*العلم الإلكترونية - حكيمة الوردي*
لم تكن استقالة وزير الجيش الأمريكي دان دريسكول خبرًا طارئًا وقع يوم الخميس، كما أوحت منشورات أعادت تدوير الواقعة باعتبارها تطورًا جديدًا؛ فقد أُعلن عن مغادرته يوم الاثنين 31 غشت 2026، قبل أن يوضح أن الأربعاء 2 شتنبر سيكون آخر يوم عمل كامل له في منصبه.
أما التطور الجديد، الذي أُعلن يوم الخميس 3 شتنبر، فكان اختيار الرئيس الأمريكي دونالد ترامب آدم تيل لتولي منصب وزير الجيش بالإنابة خلفًا لدريسكول، في لحظة تواجه فيها القوات الأمريكية ضغوطًا عملياتية متزايدة، ويعيش فيها البنتاغون واحدة من أكثر فتراته اضطرابًا على مستوى القيادة العسكرية والمدنية.
ويُعد منصب وزير الجيش موقعًا مدنيًا داخل وزارة الدفاع، يتولى شاغله الإشراف الإداري والسياسي على القوات البرية، ولا ينبغي الخلط بينه وبين منصب وزير الدفاع الذي يشغله بيت هيغسيث.
غادر دريسكول بعد نحو 18 شهرًا من توليه المسؤولية، من دون أن يقدم البيت الأبيض أو وزارة الدفاع تفسيرًا مفصلًا لأسباب رحيله. كما لم يعلن الرجل أن قراره جاء احتجاجًا على الحرب ضد إيران، بل اختار في رسالة المغادرة توجيه عبارات الإشادة إلى ترامب وهيغسيث والجنود الأمريكيين.
غير أن الكلمات الدبلوماسية التي يكتبها مسؤول وهو يغلق باب مكتبه للمرة الأخيرة لا تقدم بالضرورة الرواية الكاملة لما جرى خلف ذلك الباب، ولا يمكن التعامل معها باعتبارها شهادة على غياب الخلافات. فالمسؤول المغادر قد يختار حماية سمعته ومستقبله المهني، وقد يتجنب صدامًا علنيًا مع رئيس لا يتسامح مع مخالفيه أو مع وزير دفاع يواصل إبعاد القادة الذين لا ينسجمون مع توجهاته.
ولهذا، فإن صمت دريسكول لا يثبت أنه غادر اعتراضًا على الحرب، لكنه لا يبرئ الإدارة أيضًا، ولا يمحو ما نشرته وسائل إعلام أمريكية، استنادًا إلى مصادر مطلعة، عن توتر متراكم بينه وبين هيغسيث امتد عدة أشهر.
وتركزت الخلافات، بحسب تلك التقارير، حول خطط تحديث القوات البرية، وتوسيع استخدام الطائرات المسيرة، وتعطيل بعض مبادرات التسليح والتكنولوجيا العسكرية، فضلًا عن طريقة التعامل مع كبار القادة والضباط الذين شاركوا في إعداد الجيش لحروب المستقبل.
وأفادت روايات صحفية بأن دريسكول كان يشعر بالقلق من إبعاد ضباط ارتبطت أسماؤهم بمشروعات تحديث الجيش، وأنه اعترض على تعطيل مبادرات كان يدفع بها لتطوير قدرات القوات البرية. وهي معطيات لم تتبنها الإدارة رسميًا، لكنها تنسجم مع سياق أوسع يصعب تجاهله، عنوانه إخراج شخصيات عسكرية ومدنية من مواقع حساسة، واحدة تلو الأخرى، من دون تقديم أسباب مهنية مقنعة للرأي العام.
وليس المقصود تحويل كل رواية منسوبة إلى مصدر مجهول إلى حقيقة نهائية، وإنما رفض الخطأ المقابل أيضًا: التعامل مع غياب التفسير الرسمي وكأنه دليل على عدم وجود أزمة. فالإدارة التي تنفذ الإقالات لا يمكن أن تكون روايتها وحدها كافية للحكم على أسبابها ونتائجها.
* مغادرون يصمتون… وبنتاغون يُعاد تشكيله
لا تكتسب استقالة دريسكول خطورتها من اسم الرجل وحده، وإنما من موقعها داخل سلسلة واسعة من الإقالات والاستقالات والتقاعدات المبكرة التي طالت القيادتين العسكرية والمدنية منذ تولي هيغسيث وزارة الدفاع.
وبحسب حصيلة أعدتها شبكة «CBS News»، غادر أو أُبعد ما لا يقل عن 20 جنرالًا وأدميرالًا ومسؤولًا مدنيًا رفيعًا منذ بداية ولاية هيغسيث. ولم تكن ظروف هؤلاء واحدة، ولا توجد وثيقة تثبت أنهم تحركوا ضمن تمرد جماعي منظم؛ لكن اختلاف الأسباب لا يلغي النمط المتكرر، ولا يحول هذا العدد الكبير إلى مجموعة من المصادفات المنفصلة.
ففي أبريل 2026، طُلب من رئيس أركان الجيش، الجنرال راندي جورج، التقاعد الفوري قبل نحو عام ونصف من نهاية المدة المعتادة لمهمته. وكان جورج شريكًا أساسيًا لدريسكول في خطط تحديث الجيش، وربطت تقارير صحفية إبعاده بعلاقته الوثيقة بوزير الجيش وبخلافات حول الترقيات واتجاهات إعادة هيكلة القوات. أما وزارة الدفاع، فلم تقدم تفسيرًا مهنيًا مفصلًا لإنهاء مهمته مبكرًا.
وفي الفترة نفسها، خرج وزير البحرية جون فيلان من منصبه بعد نحو 13 شهرًا من توليه المسؤولية. وقال ترامب إن فيلان واجه صعوبة في الانسجام مع آخرين، وأشار إلى خلافات ارتبط بعضها ببرامج بناء السفن، فيما أفادت تقارير بأن القرار اتُّخذ بتوافق بين الرئيس وهيغسيث.
كما أُجبر الجنرال كريستوفر دوناهيو، قائد القوات البرية الأمريكية في أوروبا وإفريقيا، على التقاعد المبكر بعدما عارض هيغسيث تمديد خدمته. وكان دوناهيو يشرف على جهود مرتبطة بتطوير وحدات الطائرات المسيرة والاستفادة من دروس الحرب في أوكرانيا، أي إنه لم يكن يشغل موقعًا بروتوكوليًا يمكن تعويضه من دون أثر، بل كان في قلب ملفات تحدد شكل الحروب المقبلة.
وامتدت التغييرات إلى الجنرال جيمس مينغوس، نائب رئيس أركان الجيش، الذي غادر قبل إكمال المدة المعتادة لمنصبه، بينما تولى الجنرال كريستوفر لانيف قيادة الجيش بالإنابة.
هذه الوقائع لا تقدم صورة مؤسسة تستبدل أسماء ضمن حركة إدارية عادية، بل تكشف قيادة يعاد تشكيلها بسرعة، وتُستبعد منها شخصيات تمتلك خبرة طويلة في ملفات التحديث والتكنولوجيا والاستعداد القتالي. وكلما اتسعت القائمة، أصبح سؤال الكفاءة والاستمرارية أكثر إلحاحًا، وأصبح التفسير القائم على مجرد «حق الإدارة في اختيار فريقها» أقل قدرة على إخفاء حجم الاضطراب.
ولم تبدأ هذه الموجة مع دريسكول أو قادة الجيش الذين غادروا في 2026. ففي فبراير 2025، أقال ترامب الجنرال تشارلز كيو براون من رئاسة هيئة الأركان المشتركة بعد 16 شهرًا فقط من ولاية كان يفترض أن تمتد أربع سنوات.
وفي اليوم نفسه، أعفى هيغسيث قائدة العمليات البحرية، الأدميرال ليزا فرانشيتي، ونائب رئيس أركان القوات الجوية، الجنرال جيمس سلايف، من منصبيهما. واكتفت الإدارة بالإشادة بمسيرتيهما، من دون تقديم تفسير تفصيلي للأسباب المهنية التي استوجبت إبعادهما.
وفي أبريل 2025، أُقيل الجنرال تيموثي هوغ، الذي كان يتولى إدارة وكالة الأمن القومي والقيادة السيبرانية، من دون إعلان سبب رسمي واضح. ثم أُبعد، في غشت من العام نفسه، الجنرال جيفري كروز من رئاسة وكالة استخبارات الدفاع، بعد جدل أثاره تقييم استخباراتي أولي خالف الرواية التي تبناها ترامب عن نتائج الضربات الأمريكية للمنشآت النووية الإيرانية.
وشملت قائمة المغادرين قادة في الاحتياط البحري والقوات الخاصة والأجهزة القانونية العسكرية، إلى جانب موظفين ومستشارين مدنيين في مكتب وزير الدفاع. وتعددت الحالات، لكن القاسم المشترك بينها ظل حاضرًا: قرارات سريعة، وأسباب رسمية ناقصة أو غائبة، وإدارة تطلب من الرأي العام أن يثق في أن كل شيء يجري لخدمة الجاهزية، بينما تفرغ مواقع قيادية من أصحابها تباعًا.
لا تعني هذه الصورة أن كل من غادر كان على صواب، أو أن كل قرار اتخذته الإدارة كان بلا مبرر. لكنها تمنعنا من التسليم بالدعاية التي تصور ما يجري باعتباره تطهيرًا ضروريًا لمؤسسة مترهلة. فالجاهزية العسكرية لا تُبنى فقط بإبعاد من لا يعجبون القيادة السياسية، وإنما باستقرار سلاسل القيادة، واستمرار البرامج، وحماية القرار المهني من ضغط الولاء الشخصي والأيديولوجي.
* حرب إيران تكشف ما تحاول البيانات الرسمية إخفاءه
تزامنت أحدث موجات المغادرة مع استمرار الحرب الأمريكية ضد إيران، فذهبت بعض المنصات إلى تقديم استقالة دريسكول وخروج مسؤولين آخرين بوصفهما احتجاجًا جماعيًا على الحرب.
ولا توجد أدلة منشورة تسمح بتحويل هذا الاستنتاج إلى حقيقة مؤكدة. فلم يقل دريسكول علنًا إنه استقال اعتراضًا على الحرب، كما أن عددًا من القادة أُبعد قبل اندلاعها، وتداخلت في الحالات الأخرى خلافات حول الترقيات والتحديث العسكري وبرامج التسليح والعلاقات الشخصية داخل القيادة.
لكن عدم امتلاك دليل مباشر على أن الحرب كانت سبب كل مغادرة لا يمنحنا الحق في إخراجها من الصورة تمامًا، ولا يجعل الرواية الرسمية أكثر صدقًا. ففي المؤسسات التي يسودها الخوف من الانتقام، لا يخرج كل معترض إلى الكاميرات ليعلن أسباب رفضه، ولا يترك كل مسؤول مستقيل رسالة اعتراف تضع مستقبله وأسرته وسمعته في مرمى سلطة سياسية لا تخفي عداءها لمن يتحداها.
وقد يكون الصمت أحيانًا أقرب إلى إجراء احترازي منه إلى علامة رضا. لذلك، لا يجوز استخدام غياب التصريحات العلنية لنفي وجود اعتراضات داخلية على الحرب أو على طريقة إدارتها، تمامًا كما لا يجوز تحويل الاحتمالات إلى وقائع ثابتة بلا سند.
وتوجد حالة واحدة على الأقل التصق فيها ملف إيران مباشرة بقرار الإقالة، وهي حالة رئيس وكالة استخبارات الدفاع جيفري كروز، الذي أُبعد عقب تسريب تقييم أولي أفاد بأن الضربات الأمريكية لم تدمر البرنامج النووي الإيراني كما زعم ترامب، وإنما أخّرته مدة محدودة. لم تعلن الإدارة أن هذا التقييم كان السبب الرسمي للإقالة، لكن توقيت القرار جعل الرسالة شديدة الوضوح: حتى التقدير الاستخباراتي المهني قد يصبح خطرًا على صاحبه عندما يصطدم بالرواية السياسية للرئيس.
وهنا تكمن الصلة الأعمق بين حرب إيران وموجة المغادرات. فالحرب ليست تفسيرًا آليًا لكل حالة، لكنها البيئة التي تكشف خطورة إفراغ القيادة من أصحاب الخبرة، وتفضح الثمن المحتمل لتحويل الولاء السياسي إلى معيار يسبق الرأي العسكري والتقييم الاستخباراتي.
وفي زمن المواجهات، تحتاج القوات المسلحة إلى سلاسل قيادة مستقرة، وخطط متماسكة، ومسؤولين قادرين على تقديم تقديرات تخالف رغبات السياسيين عندما تفرض الوقائع ذلك. أما إدارة الحرب من خلال مواقع يشغلها مسؤولون بالإنابة، وقيادات تعلم أن الاعتراض قد ينهي مسيرتها، فتفتح الباب أمام أخطاء قد يدفع ثمنها الجنود الأمريكيون وشعوب المنطقة والعالم.
يقدم هيغسيث التغييرات باعتبارها جزءًا من إعادة بناء ثقافة عسكرية تركز على الجاهزية القتالية، ويستند إلى حق الرئيس ووزير الدفاع في اختيار القادة الذين ينسجمون مع سياساتهما. غير أن هذه الحجة لا تكفي لتفسير موجة متلاحقة من الإقالات والاستقالات والتقاعدات المبكرة التي طالت مواقع حساسة في زمن حرب.
فحين تتكرر المغادرات في فترة قصيرة، وتشمل مسؤولين وقادة ارتبطت مهامهم ببرامج التحديث والتكنولوجيا والطائرات المسيرة والاستخبارات، يصبح من الصعب اختزال ما يجري في «إعادة ترتيب» إداري طبيعي. تبدو الصورة أقرب إلى عملية واسعة لإعادة تشكيل البنتاغون وفق معيار التوافق مع ترامب وهيغسيث، ولو جاء ذلك على حساب خبرات تراكمت خلال سنوات واستقرار برامج عسكرية بالغة الحساسية.
وقد غادر دريسكول من دون أن يكشف علنًا أسباب استقالته، كما التزم آخرون الصمت بعد خروجهم. لكن صمتهم لا يمكن تقديمه بوصفه دليلًا على عدم وجود اعتراضات أو خلافات عميقة، ولا يجوز أن يتحول إلى شهادة براءة تمنحها الإدارة لنفسها.
ولا تسمح الأدلة المنشورة حتى الآن بالجزم بأن جميع هذه المغادرات كانت تمردًا مباشرًا على حرب إيران، لكن من السذاجة أيضًا استبعاد الحرب وتداعياتها لمجرد أن المغادرين لم يخرجوا إلى العلن لشرح أسبابهم. فتزامن الاستقالات والإقالات مع اتساع العمليات العسكرية واحتدام الخلافات داخل الإدارة يفرض السؤال ولا يدفنه.
المشكلة إذن لا تكمن فقط في عدد المقاعد التي شغرت، وإنما في المناخ الذي أصبحت فيه المؤسسة العسكرية مطالبة بالانضباط لرؤية سياسية شديدة الاندفاع، بينما يغادر أصحاب الخبرة واحدًا تلو الآخر، ويلتزم كثيرون منهم الصمت. وهذا الصمت لا يبرئ الإدارة؛ بل قد يكون في ذاته أحد أكثر المؤشرات إثارة للقلق.
فهل تجري إعادة بناء القيادة العسكرية لمواجهة الأخطار الخارجية، أم يعاد تشكيلها حتى لا يبقى داخل البنتاغون من يجرؤ على معارضة ترامب وهيغسيث، أو تقديم حقيقة لا يريدان سماعها، مهما كانت كلفة الصمت على الجيش الأمريكي والعالم؟
رئيسية 








الرئيسية



