Quantcast
2026 أكتوبر 23 - تم تعديله في [التاريخ]

العدالة الجبائية في خدمة الدولة الاجتماعية… مشروع مالية 2027 يضع دخل الأسر وكرامة المتقاعدين في صلب الإصلاح

بين أرقام البرلمان وانتظارات البيوت يقف امتحان الأثر الحقيقي… محمد اليطفتي يقرأ مشروع مالية 2027 من زاوية ما سيغيّره في حياة المغاربة.


فوزي لقجع يعرض مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان
فوزي لقجع يعرض مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان
★ العلم الإلكترونية - بقلم: محمد اليطفتي ★

في جلسة عمومية مشتركة بين مجلسي البرلمان، انعقدت اليوم الجمعة 23 أكتوبر 2026، ابتداءً من الساعة الثالثة بعد الزوال، لتقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027، عرض فوزي لقجع، وزير الاقتصاد والمالية والنجاعة العمومية، مجموعة من التدابير ذات الأبعاد الاجتماعية والضريبية، التي تضع القدرة الشرائية للأسر، والإنصاف الجبائي، وتحسين أوضاع المتقاعدين والأرامل، ضمن أبرز رهانات السياسة المالية للسنة المقبلة.

وتعيد هذه التدابير إلى واجهة النقاش العمومي سؤال العلاقة بين التوازنات المالية والعدالة الاجتماعية، باعتبار أن نجاعة الاختيارات الاقتصادية لا تُقاس فقط بمؤشرات النمو وحجم الموارد المرصودة، وإنما كذلك بمدى انعكاسها على الحياة اليومية للمواطنين، وقدرتها على تخفيف الأعباء عن الأجراء والأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، وتوسيع نطاق الحماية الاجتماعية.

رئاسة الجلسة وجانب من الحضور خلال تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان
رئاسة الجلسة وجانب من الحضور خلال تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان
وفي هذا السياق، يكتسي الإصلاح المقترح للضريبة على الدخل أهمية خاصة، من خلال رفع سقف الدخل السنوي المعفى من الضريبة من 40 ألف درهم إلى 60 ألف درهم، وتقليص عدد الأشطر الضريبية من خمسة إلى ثلاثة، بمعدلات 10 و20 و30 في المائة، فضلًا عن خفض أعلى معدل للضريبة من 37 إلى 30 في المائة، في إطار إصلاح تدريجي يمتد إلى سنة 2031.

وبحسب الأرقام المعلنة خلال تقديم المشروع، يُرتقب أن يستفيد 87 في المائة من الأجراء من الإعفاء من الضريبة على الدخل، مقابل استمرار أداء النسبة المتبقية، مع مكسب شهري قد يقارب 500 درهم لفائدة غالبية الأجراء المعنيين ابتداءً من فاتح يناير 2027. وتبلغ الكلفة المالية المقدرة لهذا الإصلاح 5.5 مليارات درهم خلال السنة المقبلة، بما يعكس حجم الرهان على إعادة توزيع العبء الجبائي بصورة أكثر إنصافًا.

المنصة ورئاسة الجلسة المشتركة خلال تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027
المنصة ورئاسة الجلسة المشتركة خلال تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027
ولا يتعلق الأمر بمجرد مراجعة تقنية للسلم الضريبي، بل بتوجه يروم توسيع الهامش المالي المتاح للأسر، في وقت أصبحت فيه القدرة على مواجهة نفقات السكن والتغذية والتعليم والصحة عاملًا حاسمًا في تقييم الأثر الاجتماعي للسياسات العمومية. فزيادة الدخل الصافي، متى تحققت فعليًا، يمكن أن تسهم في تنشيط الاستهلاك الداخلي وتعزيز الاستقرار الأسري، وإن كانت استدامة هذا الأثر تظل مرتبطة أيضًا بتطور الأسعار والأجور وتكلفة الخدمات الأساسية.

وتكشف التقديرات المرتبطة باستكمال الإصلاح في أفق سنة 2031 عن حجم المكاسب المنتظرة؛ إذ قد يبلغ التحسن الشهري 1186 درهمًا بالنسبة إلى أجير يتقاضى 11.800 درهم، و3079 درهمًا بالنسبة إلى أجير يصل راتبه إلى 18.700 درهم، وفق الأرقام المقدمة. وهي تقديرات تبرز أهمية الإصلاح التدريجي، لكنها تظل رهينة بالتنزيل الفعلي للمقتضيات المقترحة واستكمال مراحلها التشريعية.

رئاسة الجلسة وجانب من الحضور خلال تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان
رئاسة الجلسة وجانب من الحضور خلال تقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027 أمام مجلسي البرلمان
وإذا كان تحسين الدخل خلال فترة النشاط المهني يمثل أحد أوجه العدالة الاجتماعية، فإن صون الكرامة بعد التقاعد لا يقل أهمية، بالنظر إلى ما تواجهه فئات واسعة من المتقاعدين من صعوبات في التوفيق بين معاشات محدودة ومتطلبات العيش. ومن هنا تبرز دلالة الإعلان عن رفع الحد الأدنى لمعاش التقاعد من نحو ألف درهم إلى 1700 درهم شهريًا ابتداءً من يناير 2027، في أفق بلوغ 3000 درهم مع نهاية الولاية الحكومية.

وتشير المعطيات المعلنة إلى أن هذا الإجراء يُرتقب أن يشمل نحو 500 ألف متقاعد ومتقاعدة، من بينهم أكثر من 150 ألف أرملة، في خطوة تضع الحماية الاجتماعية لهذه الفئات ضمن أولويات الإصلاح. كما يكتسي رفع نسبة معاش الأرامل من 50 إلى 100 في المائة، لفائدة 431 ألف أرملة ابتداءً من يناير 2027، أهمية إنسانية واجتماعية، بالنظر إلى ما قد يوفره من دعم لموارد النساء اللواتي يتحملن أعباء أسرية ومعيشية بعد فقدان المعيل.

عرض مشروع مالية 2027 في جلسة مشتركة بين مجلسي البرلمان
عرض مشروع مالية 2027 في جلسة مشتركة بين مجلسي البرلمان
وتبلغ الكلفة المالية المعلنة لإجرائي تحسين معاشات التقاعد ومعاشات الأرامل عشرة مليارات درهم، وهو ما يضع أمام التدبير المالي مسؤولية ضمان استدامة هذه الالتزامات، وتوفير شروط استفادة المعنيين منها في الآجال المحددة، بما يجعل الحماية الاجتماعية حقًا فعليًا لا مجرد هدف معلن.

ومن منظور الاختيارات الحكومية، تندرج هذه الإجراءات ضمن النقاش حول بناء الدولة الاجتماعية، وهو ورش يتطلب التوفيق بين متطلبات التوازن المالي والاستجابة للانتظارات الاجتماعية. كما يضع المشاركة الحكومية، بما فيها مشاركة حزب الاستقلال، أمام مسؤولية مواصلة العمل من أجل سياسات عمومية تجعل الإنصاف وتحسين شروط العيش معيارين أساسيين لتقييم الأداء الحكومي.

جانب من الحضور خلال الجلسة المخصصة لتقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027
جانب من الحضور خلال الجلسة المخصصة لتقديم مشروع قانون المالية لسنة 2027
غير أن أهمية التدابير المعلنة لا تعفي من ضرورة إخضاع نتائجها للتقييم، سواء تعلق الأمر بحجم التحسن الفعلي في الدخل الصافي للأجراء، أو بمدى كفاية المعاشات في مواجهة تكاليف المعيشة، أو بانتظام تنزيل الإجراءات الاجتماعية والضريبية. فالإصلاح الناجع هو الذي يجمع بين وضوح الأهداف، وشفافية التنفيذ، واستدامة التمويل، والقدرة على تصحيح الاختلالات كلما كشفت الممارسة عن حدود التدابير المعتمدة.

إن مشروع قانون المالية لسنة 2027 يفتح، من خلال هذه الإجراءات، أفقًا للنقاش حول كيفية جعل السياسة الجبائية أداة للإنصاف، والميزانية رافعة للتضامن، والإنفاق الاجتماعي مدخلًا لتحسين جودة الحياة. وتظل القيمة الحقيقية لهذه الاختيارات مرتبطة بما ستحدثه من أثر ملموس في حياة الأجراء والمتقاعدين والأرامل، وبقدرتها على ترجمة الالتزامات المالية إلى مكاسب اجتماعية مستدامة.

فالدولة الاجتماعية لا تُقاس بما ترصده من اعتمادات فقط، وإنما بما تضمنه من كرامة وأمان اجتماعي، وبمدى شعور المواطن بأن جهده خلال سنوات العمل لن يتركه عرضة للهشاشة بعد التقاعد، وأن فقدان المعيل لن يحوّل حياة الأسرة إلى مواجهة يومية مع الحاجة. ومن هذا المنطلق، فإن الرهان الأساسي أمام مشروع مالية 2027 هو أن تتحول الأرقام المعلنة إلى نتائج قابلة للقياس، وأن تظل العدالة الاجتماعية معيارًا حاضرًا في توجيه الاختيارات المالية والاقتصادية.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار