Quantcast
2026 أغسطس 11 - تم تعديله في [التاريخ]

التوقيت الميسر في الجامعة المغربية: من أجل إصلاح هيكلي يعزز تكافؤ الفرص ويدعم الاستقلالية الجامعية


التوقيت الميسر في الجامعة المغربية: من أجل إصلاح هيكلي يعزز تكافؤ الفرص ويدعم الاستقلالية الجامعية

*بقلم // الدكتور خالد رزق*

تمر الجامعة المغربية اليوم من مرحلة مفصلية في مسار إصلاحها وتحديثها، وتتجسد إحدى أبرز معالم هذا التحول في تفعيل مقتضيات القانون رقم 59.24، الذي أرست أحكامه مرونة غير مسبوقة في تنظيم أنماط التكوين الجامعي وعرضه. وفي صدارة هذه المكتسبات يأتي التوقيت الميسر، ليس فقط كحل تنظيمي للجدولة الزمنية الخاصة بفئة معينة من الطلبة، بل كرؤية استراتيجية شجاعة تعيد التفكير في دور الجامعة ووظيفتها الاجتماعية والتنموية، وترسخ مفهوم التعلم مدى الحياة في قلب السياسات العمومية للتعليم العالي.

في سياق النقاش الدائر حول نجاعة هذا التوقيت الميسر والحيثيات القانونية والتنظيمية المرتبطة به، نود عرض مجموعة من النقاط التي تروم رفع اللبس عن هذا النمط من التكوين الجامعي، وتوضيح ما قد يلتبس على البعض.

​إن أول ما يجب التأكيد عليه هو  أن التوقيت الميسر لا يمس بمجانية التكوين، بل بالعكس من ذلك، يكرس تكافؤ الفرص بين الطلبة المتفرغين والذين انخرطوا في الحياة المهنية ويطمحون لتحسين وضعهم. ولهم كامل الحق في ذلك.

 غير أن هذا التصور التنظيمي يصطدم  بمجموعة من المغالطات والتأويلات التي تقتضي التوضيح، ذلك أن الخيط الناظم لها يعتبر إدخال التوقيت الميسر محاولة للتراجع عن مجانية التعليم. والواقع أن الاستقراء الموضوعي للقانون 59.24 يوضح بجلاء الفصل التام بين مساري التكوين الأساسي المجاني، باعتبارة حقا دستوريا مكفولا، يوفر للطلبة المتفرغين عرضا  أكاديميا عاديا ومجانيا، والتكوين بالتوقيت الميسر الذي يهم طلبة انخرطوا في الحياة العملية ويطمحون لاستكمال مسارهم الجامعي.

​في سياق تمكين المواطن المغربي من تطوير ذاته وتحسين وضعيته الوظيفية ومستواه العلمي، تقدم الجامعة المغربية خدمة أكاديمية بمرونة عالية، تتجلى في مأسسة التوقيت الميسر باعتباره خيارا إضافيا موجها لفئات تعذر عليها الالتحاق بالزمن الجامعي التقليدي. وبالتالي، فإن الاستفادة من هذا النمط الاستثنائي (المسائي أو خلال العطل) تغطي كلفة الخدمة اللوجستية الإضافية والترتيبات البيداغوجية والادارية المخصصة لتوفير ظروف مواتية للتكوين، دون أي مساس بالحق الأصيل للمواطنين في التعليم المجاني والحصول على ديبلومات ذات مصداقية ومعترف بها.

إن المتتبع لما يحدث بمختلف الجامعات، على المستوى العالمي، لا يمكنه إلا أن يقر أن إعطاء الطلبة الموظفين والأجراء فرصة لمتابعة تكوينهم، حسب ما تسمح به إلتزاماتهم المهنية، دون أن يكون هناك تقصير في هذا الجانب أو ذاك، لهو جوهر تكافؤ الفرص، لأن توفير مقعد جامعي في توقيت محدد وجامد ينطبق على الجميع، لا يعد إجراء عادلا، بل على العكس من ذلك، هو إجراء يمنع المواطن من تحسين مستواه الأكاديمي والمهني في أي مرحلة من حياته. والحالة هذه، أن التعليم حق يمكن المواطن من أن يستفيد طوال حياته من عروض تكوينية تستجيب لحاجياته ووفق ما تسمح به ظروفه المهنية والاجتماعية.

​إن التوقيت الميسر يلغي التعارض التاريخي بين الوظيفة والدراسة، ويمنع أن تتحول أوقات العمل إلى حاجز يحرم الأجراء والموظفين من الحصول على شهادات عليا، ويتيح لمختلف الفئات الاجتماعية والمهنية فرصة إعادة الاندماج في المسار الأكاديمي، مما يضمن تكافؤا حقيقيا في الفرص يعتمد على الكفاءة والرغبة بدلا من القيد الزمني ومن الاكراهات المرتبطة بتبرير التغيب عن العمل والدراسة، وما يخلقه ذلك من ضغط نفسي وتعقيدات إدارية ومسطرية. 

​ولا يخفى على أحد أن تكريس الحرية في التعلم مدى الحياة  والكرامة المهنية للموظف والأجير هما العنصران الأساسيان لكي يتمكن هذا الأخير من تحقيق مشروعه الشخصي في ظروف تضمن له من جهة أخرى المساهمة في تطوير الجامعة المغربية وفي انخراطها في التجارب الدولية لكي تصبح أكثر تنافسية.

​وبناء عليه، يوفر التوقيت الميسر للمستفيدين مرونة استثنائية تجعل من الارتقاء المهني ومواكبة سوق الشغل النواة الصلبة لتطوير الكفاءات على مستوى سوق الشغل المتغير باستمرار ومراجعة وتحديث المعارف بانتظام، مما يعزز فرص الترقية المهنية ويرفع من تنافسية المؤسسات والقطاعات الاقتصادية الوطنية.

إن معادلة التضامن والاستدامة لا تقتصر على الطالب المهني فحسب، بل تمتد لتشكل دعامة أساسية للمؤسسة الجامعية نفسها، ذلك أن دعم موارد الجامعة والمساهمة في نظام التوقيت الميسر توفر موارد مالية تخصص للبنيات التحتية العلمية تجهيز المختبرات، بما يضمن للطلبة  فرصة مواتية للتعلم واكتساب المهارات الضرورية، في سياق دولي يعطي أهمية قصوى للبحث العلمي.

 إن الطالب الموظف والأجير أصبحت له الآن فرصة لكي  يستفيد من برامج تكوينية ومواكبة مرنة ومكيفة تناسب برنامجه اليومي، وفي الوقت نفسه تساهم هذه التكوينات الميسرة بفعالية في دعم الاستقلالية المالية للجامعة وتطوير جودة خدماتها لجميع الطلبة. كما أن توفير شروط مواتية للتعلم والبحث تقتضي أيضا الأخد بعين الاعتبار الموارد البشرية التي تواكب العملية خارج الأوقات الرسمية للعمل وخلال عطلة نهاية الأسبوع. 

​إن التوقيت الميسر المكرس بموجب القانون 59.24 هو خطوة تاريخية تنقل الجامعة المغربية من النمط المدرسي المغلق إلى نموذج الجامعة المفتوحة والمستدامة. إنه قرار حكيم يحفظ مجانية التعليم للجميع، ويوفر في الآن ذاته مرونة واعدة للموظفين والأجراء، مما يجعل من الجامعة رافعة أساسية للتنمية الاقتصادية والاجتماعية في المغرب.

*الدكتور خالد رزق - عميد كلية اللغات والفنون والعلوم الإنسانية جامعة الحسن الأول سطات*

              



في نفس الركن
< >

الثلاثاء 11 أغسطس 2026 - 17:17 حين يصبح البحر أقرب من الوطن..














MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار