◆ محاربة الفساد… من تكرار الوعود إلى امتحان التنفيذ
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
من تعثر التشريع إلى محاسبة المسؤولين والمنتخبين ومسيري الشركات العمومية… هل تنجح الحكومة في إخضاع الثروات غير المبررة للمراقبة وتجفيف منابع تضارب المصالح وحماية المال العام؟
ليس جديدًا أن تتعهد حكومة مغربية بمحاربة الفساد وتخليق الحياة العامة وربط المسؤولية بالمحاسبة. الجديد الذي ينتظره المغاربة هو الانتقال من الشعارات إلى التشريعات، ومن التصريحات إلى المحاسبة، ومن تسجيل الممتلكات إلى مراقبة مصادر الثروات وتطورها.
حين أعلنت رئيسة الحكومة فاطمة الزهراء المنصوري، يوم الاثنين 19 أكتوبر 2026، أمام البرلمان، عزم حكومتها تجريم الإثراء غير المشروع، ومعاقبة تضارب المصالح، وتعزيز التصريح الإجباري بالممتلكات، وتجريم إفشاء المعلومات للحصول على امتيازات، أعادت إلى الواجهة ملفًا ظل لسنوات موضوع نقاش وتأجيل.
والأهم أنها ربطت استعادة ثقة المواطنين في المؤسسات بالمحاربة الفعلية للفساد وتضارب المصالح.
لكن المغاربة لا ينتظرون وعدًا جديدًا بقدر ما ينتظرون معرفة كيف سيُنفذ، ومتى، وعلى من سيُطبق، وهل سيشمل جميع مواقع تدبير المال العام واتخاذ القرار؟
◆ مشروع تعثر سنوات… فمن يعيد إليه الحياة؟
في سنة 2016، أُحيل مشروع القانون رقم 10.16 المتعلق بتغيير وتتميم مجموعة القانون الجنائي على البرلمان، متضمنًا مقتضيات لتجريم الإثراء غير المشروع.
وأثار المشروع خلافات سياسية وقانونية بشأن الأشخاص المعنيين، وإثبات الزيادة غير المبررة في الثروة، والعقوبات والضمانات القضائية.
وفي نونبر 2021، سُحب المشروع من البرلمان بدعوى الحاجة إلى مراجعة شاملة للقانون الجنائي.
ومنذ ذلك الحين، ظل سؤال «من أين لك هذا؟» حاضرًا في النقاش العمومي، دون أن يتحول إلى آلية جنائية متكاملة للمساءلة عن الإثراء غير المشروع.
واليوم، يعود الملف مع حكومة جديدة، لكن التجربة السابقة تفرض الحذر من الاكتفاء بالإعلان السياسي.
فهل ستحدد الحكومة أجلًا لإيداع المشروع؟ وهل ستضمن مناقشته والمصادقة عليه خلال هذه الولاية؟ أم سيظل رهين التجاذبات والتأجيل؟
◆ من أين لك هذا؟ سؤال لا يخيف المسؤول النزيه
الإثراء غير المشروع لا يعني تجريم الغنى، ولا افتراض أن كل مسؤول يمتلك ثروة كبيرة قد حصل عليها بطرق غير قانونية.
فالثروة قد تكون نتيجة إرث أو تجارة أو استثمار مشروع أو نشاط مهني سابق.
لكن حين ترتفع ممتلكات مسؤول عمومي بصورة كبيرة لا تتناسب مع موارده المشروعة، يصبح من حق المؤسسات المختصة البحث في مصادر تلك الزيادة وفق القانون.
وهو التوجه الذي تنص عليه المادة العشرون من اتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد، مع مراعاة المبادئ الدستورية والقانونية لكل دولة.
غير أن نجاح التشريع يتطلب تحديد الأشخاص المشمولين به، وآليات التحقيق، ووسائل الإثبات، وضمانات الدفاع والمحاكمة العادلة.
فلا ينبغي تحويل الاشتباه إلى إدانة، ولا استعمال قرينة البراءة ذريعة تمنع التحقيق في مؤشرات جدية على الإثراء غير المبرر.
◆ التصريح بالممتلكات… أوراق محفوظة أم ثروات مراقبة؟
ينص الفصل 158 من الدستور المغربي على التصريح الإجباري بالممتلكات بالنسبة إلى المسؤولين العموميين وفق الشروط القانونية.
لكن الإشكال الحقيقي لا يكمن في إلزام المسؤول بوضع تصريح عند توليه منصبه، وإنما في مراقبة تطور ممتلكاته أثناء ممارسة المسؤولية وبعد انتهائها.
فما جدوى التصريح إذا لم تُقارن المعطيات؟ وما قيمته إذا لم تشمل المراقبة الممتلكات العقارية والمنقولة والحسابات والمساهمات التجارية والاستثمارات؟
وما الذي يمنع نقل بعض الممتلكات إلى أسماء أشخاص آخرين للتحايل على المراقبة؟
المطلوب منظومة رقمية وقانونية متكاملة، تسمح للجهات المختصة بمقارنة التصريحات بالمعطيات العقارية والضريبية والمالية، وتتبع الملكية غير المباشرة عند وجود مؤشرات جدية، مع حماية الحقوق المشروعة للأقارب والمعطيات الشخصية.
فالتصريح بالممتلكات ينبغي ألا يبقى مجرد التزام إداري، بل وسيلة حقيقية للوقاية والكشف والمحاسبة.
◆ تضارب المصالح… عندما تصبح السلطة وسيلة للامتياز
لا يقل تضارب المصالح أهمية عن الإثراء غير المشروع.
فقد يشارك مسؤول في اتخاذ قرار يمنح منفعة لشركة يساهم فيها، أو يصادق منتخب على مشروع قد يخدم مصالحه العقارية، أو يتدخل صاحب نفوذ في توجيه صفقة نحو جهة تربطه بها مصالح خاصة.
وجود المصلحة لا يثبت بالضرورة وقوع جريمة، لكنه يستوجب الإفصاح عنها ومنع المشاركة في القرار عند الاقتضاء.
ويؤكد الفصل 36 من الدستور ضرورة معاقبة المخالفات المتعلقة بتنازع المصالح واستغلال النفوذ والامتيازات.
ومن هنا تأتي الحاجة إلى تشريع واضح يحدد حالات التضارب، وواجب التصريح بالمصالح، وإجراءات التنحي، والعقوبات المناسبة.
◆ الجماعات الترابية والغرف المهنية… المحاسبة لا ينبغي أن تكون انتقائية
لن تكون محاربة الإثراء غير المشروع شاملة إذا انحصرت في الوزراء والبرلمانيين وكبار الموظفين، وأغفلت باقي المؤسسات التي تتولى تدبير الميزانيات والممتلكات والصفقات العمومية.
فالمراقبة ينبغي أن تشمل، وفق المسؤوليات والاختصاصات القانونية، مجالس الجماعات، ومجالس العمالات والأقاليم، ومجالس الجهات، والغرف المهنية، ومؤسسات التعاون بين الجماعات، ومجموعات الجماعات الترابية.
كما ينبغي أن تمتد إلى الهيئات المشتركة المكلفة بتدبير النقل العمومي والنظافة وجمع النفايات ومعالجتها والتطهير والإنارة والأسواق والمرافق الجماعية.
فهذه القطاعات ترتبط بصفقات وعقود تفويض واستثمارات وقرارات قد تكون لها انعكاسات مالية وعقارية كبيرة.
ومن الضروري مراقبة تضارب المصالح في إعداد دفاتر التحملات، ومنح الرخص، وتفويت العقارات، واستغلال المقالع، وتدبير الأسواق، وإبرام العقود.
ولا يتعلق الأمر باتهام المنتخبين والموظفين، بل بحماية النزهاء منهم ومنع تحويل المسؤولية إلى وسيلة لتحقيق مصالح خاصة.
◆ الشركات الجديدة… هل تتوسع المسؤوليات بالقدر نفسه الذي تتوسع فيه الاختصاصات؟
عرف المغرب توسعًا في إحداث شركات ومؤسسات تتولى تدبير المرافق والخدمات والمشاريع الترابية، من بينها شركات التنمية المحلية والجهوية، والشركات الجهوية متعددة الخدمات.
وتتميز بعض هذه الصيغ بمشاركة الجماعات الترابية ومؤسسات عمومية، وبأدوار للولاة والعمال والسلطات المختصة في المواكبة والتنسيق والمراقبة، تختلف بحسب طبيعة كل شركة وإطارها القانوني.
وهنا يبرز سؤال جوهري: هل ستواكب منظومة مكافحة الفساد هذا التحول المؤسساتي؟
فانتقال بعض المرافق من التدبير المباشر إلى التدبير بواسطة الشركات لا ينبغي أن يؤدي إلى إضعاف الرقابة أو تشتيت المسؤوليات بين المنتخبين والسلطات الترابية ومجالس الإدارة والمديرين التنفيذيين.
بل يستوجب إخضاع المسؤولين عن القرارات المالية والتعاقدية لقواعد صارمة بشأن تضارب المصالح والتصريح والإفصاح والمحاسبة، وفق القانون.
كما ينبغي مراقبة التعيينات والتعويضات والصفقات والاستثمارات والعقود المبرمة مع الشركات الخاصة.
فالمهم ليس فقط من يمتلك سلطة القرار، بل كيف يستعملها، ومن يستفيد منها، ومن يراقب تنفيذها.
المال العام يظل مالًا عامًا، سواء دبرته جماعة أو جهة أو مؤسسة أو شركة مكلفة بخدمة عمومية. ولا ينبغي أن يسمح تعدد الهياكل بظهور مناطق معفاة عمليًا من المحاسبة.
◆ محاربة الفساد لا تعني تصفية الحسابات
إن أخطر ما قد يواجه هذا الورش هو انتقائية التطبيق، أو تحويل القانون إلى وسيلة لتصفية الخلافات السياسية والشخصية.
لذلك ينبغي أن يقوم على استقلال القضاء، ووضوح المسؤوليات، وحق الدفاع، وقرينة البراءة، وحماية المبلغين بحسن نية، والتصدي للتبليغات الكيدية.
كما يجب التمييز بين الإجراءات الوقائية لمنع تضارب المصالح، والعقوبات الجنائية التي تستوجب إثبات الأفعال المجرمة.
فالعدالة لا تتحقق بالتشهير بالمشتبه فيهم، وإنما بالتحقيق النزيه والمحاكمة العادلة وتنفيذ الأحكام.
◆ الحكومة أمام امتحان الأفعال لا النوايا
إن تعهد حكومة المنصوري بتجريم الإثراء غير المشروع يمكن أن يشكل خطوة تشريعية مهمة، شريطة أن يُترجم إلى مشروع واضح وجدول زمني معلن.
والمطلوب إشراك المؤسسات الرقابية والقضائية والهيئات الحقوقية والخبراء في بلورة منظومة متكاملة، مع نشر حصيلة دورية عن مراقبة التصريحات بالممتلكات، وحالات تضارب المصالح، والأحكام النهائية، والأموال المسترجعة.
فمحاربة الفساد ليست مجرد عقوبات، بل وقاية وشفافية ورقابة واسترجاع للمال العام.
◆ لا نريد مطاردة الأغنياء بل محاسبة الإثراء غير المشروع
ليس الغنى جريمة، ولا المسؤولية العمومية تهمة. لكن المال العام ليس ملكًا لمن يدبره، والمنصب ليس رخصة للامتياز والاغتناء غير المشروع.
لقد أعادت حكومة المنصوري هذا الملف إلى الواجهة، ووضعت نفسها أمام التزام قابل للقياس والمساءلة.
ويبقى السؤال: هل ستنجح في إخراج قانون يشمل مختلف مواقع القرار وتدبير المال العام، ويضمن المحاسبة دون انتقائية، ويحمي الأبرياء دون أن يوفر الحماية للمفسدين؟
المغاربة لا يحتاجون إلى قانون قوي في عنوانه وضعيف في تطبيقه، بل إلى عدالة لا تستثني أحدًا، ورقابة لا تتوقف عند باب مؤسسة، ومحاسبة لا تضيع بين تعدد المجالس والشركات والمسؤوليات.
لقد عاد الإثراء غير المشروع إلى الطاولة… فهل تفعلها حكومة المنصوري هذه المرة؟
رئيسية 








الرئيسية




