شهادة صحفية تعيد فتح صفحات من التاريخ
★ العلم الإلكترونية - بقلم: بوشعيب حمراوي ★
قراءة في شهادة موثقة لعبد الله البقالي حول أحداث تيفلت سنة 1993.. من الوثائق الأمنية والقضائية وأرشيف جريدة «العلم» إلى مساءلة مصداقية إنكار عرشان لملفات أخرى من الماضي
ليست كل الحلقات الإعلامية مجرد مادة للاستهلاك العابر، وليست كل الشهادات الصحفية مجرد آراء تقبل الاتفاق والاختلاف.
فبعض الشهادات تتحول إلى وثائق تستحق أن تحفظ في ذاكرة الوطن، لأنها تنبش في أحداث حاول الزمن أن yغطيها، وتعيد إلى الواجهة أسماء ووقائع وتواريخ ظن البعض أنها أصبحت جزءاً من ماضٍ يمكن إعادة صياغته بالكلمات، أو اختصاره في جملة عابرة.
هكذا تلقيت الحلقة الأخيرة من البرنامج الرقمي «حديث البقالي»، التي خصصها الصحفي عبد الله البقالي للرد على تصريحات محمود عرشان، التي أدلى بها خلال استضافته من طرف الصحفي حميد المهداوي.
لم تكن الحلقة، في تقديري، مجرد رد إعلامي على تصريحات مثيرة للجدل، بل كانت محاولة لإعادة الاعتبار إلى ذاكرة مرحلة سياسية وانتخابية من تاريخ المغرب، وإلى مواطنين يقول البقالي إنهم تعرضوا للاعتقال والمحاكمة عقب الانتخابات التشريعية لسنة 1993 بدائرة تيفلت.
والأهم أن البقالي لم يكتف بسرد ذكرياته أو تقديم رواية شفوية عن تلك المرحلة، بل استحضر أمام المشاهدين وثائق أمنية وقضائية، وعرض سلسلة من المقالات والتحقيقات الصحفية التي كان ينشرها تباعاً بجريدة «العلم»، مواكباً مختلف مراحل القضية، من الأحداث الأولى إلى الاعتقالات والمحاكمات.
وهذه النقطة تحديداً تمنح شهادته بعداً توثيقياً يستحق التوقف عنده؛ فالرجل لم يكتف بالقول إنه كان حاضراً، بل عرض مواد أرشيفية قال إنها توثق ما شاهده وتابعه وكتبه في حينه.
◆ البقالي يميز بين الاتهام والشهادة
أكثر ما استوقفني في حديث عبد الله البقالي أنه لم ينسق وراء الإغراء الذي توفره الملفات المثيرة للجدل، وفي مقدمتها ملف معتقل درب مولاي الشريف بالدار البيضاء.
فالرجل تحدث عن الاتهامات التي ارتبطت باسم محمود عرشان بشأن الانتهاكات الجسيمة لحقوق الإنسان، لكنه أوضح أنه لا يمتلك دليلاً شخصياً قاطعاً يسمح له بإثبات تورطه أو نفيه.
كما أشار إلى أن عرشان سبق أن نفى هذه الاتهامات، وقدم روايته بشأن الأماكن التي كان يمارس فيها مهامه الأمنية خلال الفترات المعنية.
هذا التحفظ لا ينبغي أن يُفهَم ضعفاً في موقف البقالي، بل احتراماً للفارق الجوهري بين الشهادة المباشرة والرواية المنقولة.
فالصحفي الذي يدرك خطورة الاتهام دون دليل هو نفسه الذي يعرف أن السكوت عن وقائع يقول إنه عاينها قد يتحول إلى تفريط في واجبه المهني والأخلاقي.
ولهذا اختار البقالي أن يتحدث بتفصيل عن الملف الذي يعرفه، وعن الأحداث التي حضر تفاصيلها، وعن المحاكمات التي تابع جلساتها بنفسه، مستعيناً بوثائق وتغطيات صحفية عرضها على الشاشة.
إنه منهج يستحق التوقف عنده، خصوصاً في زمن أصبحت فيه الأحكام أحياناً تسبق الأدلة، وأصبحت فيه مواقع التواصل الاجتماعي محاكم مفتوحة تختلط داخلها الشهادات بالشائعات، والوقائع بالتأويلات.
◆ انتخابات 1993.. المحاضر الانتخابية تشعل فتيل الأزمة
يعود بنا عبد الله البقالي إلى يوم الجمعة 25 يونيو 1993، تاريخ إجراء الانتخابات التشريعية المباشرة بالمغرب، التي خُصصت لانتخاب 222 نائباً، ضمن مجلس كان يضم 333 عضواً، ينتخب ثلثهم المتبقي بطريقة غير مباشرة.
كانت البلاد آنذاك تعيش مرحلة سياسية متميزة، وكانت أحزاب الكتلة الديمقراطية تخوض معركة انتخابية في سياق مطالب الإصلاح والانفتاح السياسي.
وفي دائرة تيفلت، ترشح الإدريسي خميس عن حزب الاستقلال، بدعم مشترك من حزب الاستقلال والاتحاد الاشتراكي للقوات الشعبية.
وبحسب شهادة البقالي، بدأت الأزمة عندما مُنع ممثلو المرشح المشترك من الحصول على نسخ محاضر التصويت، بل إن بعضهم تعرض للطرد من مكاتب الاقتراع.
وتلك نقطة أساسية تستوجب التوقف والتأمل.
فالمحاضر الانتخابية ليست أوراقاً إدارية ثانوية، بل وثائق تضمن إمكانية التحقق من النتائج، وتحمي أصوات الناخبين من الضياع أو التحريف.
وعندما يصبح الحصول عليها سبباً للاحتجاج، فإننا نكون أمام إشكال يتجاوز مجرد التنافس بين المرشحين، ليطال الثقة في العملية الانتخابية برمتها.
وحسب رواية البقالي، انتقل عدد من المواطنين إلى مركز القيادة بسيدي علال البحراوي، بعدما أُبلغوا بأن نسخ المحاضر ستسلم هناك.
لكن ما كان يفترض أن يكون إجراءً إدارياً عادياً تحول، وفق شهادته، إلى مواجهات وتدخلات أمنية واعتقالات.
◆ ثمانية وسبعون معتقلاً.. وقائع تتجاوز وصف المناوشات
يصل حديث البقالي إلى النقطة الأكثر إثارة في شهادته، عندما يستعرض تفاصيل الاعتقالات التي ينفي محمود عرشان وقوعها.
فعرشان، في المقطع الذي عرضه البرنامج من مقابلته مع حميد المهداوي بموقع البديل، نفى وقوع إطلاق للنار واعتقالات، وقدم ما جرى باعتباره مجرد مناوشات.
في المقابل، قدم البقالي معطيات دقيقة قال إنه استقاها من متابعته المباشرة للأحداث والمحاكمات، وعزز عرضه بإظهار وثائق وتقارير صحفية تعود إلى تلك المرحلة.
تحدث عن اعتقال 47 شخصاً بسيدي علال البحراوي، و23 بمدينة تيفلت، وثمانية أشخاص بجماعة مقام الطلبة. أي ما مجموعه 78 معتقلاً.
وتحدث عن سيدة اعتقلت وهي تحمل رضيعتها، وعن شخص من ذوي الإعاقة وجد نفسه ضمن المتابعين، وعن تصريحات للمعتقلين بشأن إطلاق نار نسبوه إلى شخصين، دون أن يقدم البقالي هذه الرواية باعتبارها حكماً قضائياً نهائياً بشأن المسؤولية عن إطلاق النار.
فهل يمكن اختزال كل هذه الوقائع المروية في كلمة «مناوشات»؟
وهل يمكن اعتبار اعتقال عشرات المواطنين وإحالتهم على القضاء مجرد خلاف عابر انتهى بانتهاء يوم الاقتراع؟
إن الفارق بين الروايتين ليس اختلافاً في الوصف فحسب، بل اختلاف في أصل الوقائع نفسها.
عرشان ينفي، والبقالي يؤكد أنه شاهد وتتبع ووثق، ويعرض أمام المشاهدين ما يقول إنها وثائق تؤيد شهادته.
وهنا يصبح الرجوع إلى الأرشيف القضائي والصحفي ضرورة لحسم ما يمكن حسمه، بعيداً عن الانطباعات والأحكام المسبقة.
◆ محاكمات يوليوز 1993.. ذاكرة لا تمحوها السنوات
لم يكتف عبد الله البقالي بسرد ما وقع يوم الانتخابات، بل انتقل إلى الحديث عن المحاكمات التي انطلقت، بحسب شهادته، يوم الجمعة الثاني من يوليوز 1993.
واستعرض طبيعة التهم التي وجهت إلى المعتقلين، ومنها إهانة موظف أثناء أداء مهامه، وإلحاق خسائر مادية بممتلكات الغير وبمنشآت عمومية، والمشاركة في تظاهرة غير مرخص لها.
وتوقف عند مشاركة عشرات المحامين، وعند حضور منظمات حقوقية مغربية، من بينها العصبة المغربية للدفاع عن حقوق الإنسان والجمعية المغربية لحقوق الإنسان والمنظمة المغربية لحقوق الإنسان.
كما استحضر اسم المحامي الراحل عبد اللطيف المراكشي، الذي قال إنه تولى تنسيق الدفاع.
ولعل أكثر التفاصيل إنسانية في شهادته تلك المتعلقة بالسيدة التي حضرت المحكمة وهي تحمل طفلتها الرضيعة، وبالشخص ذي الإعاقة الذي وافقت المحكمة على تمتيعه بالسراح المؤقت، وفق رواية البقالي.
هذه التفاصيل لا تقدم وحدها حكماً نهائياً بشأن قانونية جميع الإجراءات، لكنها تنقل النقاش من عمومية التصريحات إلى وقائع محددة يمكن البحث عن آثارها في سجلات المحاكم وأرشيف الصحف.
وما يعزز أهمية الشهادة أن البقالي استعاد مشقة تنقله بين الرباط والخميسات، ومتابعته جلسات كانت تمتد أحياناً إلى الثالثة أو الرابعة صباحاً، قبل العودة إلى مقر الجريدة لتحرير تقاريره.
إننا هنا أمام صحفي لا يروي حكاية وصلته بعد عقود، بل يستعيد تجربة مهنية يقول إنه عاشها يوماً بيوم.
◆ وثائق أمنية وقضائية وأرشيف «العلم».. شهادة تتجاوز الذاكرة
من أهم ما ميز الحلقة أن عبد الله البقالي لم يترك حديثه معلقاً في فضاء الذاكرة الشخصية وحدها.
فطوال استعراضه لأحداث تيفلت، كان يقدم للمشاهدين على الشاشة وثائق أمنية وقضائية مرتبطة بالقضية، إلى جانب سلسلة المقالات والتغطيات والتحقيقات التي كان ينشرها تباعاً بجريدة «العلم» خلال سنة 1993.
ولم يكن عرض تلك المواد مجرد عنصر بصري لتزيين الحلقة، بل شكل جزءاً أساسياً من البناء التوثيقي الذي اعتمده البقالي في تقديم شهادته.
لقد حرص على الربط بين روايته الحالية وما سبق أن نشره في زمن وقوع الأحداث، مستحضراً محاضر ووقائع المحاكمات ومراحل متابعة المعتقلين.
وهذا التفصيل مهم للغاية.
فالفارق كبير بين من يستعيد أحداثاً من ذاكرته بعد ثلاثة وثلاثين عاماً، وبين من يعود إلى شهادته الأولى المنشورة في حينها، ويستحضر معها وثائق أمنية وقضائية تعزز إمكانية التحقق مما يقول.
كما أن عرض الوثائق، في حد ذاته، يؤكد الحقيقة المحسومة التي حاول عرشان نسفها.
وقد بدا واضحاً أن البقالي كان حريصاً على تقديم شهادته باعتبارها امتداداً لتغطية صحفية قديمة، وليس باعتبارها موقفاً سياسياً ولد بعد التصريحات الأخيرة لمحمود عرشان.
◆ الصحافة ذاكرة الوطن في مواجهة النسيان
من أبرز الرسائل التي استخلصتها من هذه الحلقة أن الصحافة ليست مجرد ناقل للأخبار، بل يمكن أن تتحول، عندما تمارس بمسؤولية، إلى ذاكرة موازية تحفظ من الوقائع ما قد يغيب عن الخطابات الرسمية والحزبية.
فالسياسي يستطيع أن يعيد قراءة تجربته، وأن يدافع عن مواقفه، وأن يقدم تفسيره لما حدث... وهذا حقه.
لكن حقه في التعبير لا يجعل روايته بمنأى عن المساءلة، ولا يمنع الشهود من تقديم روايات مضادة، ولا يلغي أهمية الوثائق التي يمكن أن تؤكد أو تدحض ما يقوله.
وفي هذا السياق، لا أرى أن شهادة البقالي ينبغي أن تقرأ باعتبارها خصومة شخصية مع محمود عرشان، بل باعتبارها مساهمة في نقاش أوسع حول كتابة التاريخ السياسي والحقوقي للمغرب بشكل واضح وشفاف.
◆ من أحداث تيفلت إلى ملفات أخرى.. سؤال المصداقية
لم تكن نهاية حديث عبد الله البقالي أقل أهمية من بدايته.
فبعد أن استعرض بالتفصيل ما يقول إنه جرى خلال انتخابات 1993، وما أعقبها من اعتقالات ومحاكمات، وبعد أن قدم الوثائق والأرشيف الصحفي المرتبط بتلك الأحداث، عاد إلى تصريحات محمود عرشان بشأن ملفات أخرى، وفي مقدمتها الاتهامات المتعلقة بمعتقل درب مولاي الشريف.
لكن عودته هذه المرة لم تكن بغرض تقديم أدلة جديدة على تلك الاتهامات، بل لطرح سؤال جوهري يتعلق بمصداقية النفي.
فالبقالي اعتبر أن نفي عرشان لأحداث تيفلت، واختزالها في مجرد مناوشات، يتعارض مع الوقائع التي عرضها ووثقها. ومن هذا المنطلق، لمح إلى أن إنكار وقائع يقول إنه أثبت حصولها يطرح أسئلة مشروعة بشأن مدى دقة روايته عندما ينفي ملفات أخرى.
وهذه، في تقديري، كانت إحدى أقوى الرسائل التي أراد إيصالها.
فالرجل لم يقدم فقط أدلة ووثائق أحداث تيفلت، بل فتح أسئلة مشروعة حول ما جرى داخل درب مولاي الشريف بعيداً عما صرح به عرشان، بعد إثبات التناقض في ملف واحد، مبرزا أن هذا يكفيforKey طرح المزيد من التساؤلات، ولما لا البحث قانونياً لإثبات أو نفي الاتهامات في ملفات أخرى.
وطرح سؤال الثقة في الرواية الشخصية.
وهو سؤال لا يخلو من مشروعية في النقاش التاريخي والإعلامي، دون أن يتحول إلى قرينة إدانة في قضايا مستقلة.
إن ما يستخلص من هذا التلميح هو أن مصداقية الشهادة لا تنفصل عن مدى انسجام صاحبها مع الوقائع القابلة للتحقق. وكلما ظهرت تناقضات جوهرية في رواية ما، ازدادت الحاجة إلى إخضاع بقية الرواية للفحص والتدقيق المستقل.
لقد ترك البقالي هذا السؤال مفتوحاً أمام المشاهدين، دون أن يمنح نفسه سلطة القضاء أو إصدار الأحكام بشأن ملفات لم يكن شاهداً مباشراً عليها.
إن الاعتراف بالتاريخ، بما فيه من آلام وأخطاء واختلالات، ليس انتقاصاً من الوطن، بل مساهمة في ترسيخ الثقة في مؤسساته.
ولهذا فإن إعادة فتح النقاش حول أحداث تيفلت سنة 1993 ينبغي ألا تُفهم باعتبارها دعوة إلى استعادة الخصومات القديمة، بل فرصة لتقوية الذاكرة الجماعية، وإنصاف من تضرروا، وتحصين الحاضر من تكرار أخطاء الماضي.
فالديمقراطية لا تقوم فقط على تنظيم الانتخابات، بل أيضاً على حماية صوت الناخب، وضمان شفافية النتائج، وصيانة حق المواطن في الاحتجاج المشروع، واحترام كرامته أثناء الإجراءات الأمنية والقضائية.
◆ البقالي وعرشان.. الحقيقة أكبر من الأشخاص
قد يكون عنوان هذه القراءة «البقالي وعرشان.. ونهاية الكذب والبهتان» قوياً، لكن المقصود بالنهاية هنا ليس إصدار حكم مسبق على شخص، وإنما وضع حد لمحاولات اختزال الوقائع التاريخية في عبارات عامة لا تجيب عن الأسئلة المطروحة.
لقد قال البقالي كلمته، وقدم شهادة غنية بالأسماء والتواريخ والأرقام والمشاهد الإنسانية، ولم يتركها مجرد رواية شفوية، بل دعمها بعرض وثائق أمنية وقضائية وأرشيف صحفي يعود إلى زمن الأحداث نفسها.
ثم انتقل من إثبات ما يعتبره تناقضاً في رواية عرشان بشأن أحداث تيفلت إلى طرح السؤال الأصعب: إذا كانت رواية النفي في هذا الملف تتعارض مع الوثائق والشهادات المعروضة، فكيف ينبغي التعامل مع نفيه للاتهامات المتعلقة بملفات أخرى؟
لقد أعاد البقالي فتح صفحات من التاريخ، ووضع أمام الرأي العام شهادة مسنودة بمواد وثائقية لا يجوز تجاهلها. لكن الفصل النهائي بين الروايات لا تصنعه قوة الخطاب وحدها، بل الوثيقة والشهادة المتقاطعة والحكم المستند إلى الدليل.
وإذا كان من درس نستخلصه من هذه الحلقة، فهو أن الزمن قد يبعد الأحداث عن أعين الناس، لكنه لا يسقط حقهم في معرفة ما جرى.
فالتاريخ قد يتأخر في الكلام، لكنه لا ينبغي أن يترك الكلمة الأخيرة للإنكار.
وهنا تكمن أهمية شهادة البقالي، وهنا أيضاً يبدأ الطريق الحقيقي نحو نهاية الكذب والبهتان.
رئيسية 








الرئيسية




