على الاعتماد على نفسه، بينما صاحبة البيت نفسها تحتاج إلى من يسألها ذات مساء: كيف حالك أنت؟
لكن السؤال، في كثير من الأحيان، لا يأتي.
لأن الجميع اعتاد أن يرى ربة البيت وهي تعطي، ولم يتعلم أن يسألها عما بقي لديها كي تعطيه.
وهناك نساء يتحولن، مع مرور الأيام، إلى ما يشبه العمود الذي يستند إليه البيت كله.
لا لأنهن أقوى من غيرهن. ولا لأن الألم لا يصيبهن. بل لأن الحياة، حين تضع بين أيديهن من يحتاج إليهن، تجعلهن يؤجلن حقهن في الانهيار.
قد يمرض الجسد، لكن المسؤولية لا تمرض.
قد تتعب الروح، لكن موعد الدواء لا يتأخر.
قد تنزل الدموع، لكن الطعام يجب أن يكون على المائدة.
وهكذا تمضي الأيام.
امرأة ترعى، وتتابع، وتصبر، وتداري، وتبتسم حين تستطيع، وتصمت حين لا تستطيع.
وحين ينام الجميع، ربما تجلس وحدها.
هناك، بعيداً عن العيون، تسمح لنفسها بأن تكون إنسانة فقط.
لا أماً قوية.
ولا زوجة صابرة.
ولا ربة بيت تعرف دائماً ماذا تفعل.
فقط إنسانة متعبة.
قد تبكي قليلاً.
قد تنظر إلى السماء.
وقد تسأل نفسها، للحظة قصيرة، من أين يأتي كل هذا الصبر؟
ثم تمسح دموعها.
وفي الصباح، تبدأ من جديد.
هذه ليست قصة امرأة بعينها.
إنها صورة تتكرر، بأشكال مختلفة، في بيوت كثيرة.
فالمرض لا يختار دائماً بيتاً بعينه، والفقد لا يستأذن، والذاكرة قد تتراجع، والأجساد قد تضعف، والمسؤوليات قد تتراكم.
لكن الذي يختلف من بيت إلى آخر هو الإنسان أمام المحنة.
هناك من ينكسر.
وهناك من يصرخ.
وهناك من ينسحب.
وهناك من يختار أن يقف، ولو كان الوقوف يؤلمه.
وربما هنا تكمن عظمة ربة البيت.
ليست عظمتها في أنها لا تسقط.
بل في أنها، حين تسقط في داخلها، تجد بطريقة ما ما يكفيها لكي تقف في الخارج.
لا تحتاج هذه المرأة إلى تمثال.
ولا إلى لقب.
ولا إلى خطاب طويل عن البطولة.
يكفي أن يُعترف بأن خلف الهدوء الظاهر معارك لا تُرى.
وأن وراء كثير من البيوت نساء يحملن أعباء لا تظهر في الصور العائلية، ولا في المناسبات، ولا في الأحاديث العابرة.
نساء لا يطلبن الشفقة.
كل ما يحتجن إليه أحياناً هو أن يفهم من حولهن أن الصمت ليس دائماً راحة، وأن الابتسامة ليست دائماً دليلاً على أن كل شيء بخير.
وربما أجمل ما يمكن أن يقال لامرأة كهذه ليس: أنت قوية.
بل:. لك الحق في أن تتعبي.
ولك الحق في أن تبكي.
ولك الحق في أن تحتاجي إلى من يسندك.
ثم يقال لها: ومع ذلك، حين احتاجك الآخرون، كنت هناك.
وحين كان البيت مهدداً بالانطفاء، كنت تحاولين أن تبقي فيه شيئاً من الضوء.
لهذا تستحقين الاحترام.
ولهذا تستحقين تعظيم السلام.
ليس لأنك لم تعرفي الانكسار، بل لأنك عرفتِه ولم تسمحي له أن يكون نهايتك.
ولعل السماء وحدها تعرف كم مرة انحنى قلبك... ثم رفعتِ رأسك من جديد.
سلامٌ على كل امرأة تحمل أكثر مما تقول، وتبكي أقل مما تتألم،
وتمنح أكثر مما تأخذ، وتظل، رغم كل شيء، واقفة.
رئيسية 








الرئيسية 





