Quantcast
2026 يوليو 12 - تم تعديله في [التاريخ]

الذكاء الاصطناعي يدخل معركة السرطان.. ثورة في التشخيص والعلاج


الذكاء الاصطناعي يدخل معركة السرطان.. ثورة في التشخيص والعلاج
العلم الإلكترونية-ريحانة السالمي (صحافية متدربة)

منذ قرون مضت، وربما منذ أن سار الإنسان الأول على الأرض، وهناك شبح خفي يطارد الجسد البشري، عُثر على آثاره في بقايا عظام مومياوات مصرية قديمة تعود لآلاف السنين. فقد وصفه الطبيب اليوناني الشهير "أبقراط" بأنه يشبه السلطعون  (السرطان) بسبب أطرافه الممتدة التي تتغلغل في الأنسجة الحية. طوال تلك العصور، وقف الطب عاجزا أمام لغز هذا المرض، الذي يضم أكثر من 200 نوع مختلف، لكل منه سلوك خاص وشيفرة جينية معقدة، لا يمكن القضاء عليه بلقاح أو مضاد حيوي.

يمتلك الجسد البشري نظاما صارما وشديد الدقة لإدارة خلاياه، إذ تولد خلايا جديدة لتؤدي وظيفتها، وتموت الخلايا الهرمة أو التالفة تلقائيا لتفسح المجال لغيرها. غير أن الخلية قد تتعرض لخلل مفاجئ يجعلها ترفض الموت، وتبدأ في الانقسام والانتشار بشكل جنوني وخارج عن السيطرة. هذا التمرد الخلوي هو ما نسميه بالسرطان. و مع مرور الوقت، تتكتل هذه الخلايا المتمردة لتشكل أوراما تهاجم الأنسجة السليمة المحيطة بها، وتلتهم طاقة الجسم وموارده، مما يجعل المعركة معه أشبه بمحاولة إطفاء حريق ينتشر في غابة متشابكة الأغصان.
 
عقود طويلة من البحث واجه فيها الأطباء معضلة كبرى، الأورام تتشابه مجهريا لكنها تختلف جينيا، فهي تبدو متشابهة عند فحصها بالمجهر، لكنها قد تختلف في طفراتها الجينية، وهو ما يجعل استجابتها للعلاج يختلفان من مريض إلى آخر.
وقد ظل التشخيص المبكر بمثابة البحث عن إبرة في كومة قش، حتى دخل لاعب جديد إلى الساحة الطبية، حاملا معه مليارات البيانات وقدرة تحليلية فائقة. إنه الذكاء الاصطناعي، الذي أحدث ثورة حقيقية في طريقة فهمنا وعلاجنا لهذا الداء المفترس.

تكمن القوة الأولى للذكاء الاصطناعي في قدرته على رصد ما تعجز عنه العين البشرية. في الفحوصات التقليدية، قد يُفَوِّت أمهرُ أطباءِ الأشعةِ تفاصيلا دقيقة في الصور الطبية نتيجة الإجهاد أو التشابه البصري. هنا يأتي دور الخوارزميات المتقدمة. فقد أظهرت دراسة حديثة أجراها باحثون في (Imperial College London) أن دمج أنظمة الذكاء الاصطناعي في برامج فحص سرطان الثدي ساهم في رفع معدلات اكتشاف الحالات بنسبة وصلت إلى 13% مقارنة بالطرق التقليدية.

وقد امتدت قدرة الذكاء الاصطناعي لتتجاوز الفحص البصري للأشعة بمراحل، إذ اعتمدت هيئة الغذاء والدواء الأمريكية  (FDA)مئات الأجهزة والبرامج الطبية الذكية، من أبرزها منصات عالمية مثل Paige وPathAI، والتي تقوم بفحص مئات العينات المأخوذة من المرضى في ثوان معدودة، وتكشف بدقة متناهية عن طبيعة الورم وخصائصه التي قد تفوت التقييم البشري المعرض للخطأ، الشيء الذي يمنح الأطباء خارطة طريق واضحة لبدء العلاج قبل فوات الأوان.
 
وفي الآونة الأخيرة، قفزت التقنية الطبية قفزة هائلة حين أعلن علماء من كلية الطب بجامعة هارفارد (Harvard Medical School) عن تطوير نموذج ذكاء اصطناعي متعدد المهام يُدعى CHIEF. يعتمد هذا النظام على فلسفة الذكاء الاصطناعي التوليدي مثل chatgpt، لكنه بدلا من معالجة الكلمات والنصوص، يقوم بقراءة وتحليل الصور المجهرية الرقمية للأنسجة الورمية. وقد كانت نتائج الاختبارات الطبية مذهلة، حيث حقق النظام نسبة دقة بلغت 94% في رصد الخلايا السرطانية عبر 11 نوعا مختلفا من الأورام، وسجل كذلك نسبة دقة وصلت إلى 96% عند اختباره في عينات مأخوذة من سرطانات المريء والمعدة والقولون والبروستاتا، مما يثبت كفاءته العالية في التنبؤ بالمرض وتحديد خصائصه بدقة شديدة.
يستطيع هذا النظام أيضا تحديد المرضى الذين لن يستجيبوا للعلاجات القياسية، مما يوفر أسابيع طويلة كان يقضيها المريض في تجربة أدوية بلا فائدة.
 
انتقلت المعركة الحقيقية ضد السرطان الآن إلى ما يُعرف بالطب الدقيق، فبينما كان المرضى في السابق يتلقون حزمة علاجية موحدة، تتدخل اليوم أدوات ذكية مثل نظام MSI-SEER، الذي طوره باحثون في مركز فاندربيلت الطبية،  لمسح الأورام بدقة متناهية تكشف عيوب جينية خفية وتفاصيل دقيقة تعجز عن رصدها الفحوصات المختبرية التقليدية. هذا التحديد الذكي يسمح لآلاف المرضى بالحصول فورا على علاجات مناعية مصممة خصيصا لحالاتهم، و يسهم بشكل فعال في إنقاذ حياتهم.
 
بالإضافة إلى ذلك، تُشير البيانات الاقتصادية لعام 2026 إلى أن سوق الذكاء الاصطناعي في مجال الأورام يقدر بنحو 8.3 مليار دولار، مع توقعات بالنمو لتصل إلى 38.9 مليار دولار بحلول عام 2033. هذا التدفق المالي الضخم يعكس الثقة العالمية في قدرة هذه التكنولوجيا على إحداث تحول نوعي في تشخيص السرطان وتطوير علاجات أكثر دقة وفعالية.
 
الذكاء الاصطناعي في الطب لا يعمل بمفرده، ولا يحل بديلا عن الطبيب البشري، إنه الشريك الرقمي الخارق الذي يرفع عن كاهل الأطباء أعباء تحليل مليارات البيانات والمعطيات الجينية. إنه يمنح الإنسان لأول مرة أعيُناً مجهرية تُمكن من صنع ضربات استباقية دقيقة ومدروسة، وتفتح آفاقا جديدة لفهم المرض واختيار العلاج الأنسب لكل حالة.

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار