العلم الإلكترونية - بقلم محمد الغياط
يشهد المشهد الإعلامي الرياضي المغربي في السنوات الأخيرة توسعاً ملحوظاً في عدد المنابر الإعلامية المتخصصة، سواء تعلق الأمر بالقنوات التلفزيونية أو الإذاعات أو المواقع الإلكترونية أو منصات التواصل الاجتماعي. غير أن هذا التوسع لم يواكبه دائماً وضوح في تحديد الأدوار المهنية بين الصحفي الرياضي والمحلل التقني ، مما أدى إلى نوع من الالتباس المفاهيمي والوظيفي انعكس على جودة المنتوج الإعلامي وعلى علاقة الإعلام بالمؤسسات الرياضية والجمهور.
فالصحفي الرياضي، وفق المعايير المهنية المتعارف عليها، هو شخص يتولى جمع الأخبار والمعلومات المتعلقة بالأحداث الرياضية والتحقق منها ومعالجتها وتقديمها للجمهور وفق قواعد الدقة والموضوعية والتوازن. وتتمثل وظيفته الأساسية في نقل الوقائع كما حدثت، مع الحرص على الفصل بين الخبر والرأي، وبين المعطيات الموضوعية والانطباعات الشخصية.
أما المحلل التقني الرياضي ، فهو متخصص يمتلك معرفة تقنية وتكتيكية عميقة بإحدى الرياضات، ويقوم بتفسير الأحداث الرياضية وشرح أبعادها الفنية والاستراتيجية، مستنداً إلى خبرة ميدانية أو تكوين أكاديمي أو تجربة سابقة كلاعب أو مدرب أو إطار رياضي. وبالتالي فإن وظيفته لا تقتصر على نقل ما وقع، بل تتجاوز ذلك إلى تفسير أسباب وقوعه ونتائجه المحتملة.
أولا: الواقع الإعلامي الرياضي بالمغرب .
يكشف الواقع الإعلامي المغربي في كثير من الأحيان عن تداخل بين هاتين الوظيفتين. فكثير من الصحفيين يتحولون إلى محللين تقنيين أثناء تغطية المباريات أو مناقشة القضايا الرياضية، فيقدمون أحكاماً تقنية وتقييمات تكتيكية قد لا تستند دائماً إلى تكوين متخصص. وفي المقابل نجد بعض المحللين التقنيين يمارسون أدواراً صحفية من خلال نشر الأخبار والتعليق على المستجدات دون الالتزام أحياناً بقواعد العمل المهني الصحفي ومتطلبات التحقق من المصادر.
ويزداد هذا الخلط داخل بعض البرامج الرياضية في بعض القنوات الرياضية الاذاعية والتلفزيونية التي تعتمد على الإثارة أكثر من اعتمادها على التحليل العلمي الرصين، حيث يصبح الصحفي طرفاً في النقاش أو المدافع عن فريق معين، بينما يتحول المحلل إلى مصدر للأخبار أو التعليقات ذات الطابع الصحفي. كما يظهر الأمر ذاته في عدد من المواقع الرياضية الإلكترونية التي تخلط بين المادة الخبرية والتحليلية، فلا يستطيع المتتبع التمييز بين المعلومة الموثقة والرأي الشخصي.
ولا يقتصر هذا الإشكال على المجال الإعلامي فقط، بل يمتد أحياناً إلى بعض الهيئات الرياضية التي لا تميز بدورها بين الصحفي والمحلل الفني. فكثيراً ما تتم دعوة الصحفيين لإبداء آراء تقنية حول اختيارات المدربين أو أداء اللاعبين، بينما يتم التعامل مع المحللين كمصادر خبرية، وهو ما يساهم في تكريس حالة الالتباس بين المهنتين.
ومن بين الأسباب التي تفسر هذه الظاهرة:
غياب التكوين المتخصص في الصحافة الرياضية والتحليل الرياضي.
ضعف التأطير المهني داخل بعض المؤسسات الإعلامية.
هيمنة منطق المشاهدات والتفاعل الرقمي على حساب الجودة المهنية.
انتشار الإعلام الرقمي الذي أتاح لأي متابع أن يقدم نفسه باعتباره محللاً أو صحفياً دون ضوابط واضحة.
نقص المواثيق المهنية المتخصصة في الإعلام الرياضي.
ثانيا: الأدوار والعلاقات
1: الصحفي الرياضي.
يهدف إلى جمع المعلومات والحقائق.
يطرح أسئلة محايدة وموضوعية.
يبحث عن الخبر وتفاصيله وخلفياته.
يبتعد عن إصدار الأحكام أو تقييم الأداء.
من أمثلة أسئلته:
ما أسباب هذا القرار؟
كيف جرت الاستعدادات للمباراة؟
ما حقيقة الأخبار المتداولة حول اللاعب؟
2: المحلل التقني الرياضي .
لا يكتفي بجمع المعلومات.
يفسر الأحداث ويقيّم الأداء.
يعتمد على الخبرة الفنية والمعرفة التخصصية.
يقدم أحكاماً واستنتاجات مبنية على معطيات تقنية.
من أمثلة أسئلته:
لماذا فشل الفريق تكتيكياً؟
هل كان اختيار المدرب للتشكيلة مناسباً؟
ما نقاط القوة والضعف التي ظهرت خلال المباراة؟
إشكالية تداخل الأدوار في الإعلام الرياضي المغربي
في العديد من البرامج والقنوات والمواقع الرياضية بالمغرب، أصبح الصحفي أحياناً يمارس دور المحلل الفني، بينما يتحول المحلل إلى صانع أخبار أو موجه للرأي العام، مما يؤدي إلى:
غياب الفصل بين الخبر والرأي.
التأثير على موضوعية المعالجة الإعلامية.
تشويش المتلقي بين المعلومة والتحليل.
انتشار الأحكام المسبقة بدل الوقائع الموثقة.
الصحفي الرياضي يسأل ليعرف ويخبر الجمهور، أما المحلل التقني فيسأل ويفسر ليقيم ويشرح. وعندما تختلط الوظيفتان تضيع الحدود المهنية بين نقل الخبر وتحليل الخبر، وهو ما يستدعي ترسيخ التخصص واحترام أخلاقيات المهنة داخل الإعلام الرياضي المعاصر..
إن تجاوز هذا الإشكال يقتضي إعادة الاعتبار للتخصص داخل الإعلام الرياضي المغربي، من خلال وضع حدود واضحة بين الوظائف المهنية المختلفة، وتعزيز التكوين المستمر للصحفيين والمحللين، وتشجيع المؤسسات الإعلامية على احترام قواعد الممارسة المهنية. فالصحفي الرياضي مطالب بنقل الحقيقة كما هي، بينما المحلل الفني مطالب بتفسيرها وقراءتها فنياً، وكلما احترم كل طرف مجاله واختصاصه ارتفعت جودة الإعلام الرياضي وتعززت ثقة الجمهور في محتواه.
وفي النهاية، فإن العلاقة بين الصحفي الرياضي والمحلل التقني ليست علاقة تنافس أو تعارض، بل هي علاقة تكامل وظيفي. فالصحفي يقدم المادة الخام للأحداث، بينما يمنحها المحلل أبعادها التفسيرية، وباجتماعهما في إطار من المهنية والتخصص يتحقق إعلام رياضي قادر على الإخبار والتثقيف والتنوير في آن واحد.
رئيسية 








الرئيسية





