Quantcast
2026 فبراير 5 - تم تعديله في [التاريخ]

السياسة الجنائية في المغرب.. بين منطق الردع والحاجة إلى العدالة الوقائية


السياسة الجنائية في المغرب.. بين منطق الردع والحاجة إلى العدالة الوقائية

*بقلم // أسماء لمسردي*

في ظل التحولات السياسية والاجتماعية والاقتصادية التي يعرفها المغرب، يبرز موضوع السياسة الجنائية من أهم المواضيع التي تستحق اهتماما بالغا من الدولة والمجتمع، لما لها من انعكاسات مباشرة على حياة الأفراد واستقرار المجتمع، بل وعلى صورة العدالة نفسها. وإذا كانت السياسة الجنائية تُعرّف بأنها مجموع الإجراءات والتوجهات التي تعتمدها الدولة للوقاية من الجريمة ومكافحتها، فإنها في الحالة المغربية ما تزال حبيسة مقاربة تقليدية تركز على الردع والزجر أكثر من استباق الجريمة ومعالجة جذورها.

المنطلقات القانونية: نصوص متقدمة وممارسة مترددة

على المستوى النظري، قطع المغرب خطوات لا بأس بها، بدءا من دستور 2011 الذي أرسى دعائم دولة الحق والقانون، وجعل من حماية الحقوق والحريات الأساسية مرتكزا لأي تدخل قانوني، بما في ذلك في المجال الجنائي. كما جاءت مشاريع تعديل القانون الجنائي وقانون المسطرة الجنائية بمستجدات مهمة، من أبرزها التنصيص على العقوبات البديلة، والانفتاح على العدالة التصالحية، وتوسيع صلاحيات النيابة العامة في تدبير الدعوى العمومية وفق منظور عقلاني يراعي مصلحة المجتمع والفرد معا.

غير أن الملاحظة الأهم هي وجود فجوة واضحة بين النص والممارسة. فإلى اليوم، لا تزال السياسة الجنائية تمارس في كثير من الملفات من منطق العقاب، وغالبا ما ينظر إلى الجاني كعنصر يجب عزله عن المجتمع، بدل اعتباره فردًا يمكن تقويمه وإعادة إدماجه. وهذا ما يتجلى، على سبيل المثال، في ارتفاع عدد السجناء بشكل مقلق، والتضخم الكبير في الاعتقال الاحتياطي، والذي يستخدم أحيانا كأداة ضغط بدل أن يكون استثناء كما ينص على ذلك القانون.

الواقع السجني… انعكاس لخلل السياسات الجنائية

يعكس الواقع داخل السجون المغربية بوضوح محدودية السياسة الجنائية السائدة. فحسب تقارير المندوبية العامة لإدارة السجون، يعرف المغرب اكتظاظا مهولا داخل مؤسساته السجنية، حيث يفوق عدد النزلاء الطاقة الاستيعابية، ما يؤثر سلبا على ظروف الاعتقال، ويضعف برامج التأهيل وإعادة الإدماج، بل ويساهم في تكريس ما يعرف بظاهرة "العودة الإجرامية"، نتيجة غياب مسارات إصلاح فعالة.

ورغم تبني العقوبات البديلة نظريا، إلا أن تطبيقها لا يزال جد محدود، إما بسبب غياب الآليات التنفيذية، أو بسبب تردد بعض القضاة في تفعيلها، أو حتى بفعل غياب إطار ثقافي واجتماعي يتقبل هذه البدائل.

النيابة العامة كمحور في السياسة الجنائية

منذ استقلال النيابة العامة عن وزارة العدل، أُنيطت بها مسؤولية مباشرة في تفعيل السياسة الجنائية، حيث أضحت لها سلطة كبيرة في توجيه الممارسة اليومية للقانون الجنائي. لكن الرهان لا يكمن فقط في توسيع الصلاحيات، بل في مدى توظيف هذه الصلاحيات في الاتجاه الصحيح، أي نحو مقاربة حديثة تراهن على الإصلاح بدل الإقصاء، وعلى الوقاية بدل الزجر.

وفي هذا الصدد، نلاحظ بعض المبادرات الإيجابية، من قبيل توجيه دوريات تشجع على ترشيد الاعتقال الاحتياطي، أو فتح مسارات الوساطة الجنائية في قضايا معينة، لكن تبقى هذه المبادرات محدودة الأثر أمام استمرار عقلية الزجر.

نحو سياسة جنائية جديدة؛ عناصر التصور:

المرحلة الراهنة، بكل ما تحمله من رهانات أمنية واجتماعية واقتصادية، تفرض إعادة بناء السياسة الجنائية على أسس جديدة. ويجب أن تشمل هذه السياسة المحاور التالية:

1. تكريس العدالة الوقائية: عبر التركيز على معالجة الأسباب الاجتماعية والاقتصادية المؤدية للجريمة، وتوسيع دور مؤسسات التربية والوساطة والمجتمع المدني.

2. تفعيل العقوبات البديلة: بشكل عملي وواسع، مع ضمان بنيات استقبال حقيقية لتطبيقها، مثل الشراكة مع جماعات ترابية أو مؤسسات الرعاية الاجتماعية.

3. دعم الوساطة الجنائية والعدالة التصالحية: خصوصا في النزاعات ذات الطابع الأسري أو المجتمعي، لتقليص اللجوء إلى القضاء والزج بالأفراد في السجون.

4. إصلاح عميق لمنظومة السجون: بتحويل السجن من مؤسسة للعقاب إلى مؤسسة للتأهيل، مع تعزيز التكوين المهني والتربية داخل السجون.

5. مراقبة فعالية السياسة الجنائية: عبر تقييم دوري لتأثيرها على الأمن، وعلى إعادة الإدماج، وعلى تحقيق العدالة.

إن السياسة الجنائية ليست مجرد آليات قانونية، بل تعكس رؤية مجتمعية شاملة للعدالة والإنصاف. وإذا كان المغرب قد قطع أشواطا في تحديث النصوص، فإن الرهان الحقيقي اليوم يتجلى في تنزيل سياسة جنائية عادلة، إنسانية، وفعالة. سياسة توازن بين حق المجتمع في الأمن، وحق الفرد في الكرامة، وتؤمن بأن مكافحة الجريمة لا تمر فقط عبر القضبان، بل عبر بناء الثقة، وتوسيع الأفق، وتمكين المواطن.

              
















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار