Quantcast
2026 سبتمبر 6 - تم تعديله في [التاريخ]

التوظيف السياسي لمأساة الحرائق: تبون يمهّد لإعادة تنفيذ الإعدام.. هل أصبحت «القوة الضاربة» قوة لا تضرب إلا شعبها؟

من رماد الغابات إلى حبل الإعدام، يقلب الكاتب "بوشعيب حمراوي" السؤال على السلطة الجزائرية: لماذا كان تعديل العقوبة أسرع من كشف أسباب الكارثة ومحاسبة المقصرين؟ وكيف يصوّت نظام تبون في نيويورك لوقف الإعدام، ثم يمهّد في الجزائر لاستئناف تنفيذه؟ قراءة نارية تفكك التوظيف السياسي للمأساة، وتسأل أين تضرب «القوة الضاربة» فعلًا.


احترقت الغابات… فوجد تبون أن الإعدام هو الجواب المستعجل

الكاتب "بوشعيب حمراوي"
الكاتب "بوشعيب حمراوي"

*بقلم: بوشعيب حمراوي*
الجزائر التي جمّدت تنفيذ الإعدام منذ 1993، وصوّتت سنة 2024، في عهد تبون، لصالح القرار الأممي الداعي إلى وقف استخدامه، تستعد اليوم لاستئناف التنفيذ تحت عنوان الحرائق… بعدما سبق للخطاب الرسمي أن حمّل «أيادي خارجية» مسؤولية إشعال بعضها.

عندما تشتعل الغابات وتحاصر النيران القرى والمداشر، وتسقط الأرواح وتضيع الممتلكات والمحاصيل والمواشي، وتتحول مساحات خضراء احتاجت عشرات السنين لكي تنمو إلى رماد في ساعات، فإن أول ما ينتظره المواطن من دولته ليس الحديث عن الموت، وإنما حماية الحياة؛ ينتظر أن يعرف أين كانت منظومات الإنذار والوقاية والمراقبة، وهل كانت وسائل الإطفاء والتدخل والإنقاذ كافية، وهل أُجلي السكان في الوقت المناسب، ومن تأخر ومن أخطأ ومن قصّر، وكيف ستُعوّض الأسر المنكوبة، وما الذي ستفعله الدولة حتى لا يستيقظ الناس في الصيف المقبل على المأساة نفسها.

لكن الرئيس الجزائري عبد المجيد تبون اختار أن يضيف إلى نار الغابات نارًا أخرى، عندما أمر بإعداد تعديل للقانون الجنائي يعيد تنفيذ عقوبة الإعدام بحق من تثبت مسؤوليتهم عن إضرام الحرائق عمدًا، بعد أكثر من ثلاثة عقود لم تنفذ خلالها الجزائر حكمًا واحدًا بالإعدام.

ونحن هنا لا ندافع عن مجرم يحرق غابة، ولا عن قاتل يتعمد إشعال النار في ممتلكات الناس وتعريض أرواحهم للهلاك؛ فمن يثبت أمام قضاء مستقل، وبأدلة لا يرقى إليها الشك، أنه ارتكب مثل هذه الجريمة يجب أن يتحمل كامل مسؤوليته وأن يعاقب بأقصى ما يسمح به القانون. لكن السؤال الذي لا ينبغي أن تحجبه مشاهد النار ولا الغضب الطبيعي للجزائريين هو: لماذا تحولت كارثة كان يفترض أن تفتح تحقيقًا وطنيًا واسعًا في أسباب الحرائق ووسائل الوقاية والتدخل والمسؤوليات، إلى «سبب نزول» سياسي وتشريعي لإحياء تنفيذ عقوبة ظلت مجمدة منذ سنة 1993؟

هنا تبدأ القضية الحقيقية.

* الحرائق كانت «بفعل فاعل»… لكن العقوبة ستنزل في الداخل

من يتابع خطاب السلطة الجزائرية خلال السنوات الماضية يعرف جيدًا كيف قُدمت حرائق سابقة في إطار الحديث عن أفعال إجرامية متعمدة وأيادٍ أو مؤامرات وجهات خارجية، وكيف أصبح «الخارج» حاضرًا بكثافة في تفسير الأزمات الداخلية، حتى كاد المواطن الجزائري، كلما سمع مسؤولًا يتحدث عن مشكلة، ينتظر فقط معرفة الدولة أو الجهة التي سيشار إليها هذه المرة.

وإذا كانت السلطة تمتلك فعلًا أدلة على تدخل خارجي في إشعال حرائق أو زعزعة أمن البلاد، فإن واجبها ليس إطلاق الإشارات العامة، وإنما تقديم الأدلة، وتحديد المسؤولين، وإطلاع الجزائريين على نتائج التحقيقات، ثم استخدام كل الآليات الدبلوماسية والقضائية والدولية المتاحة لملاحقة من اعتدى على الجزائر.

لكن المفارقة أن الخطاب الذي يبدأ من الخارج كثيرًا ما ينتهي عند الداخل؛ فالفاعل يُبحث عنه وراء الحدود، بينما التشريع الأكثر صرامة يهبط فوق رؤوس الموجودين داخلها.

ومن هنا يصبح السؤال الساخر مشروعًا، دون أن يكون ساخرًا من مأساة الجزائريين: إذا كانت النار تأتي، بحسب روايات سابقة، من «أيادٍ خارجية»، فلماذا يبدو أن العقاب دائمًا يجد طريقه بسرعة إلى الداخل؟

* «القوة الضاربة» التي نسمع عنها كثيرًا… أين تضرب بالضبط؟

للنظام الجزائري تعبير يحبه كثيرًا، حتى أصبح جزءًا من قاموسه السياسي والإعلامي: الجزائر «قوة ضاربة».

وهي عبارة ضخمة، لها وقع جميل في الخطب، وتبدو أكثر جمالًا عندما ترافقها صور الطائرات والدبابات والصواريخ والعروض العسكرية والميزانيات الدفاعية الضخمة. لكن المواطن لا يعيش داخل الخطابات، ولا يأكل الشعارات، ولا يطفئ الحرائق بالأوصاف الرنانة؛ ولذلك يظل من حقه أن يسأل عن المعنى العملي لهذه «القوة الضاربة».

أين تضرب؟ فنحن لم نر هذه القوة تضرب عدوًا خارجيًا أعلن الحرب على الجزائر، ولم نرها تحسم بالسلاح نزاعًا خارجيًا باسم الشعب الجزائري، لكننا نرى أدوات القوة الداخلية حاضرة كلما ارتفع صوت الاحتجاج أو المعارضة أو المطالبة بالتغيير، ونرى السجن والمتابعة والتضييق والقوانين الزجرية جزءًا من المشهد السياسي، ثم نسمع اليوم عن إعادة تنفيذ الإعدام.

وهنا تصبح السخرية مؤلمة أكثر منها مضحكة: هل أصبحت «القوة الضاربة» وصفًا لقوة الدولة على مواطنيها بدل أن تكون وصفًا لقدرتها على حمايتهم؟

الشعب الجزائري الشقيق ليس عدوًا حتى تستعرض الدولة قوتها عليه، ولا ينبغي أن يصبح المواطن ميدانًا لاختبار صرامة المؤسسات؛ لأن الدولة القوية ليست التي يخافها شعبها، وإنما التي يخاف عليها شعبها، وليست التي تستطيع أن تسجن أكثر أو تعاقب أشد أو تنفذ الإعدام، وإنما التي تجعل المواطن يشعر أن قوتها ومالها وسلاحها وإدارتها ومؤسساتها وُجدت لحمايته وصيانة كرامته وحقوقه.

وإذا كان النظام يريد فعلًا أن يبرهن أن الجزائر «قوة ضاربة»، فهناك أشياء كثيرة تستحق الضرب قبل رقاب البشر: الفساد يستحق الضرب، والرشوة تستحق الضرب، ونهب المال العام يستحق الضرب، والبطالة والتهميش وسوء التدبير والتقصير الإداري تستحق كلها حربًا حقيقية لا شعارات فيها.

* ثلاثة وثلاثون عامًا دون تنفيذ… فلماذا أصبح الإعدام مستعجلًا اليوم؟

الجزائر لم تلغ عقوبة الإعدام من تشريعاتها، وهذا أمر يجب توضيحه حتى لا نخلط بين إلغاء العقوبة وبين وقف تنفيذها، لكنها لم تنفذ حكمًا بالإعدام منذ سنة 1993، أي إن الدولة الجزائرية عاشت ما يقارب ثلاثة وثلاثين عامًا وهي تملك هذه العقوبة في القانون دون أن تستخدم آلة التنفيذ.

وخلال تلك العقود لم تكن الجزائر واحة هادئة خالية من الجرائم؛ بل عاشت سنوات من الإرهاب الدموي، وواجهت جرائم قتل جماعي واعتداءات وأحداثًا أمنية من أخطر ما عرفته المنطقة، ومع ذلك استطاعت الدولة أن تعاقب المجرمين والإرهابيين وتحاكمهم وتسجنهم دون أن تعتبر إعادة تنفيذ الإعدام ضرورة لبقاء الدولة.

ثم جاءت حرائق 2026، وإذا بالتنفيذ يصبح ضرورة مستعجلة.

وهنا يحق للجزائري أن يسأل، دون أن يتهمه أحد بالتساهل مع المجرمين: ما الذي جعل الحرائق قادرة على تغيير سياسة عقابية استمرت ثلاثة عقود، بينما لم تفعل ذلك سنوات الإرهاب والدم والمجازر؟

هل أظهرت الدراسات أن وقف تنفيذ الإعدام هو الذي تسبب في الحرائق؟ وهل أثبت التحقيق أن من أشعلوا النار فعلوا ذلك لأنهم كانوا مطمئنين إلى أن الدولة لن تعدمهم؟ وهل توجد علاقة مثبتة بين عودة التنفيذ وبين منع الحرائق مستقبلًا؟

أم إننا أمام رد سياسي سريع على كارثة معقدة، يُراد من خلاله إظهار القوة والحزم في اللحظة التي يحتاج فيها الرأي العام إلى أجوبة أصعب بكثير من إعلان عقوبة؟

* تبون الذي قالت دولته «نعم» لوقف الإعدام… يقول اليوم «نعم» لتنفيذه

هنا تبلغ المفارقة السياسية ذروتها، وتصبح الوقائع نفسها أكثر سخرية من أي تعليق يمكن أن يكتبه صحفي.

فالجزائر التي أوقفت التنفيذ فعليًا منذ 1993 لم تكتف بذلك، بل انخرطت منذ سنوات في دعم المسار الأممي الداعي إلى وقف استخدام عقوبة الإعدام، وكانت من الدول الداعمة لقرارات الأمم المتحدة في هذا الاتجاه.

والأهم أن الجزائر صوتت في 17 دجنبر 2024، داخل الجمعية العامة للأمم المتحدة، لصالح القرار الداعي إلى وقف استخدام عقوبة الإعدام. ولم يكن ذلك في عهد رئيس سابق يمكن لتبون أن يتبرأ من سياسته؛ كان ذلك في عهد عبد المجيد تبون نفسه.

أي إن الدولة الجزائرية في عهد تبون رفعت يدها في نيويورك لتقول للعالم إنها تؤيد قرارًا يدعو إلى وقف استخدام عقوبة الإعدام، ثم عادت في عهد تبون نفسه، وبعد أقل من عامين، لتبحث في الجزائر العاصمة عن الطريق التشريعي لإعادة التنفيذ.

فهل لدينا تبونان؟ تبون في نيويورك وتبون في الجزائر؟

أم إن حقوق الإنسان لها جغرافيا بدورها؛ فتصلح بعض المبادئ عندما تكون الكاميرات الدولية حاضرة، ثم تصبح لها قراءة أخرى عندما يعود المسؤولون إلى الداخل؟

إنه سؤال سياسي وليس اتهامًا مجانيًا؛ لأن التصويت موثق والقرار الحالي موثق، والتناقض بينهما يحتاج إلى تفسير من السلطة الجزائرية نفسها.

* «أسباب النزول» الجزائرية… النار تشتعل والقانون ينزل

في التراث نتحدث عن «أسباب النزول»، أما السياسة الجزائرية فيبدو أنها بصدد تقديم نموذج جديد يمكن تسميته «أسباب نزول القوانين»؛ تقع كارثة، يسقط الضحايا، يغضب المواطنون، تتكاثر الأسئلة حول الوقاية والتدخل والمسؤولية، ثم يأتي الجواب من أعلى هرم السلطة سريعًا وحاسمًا: سنعيد تنفيذ الإعدام.

والمفارقة أن تحديد الأسباب النهائية للحرائق يحتاج إلى تحقيقات تقنية وأمنية وقضائية، وتحديد حجم المسؤوليات يحتاج إلى تقارير ومعاينات وشهادات وخبرات، وتقييم أداء أجهزة الوقاية والتدخل يحتاج إلى عمل مؤسساتي قد يستغرق شهورًا، لكن تحديد العقوبة بدا أسرع بكثير.

وهذا ما يجعلنا أمام مفارقة تستحق التأمل: الدولة التي تحتاج وقتًا لتخبر الجزائريين بكل تفاصيل لماذا احترقت غاباتهم، لم تحتج إلى الوقت نفسه لتخبرهم كيف تريد أن تعاقب من ستدينهم بإحراقها.

* لا ندافع عن مشعل النار… بل نسأل عن كل من تركها تكبر

لا ينبغي أن يسمح النظام بتحويل هذا النقاش إلى معادلة مغلوطة مفادها أن من يعارض تنفيذ الإعدام يدافع عن مضرمي الحرائق؛ لأن هذا النوع من الاختزال هو أقصر طريق لإغلاق النقاش العام.

من يشعل النار عمدًا مجرم، ومن يتسبب عمدًا في قتل الأبرياء يجب أن يحاسب. لكن الدولة التي تريد عدالة حقيقية يجب أن توسع دائرة السؤال بدل أن تضيقها.

فإذا أثبت التحقيق أن هناك من أشعل النار، فليحاسب. وإذا أثبت أن مسؤولًا أهمل واجبه، فليحاسب. وإذا ثبت أن التجهيزات كانت ناقصة رغم توفر الميزانيات، فليحاسب المسؤول عنها.

وإذا كانت هناك أخطاء في الوقاية أو الإجلاء أو التنسيق أو التدخل ساهمت في تضخيم الخسائر، فيجب ألا تتوقف العدالة عند المواطن الذي يحمل علبة الوقود، بينما تعجز عن صعود درجات السلم الإداري والسياسي.

فالعدالة لا تعرف رتبة ولا منصبًا، وإلا تحولت من ميزان إلى عصا.

* أصوات جزائرية تقول «لا»… فلا تقولوا إنها مؤامرة خارجية

والأهم أن الاعتراض على العودة إلى تنفيذ الإعدام ليس حملة أجنبية ضد الجزائر، بل خرج من داخل الجزائر نفسها، ومن شخصيات وأحزاب جزائرية لا يمكن شطب جزائريتها لأنها اختلفت مع الرئيس.

جبهة القوى الاشتراكية رفضت العودة إلى تنفيذ العقوبة، كما أعاد حزب العمال تأكيد موقفه المعارض لها، فيما ظلت أصوات حقوقية جزائرية لسنوات تدافع عن الإبقاء على وقف التنفيذ.

وهنا ينبغي التوقف عند معنى بالغ الأهمية: الشعب الجزائري ليس النظام الجزائري، والاختلاف مع قرار السلطة ليس عداءً للجزائر، كما أن نقد تبون ليس نقدًا للجزائريين.

بل إن الدفاع عن حق الجزائريين في مساءلة رئيسهم وحكومتهم ومؤسساتهم هو، في جوهره، احترام لهذا الشعب؛ لأن الشعوب لا تحتاج إلى من يعاملها كقاصرين ويختزل أوطانها في حكامها.

والجزائري الذي يقول «لا للإعدام» ليس أقل وطنية من الذي يؤيده، والجزائري الذي يسأل عن وسائل الإطفاء ليس متآمرًا، والذي يسأل عن عدد الضحايا ليس عدوًا للدولة، والذي يطالب بتحقيق مستقل لا يشعل الفتنة؛ إنه ببساطة مواطن يمارس حقه في معرفة ماذا تفعل الدولة باسمه وبماله وبمستقبله.

* الشعب الذي يملك كل هذه الثروة يستحق دولة تنفق قوتها عليه لا ضده

الجزائر بلد غني بالغاز والنفط والثروات الطبيعية، وبلد يملك إمكانات بشرية وعلمية ومالية وعسكرية كبيرة، والشعب الجزائري ليس شعبًا فقيرًا بحكم القدر؛ ولذلك فمن حقه أن يسأل لماذا لا تنعكس كل عناصر «القوة» التي يتحدث عنها الخطاب الرسمي بصورة أقوى على حياته اليومية، وعلى مستشفياته ومدارسه ومناطقه الداخلية ووسائل حمايته من الكوارث.

فالجزائري لا يحتاج إلى سماع أن بلده قوة ضاربة بقدر ما يحتاج إلى الشعور بهذه القوة عندما يمرض، وعندما يبحث ابنه عن عمل، وعندما يحتاج إلى الماء، وعندما تشتعل غابة قرب بيته، وعندما يطالب بالعدالة، وعندما يريد أن يعبر عن رأيه دون خوف.

الدولة ليست قوية لأن ميزانية دفاعها كبيرة فقط، ولا لأن لديها طائرات وصواريخ ودبابات؛ الدولة قوية عندما يتحول جزء من هذه القوة الاقتصادية والمؤسساتية إلى أمن اجتماعي وكرامة وخدمات وعدالة وحماية.

* الإعدام ليس زرًا لإطفاء الغضب

هناك إغراء سياسي قديم تلجأ إليه بعض السلطات عند وقوع الكوارث: تقديم عقوبة استثنائية للرأي العام بوصفها جوابًا حاسمًا؛ لأن إعلان العقوبة أسهل من شرح منظومة الإخفاقات، وإظهار الصرامة أسرع من إصلاح المؤسسات، والعثور على مذنب فرد أسهل من تفكيك شبكة المسؤوليات.

لكن الدولة لا ينبغي أن تدير غضب الناس بالعقوبات. الإعدام ليس زرًا لإطفاء الغضب الشعبي، ولا يجوز أن يصبح موت المحكوم عليه تعويضًا رمزيًا عن حياة من ماتوا.

فالأسر التي فقدت أبناءها تحتاج إلى الحقيقة والعدالة والتعويض وضمان عدم تكرار المأساة، وليس إلى مشهد موت جديد تقدمه الدولة باسم الانتقام من الموت الأول.

* اليوم الحرائق… وغدًا ماذا؟

الخطر الأكبر في قرار تبون ليس فقط في الحالات التي سيطبق عليها اليوم، وإنما في الباب الذي يعاد فتحه.

فعندما تعود دولة إلى تنفيذ الإعدام بعد توقف دام أكثر من ثلاثة عقود، فإنها لا تعاقب مجرمًا واحدًا فقط، بل تعيد إلى الدولة ممارسة سلطة قتل المحكوم عليه باسم القانون.

واليوم قد يكون العنوان «مضرمي الحرائق»، لكن ماذا سيكون العنوان غدًا؟

وأي أزمة جديدة يمكن أن تصبح «سبب نزول» جديدًا لتوسيع نطاق التنفيذ؟ وإذا كان الخطأ القضائي ممكنًا في كل الأنظمة، فكيف تصحح الدولة خطأها بعد تنفيذ حكم لا رجعة فيه؟

السجين الذي تظهر براءته بعد عشر سنوات يمكن فتح باب زنزانته والاعتذار له وتعويضه، ولو أن سنوات عمره لن تعود؛ أما الإنسان الذي تظهر براءته بعد إعدامه، فلا يوجد قاضٍ ولا رئيس ولا دولة تستطيع إعادته من قبره.

* يا «قوة ضاربة»… اضربي ما يؤلم الجزائريين لا الجزائريين

إذا أراد النظام الجزائري أن يحتفظ لنفسه بوصف «القوة الضاربة»، فليمنح هذه العبارة معنى يستفيد منه الشعب الجزائري الشقيق بدل أن تبقى شعارًا يتردد في الخطب.

لتكن الجزائر قوة ضاربة ضد الفساد الذي ينهب ثروتها، وضد الإهمال الذي يعرض حياة مواطنيها للخطر، وضد البطالة التي تدفع شبابها إلى اليأس والهجرة، وضد سوء التدبير الذي يحول الإمكانات الهائلة إلى أزمات يومية، وضد كل مسؤول يثبت أنه قصّر في حماية المواطنين، مهما كان منصبه.

أما الشعب الجزائري، فليس عدوًا حتى توجه إليه أدوات القوة.

إنه صاحب البلد والثروة والسيادة، ومن حقه أن يعيش في دولة تحمي حياته قبل أن تناقش كيفية إنهائها، وأن يحصل على الحقيقة قبل أن يسمع الحكم، وأن يرى المسؤولين يحاسبون كما يحاسب المواطن البسيط.

ومن حقه أيضًا أن يسأل تبون نفسه: كيف استطاعت الجزائر أن تعيش منذ 1993 دون تنفيذ حكم إعدام، وأن تمر بسنوات الإرهاب والعنف والجرائم الكبرى دون العودة إليه، وأن تصوت دولته في الأمم المتحدة سنة 2024 لصالح وقف استخدام العقوبة، ثم تصبح حرائق 2026 فجأة «أسباب النزول» التي أعادت الإعدام إلى طاولة السلطة؟

السؤال ليس دفاعًا عن مجرم، ولا عن مشعل غابة، ولا عن قاتل.

إنه دفاع عن الجزائر التي تستحق العدالة دون انتقام، وعن الجزائري الذي يستحق الأمن دون خوف، وعن دولة يفترض أن تقيس قوتها بعدد الأرواح التي تحميها لا بعدد الأحكام التي تستطيع تنفيذها.

فإذا كان لا بد لـ«القوة الضاربة» أن تضرب، فلتضرب أسباب المأساة لا ضحاياها، ولتضرب الفساد والتقصير والإهمال وسوء التدبير بدل أن تجعل المواطن الجزائري الحلقة الأسهل في سلسلة القوة.

فالحرائق تحتاج إلى من يطفئها، والجرائم تحتاج إلى قضاء مستقل يحاكم مرتكبيها، والشعب يحتاج إلى دولة تحميه؛ أما الإعدام، فلا يزرع شجرة احترقت، ولا يعيد ميتًا إلى أسرته، ولا يمحو تقصيرًا، ولا يحول «القوة الضاربة» إلى دولة عادلة.

حرائق الجزائر وظلال المشنقة
حرائق الجزائر وظلال المشنقة

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار