العلم الالكترونية - حفصة الشادلي (صحافية متدربة)
قد لا تكون الساعات الأولى من الفجر التي تقضيها مستيقظا بذهن صاف دون سبب واضح مجرد مشكلة أرق عابرة، بل ربما تكون اللحظة الأكثر فطرة وانسجاما مع طبيعتك البشرية الغائبة، فخلف جدران غرف النوم المعاصرة يختبئ سر تاريخي مذهل يؤكد أن نومنا المتواصل لثماني ساعات هو مجرد اختراع صناعي طارئ وليس نظاماً طبيعيا، مما يجعل يقظتك الليلية المفاجئة استعادة عفوية لنمط عيش سلبته منا التكنولوجيا الحديثة بعد أن ظل سائداً لدى المجتمعات البشرية لقرون طويلة.
نوم أول يبدأ بعد الغروب..نوم ثان حتى الصباح
تكشف المخطوطات والوثائق القديمة أن المجتمعات الغربية منذ عهد الفلاسفة الإغريق وحتى نهاية العصر الفيكتوري اعتمدت على نظام النوم ثنائي الطور، وقد قضى المؤرخ الأمريكي "روجر إيكيرش" سنوات طويلة في نبش هذه الوثائق، حيث جمع في كتابه الشهير "عند نهاية النهار: الليل في الأزمنة الغابرة" ما يزيد عن 500 إشارة تاريخية صريحة للنوم الأول والثاني في المذكرات الشخصية والتقارير الطبية، والتي تؤكد أن ليلهم كان ينقسم لنوم أول يبدأ بعد الغروب، تليه فترة يقظة مخصصة للقراءة والزيارات العائلية، ثم نوم ثان حتى الصباح.
بالنسبة للبيئة المغربية..نوم خفيف يعرف ب"التعسيلة"
لم يختلف هذا الإيقاع الفطري في جوهره بالنسبة للبيئة المغربية والمسلمة العتيقة، لكنه اكتسب طابعا محليا ارتبط بالروحانيات والأنشطة المعيشية والزراعية اليومية، فقد كان النوم الأول ينطلق مباشرة بعد صلاة العشاء مع خلود الدروب إلى السكينة التامة، تليها فترة القيام في الثلث الأخير من الليل لتهجد المصلين ومراجعة طلبة العلم لألواحهم في المساجد والكتاتيب، بالتوازي مع تحضير الأمهات للخميرة البلدية، ثم يعود الجميع بعد صلاة الفجر لنوم خفيف يعرف ب"التعسيلة"، يستكملونه ب"القيلولة" وقت الظهيرة لمواجهة حرارة الطقس.
دراسة مخبرية أوائل التسعينات..هذا النمط مبرمج في جيناتنا
أوائل التسعينيات، قاد عالم الأعصاب والطب النفسي الأمريكي "توماس فير" دراسة مخبرية رائدة في المعهد الوطني للصحة العقلية بالولايات المتحدة لإثبات هذه الفطرة بيولوجيا، حيث وضع مجموعة من المتطوعين في بيئة خالية تماما من الضوء الاصطناعي طوال 14 ساعة يوميا لعدة أسابيع، وجاءت النتيجة مذهلة بتخلص أجسامهم تلقائيا من النوم المتصل، وعودتها لنظام ثنائي تفصله يقظة تنشط فيها إفرازات هرمون البرولاكتين المرتبط بالاسترخاء، مما يثبت أن هذا النمط مبرمج في جيناتنا وليس مجرد عادة اجتماعية زالت بالوقت.
أبحاث طب النوم الحديثة.."مرونة النوم البيولوجية"
تشير أبحاث طب النوم الحديثة، الصادرة عن الأكاديمية الأمريكية لطب النوم إلى أن جسم الإنسان لا يمتلك قالبا بيولوجيا واحدا صارما، بل يتمتع بما يعرف بـ "مرونة النوم البيولوجية"، ويوضح العلماء المعاصرون أن كلا النمطين، أحادي الطور وثنائي الطور، يمثلان خيارات طبيعية وصحية بالقدر نفسه، حيث تعتمد جودتها الأساسية على مدى توافق أوقات النوم مع الساعة البيولوجية الداخلية للفرد ومستويات إفراز هرمون الميلاتونين لديه، دون الحاجة لفرض نمط نوم واحد على كل البشر.
الثورة الصناعية.. نمط نوم متناسب مع العمل
إلا أن هذا التناغم الطبيعي انتهى تدريجيا مع أواخر القرن التاسع عشر ودخول شبكات الكهرباء وتعميم المصباح الكهربائي الذي حول الليل إلى نهار اصطناعي، وأجبرت الثورة الصناعية وساعات العمل الطويلة في المصانع البشر على دمج نومهم في كتلة واحدة صلبة تمتد لثماني ساعات متواصلة لتناسب أوقات الدوام الرسمية، ليتراجع نظام "النعستين" التاريخي تدريجيا ويتحول إلى نمط غريب عن الحياة اليومية الحديثة.
التطور التكنولوجي الحالي.. تخريب الإيقاع الفطري
ومع استمرار التطور التكنولوجي الحالي، دخلت الهواتف الذكية كعامل أكثر عمقا في مصادرة هدوء الليل وتخريب الإيقاع الفطري، فلم يعد الليل مجرد نهار اصطناعي بفضل المصابيح، بل أصبح فضاء رقميا مشحونا بالمنبهات البصرية، حيث يعمل الضوء الأزرق المنبعث من شاشات الهواتف على خداع الدماغ وتأخير إفراز هرمون الميلاتونين المسؤول عن النوم، مما يمنع الجسم من الدخول في مرحلة الاسترخاء الطبيعية ويقضي على فرص النوم الهادئ، هذا التطور المعاصر جعل من الصعب استعادة اليقظة الليلية الهادئة بطابعها القديم، فبدلا من استغلال تلك الساعات في التأمل والعبادة أو الزيارات العائلية المتبادلة بين الأقارب والجيران، أصبح الهاتف الذكي يلتهم هذه الفترة بالكامل.
إن يقظتك المفاجئة بذهنٍ متقد في منتصف الليل ليست خللا في جسدك، بل ربما هي نداء جيناتك القديمة التي تحاول استعادة إيقاعها الطبيعي، ذلك الإيقاع الفطري الذي قسم النوم لقرون إلى مرحلتين هادئتين قبل أن تصادره مصابيح الثورة الصناعية وشاشات الهواتف الذكية وتفرضه كأرقٍ مستعص.
رئيسية 








الرئيسية 




