Quantcast
2026 أكتوبر 22 - تم تعديله في [التاريخ]

من "وطني مستقبلي" إلى البرنامج الحكومي 2026-2031: بصمة استقلالية واضحة بالأرقام والالتزامات

قراءة في حضور الوعود الانتخابية لحزب الاستقلال ضمن التعاقد الحكومي الجديد، بين المرجعية التعادلية، والالتزامات الاجتماعية والاقتصادية، ورهان الانتقال من التعهدات إلى الإنجاز.


من "وطني مستقبلي" إلى البرنامج الحكومي 2026-2031: بصمة استقلالية واضحة بالأرقام والالتزامات
نبيل أبوالخير - أستاذ باحث في التنمية الترابية, عضو المجلس الوطني لحزب الاستقلال

يشكل البرنامج الحكومي للفترة 2026-2031 محطة سياسية بارزة في مسار الممارسة الديمقراطية بالمغرب، ليس فقط باعتباره تعاقداً جديداً بين الحكومة والبرلمان، وإنما أيضاً لكونه يعكس حصيلة التقاطعات والتوافقات بين البرامج الانتخابية للأحزاب المشكلة للأغلبية الحكومية، في سياق وطني يتسم بارتفاع انتظارات المواطنين، وتزايد الحاجة إلى إصلاحات اقتصادية واجتماعية ذات أثر ملموس.
 
وفي هذا السياق، تكتسي قراءة البرنامج الحكومي الجديد على ضوء البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال، المقدم تحت شعار "وطني مستقبلي"، أهمية سياسية خاصة، بالنظر إلى موقع الحزب داخل الأغلبية الحكومية، وإلى ما يحمله مشروعه المجتمعي من مرجعية تعادلية تجعل من الكرامة الإنسانية والإنصاف الاجتماعي والمجالي والسيادة الوطنية مرتكزات أساسية للفعل السياسي والتنموي.
 
فالمقارنة بين الوثيقتين، الأولى في40 صفحة والثانية في133 صفحة، تكشف عن حضور لافت للمحاور الخمسة الكبرى التي بنى عليها حزب الاستقلال برنامجه الانتخابي، والمتعلقة بحماية الأسرة ومنظومة القيم، ومحاربة الفساد والريع، وتحسين القدرة الشرائية وتقوية الطبقة الوسطى، وتعزيز أدوار المرفق العمومي، وترسيخ السيادة الاستراتيجية، فضلاً عن ميثاق خاص بالشباب.
 
واللافت أن هذا الحضور لا يقتصر على التقارب في التوجهات العامة، بل يمتد في بعض المجالات إلى تطابق في تدابير محددة وأرقام دقيقة، بما يسمح بالحديث عن بصمة استقلالية معتبرة داخل البرنامج الحكومي، دون إغفال أن هذا الأخير يشكل تعاقداً مشتركاً بين مكونات الأغلبية، يستند أساساً إلى التوجيهات الملكية السامية والنموذج التنموي الجديد.
 
​المرجعية التعادلية: من المشروع الحزبي إلى الاختيار الحكومي
 
من أبرز الخلاصات التي تتيحها المقارنة بين البرنامجين أن الفلسفة الاقتصادية والاجتماعية للبرنامج الحكومي تتقاطع بصورة واضحة مع المرجعية التعادلية التي يقوم عليها المشروع الاستقلالي.
 
فحزب الاستقلال، الذي دافع تاريخياً عن التوفيق بين خلق الثروة والتوزيع العادل لثمارها، قدم في برنامجه الانتخابي تصوراً يقوم على بناء اقتصاد منتج وتنافسي، مع ضمان تدخل الدولة لحماية الفئات الاجتماعية، وتقوية الطبقة الوسطى، وتكريس تكافؤ الفرص.
 
ويحضر هذا المنظور في البرنامج الحكومي من خلال الربط بين بناء اقتصاد قوي قادر على خلق الثروة وفرص الشغل، وترسيخ دولة اجتماعية قابلة للاستدامة، والانتقال من منطق توسيع التغطية الاجتماعية إلى ضمان جودة الخدمات، ومن الدعم الاجتماعي إلى الإدماج الاقتصادي.
 
ويكتسي هذا التقارب دلالة إضافية بالنظر إلى التزام الحكومة بتحقيق متوسط نمو اقتصادي سنوي يبلغ5% خلال الفترة 2027-2031، مقابل نحو3.7% خلال الفترة 2022-2025، أي بزيادة مستهدفة قدرها1.3 نقطة مئوية.
 
إنها مقاربة تجعل من النمو الاقتصادي وسيلة لتحسين حياة المواطنين، لا مجرد مؤشر إحصائي، وتنسجم مع جوهر الفكر التعادلي القائم على تحقيق التوازن بين النجاعة الاقتصادية والعدالة الاجتماعية.
 
الأسرة المغربية: تطابق لافت في الالتزامات والأرقام
 
يعد محور حماية الأسرة ومنظومة القيم من أبرز المجالات التي يظهر فيها التقاطع المباشر بين البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال والبرنامج الحكومي الجديد.
 
فقد جعل الحزب من حماية الأسرة وتقوية تماسكها أولى أولوياته الانتخابية، مقترحاً إجراءات تتعلق بدعم الشباب المقبلين على الزواج، والوساطة الأسرية، وحماية الطفولة، وتعزيز التضامن بين الأجيال.
 
ومن أبرز مظاهر التطابق اعتماد البرنامج الحكومي مقترح تقديم دعم مالي يصل إلى 5.000 درهم للشباب المقبلين على الزواج، وهو المبلغ نفسه الذي تضمنه البرنامج الانتخابي الاستقلالي.
 
ولا يتوقف التقاطع عند هذا الإجراء، بل يمتد إلى حماية الأطفال من مخاطر الفضاء الرقمي، من خلال تبني توجه يقضي بحظر ولوج الأطفال دون سن15 سنة إلى منصات التواصل الاجتماعي والألعاب الإلكترونية الخطرة، إلى جانب منع استعمال الهواتف الذكية داخل المؤسسات التعليمية الابتدائية.
 
كما يحضر التقارب في تطوير خدمات الرعاية الأسرية، وتعزيز المواكبة الاجتماعية، وإحداث مهنة المساعد الأسري.
 
ويعكس هذا التطابق في بعض المقترحات حضور تصور استقلالي يعتبر أن الأسرة ليست مجرد وحدة مستفيدة من الدعم، بل مؤسسة مركزية في تحقيق الاستقرار الاجتماعي وحماية منظومة القيم الوطنية.
 
غير أن التنزيل الفعلي لهذه الالتزامات يظل مرتبطاً بتحديد شروط الاستفادة والتمويل والآجال والنصوص التنظيمية اللازمة.
 
 محاربة الفساد والريع: أولوية استقلالية تتحول إلى محور حكومي
 
من أبرز مظاهر الحضور السياسي لبرنامج "وطني مستقبلي" تخصيص البرنامج الحكومي محوراً مستقلاً لمحاربة الفساد والقطع مع الريع وتخليق الحياة العامة
 
فقد جعل حزب الاستقلال من محاربة الفساد والريع وتضارب المصالح محوراً أساسياً في مشروعه الانتخابي، انطلاقاً من قناعة مفادها أن استعادة الثقة في المؤسسات لا يمكن أن تتحقق دون مواجهة الامتيازات غير المشروعة، وتعزيز الشفافية والمنافسة العادلة وربط المسؤولية بالمحاسبة.
 
وقد تبنى البرنامج الحكومي هذا التوجه من خلال إجراءات تستهدف محاربة الفساد وتضارب المصالح، وتنظيم الأسواق، ومحاربة الوساطة الانتهازية، وتوجيه الطلبية العمومية لخدمة الاقتصاد الوطني، وتبسيط الإدارة ورقمنة خدماتها.
 
ويكتسي هذا الاختيار أهمية خاصة بالنظر إلى ما يمثله الفساد والريع من تكلفة اقتصادية واجتماعية، ومن عوائق أمام الاستثمار وتكافؤ الفرص.
 
كما أن التوجه الحكومي نحو تجريم الإثراء غير المشروع وتعزيز مكافحة تضارب المصالح يمنح هذا المحور بعداً إصلاحياً يتجاوز الخطاب الأخلاقي إلى الالتزام بتطوير الآليات القانونية والمؤسساتية.
وهنا يبرز تقاطع جوهري مع التصور الاستقلالي الذي يربط تخليق الحياة العامة بتحسين نجاعة السياسات العمومية واستعادة ثقة المواطنين.
 
القدرة الشرائية والطبقة الوسطى: التزامات حكومية بأرقام واضحة
 
شكل تحسين القدرة الشرائية للأسر المغربية وتقوية الطبقة الوسطى أحد المحاور المركزية في البرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال، بالنظر إلى الضغوط المتزايدة التي تواجهها الأسر نتيجة ارتفاع أسعار المواد الأساسية وتكاليف السكن والنقل والخدمات.
 
وقد وجد هذا الانشغال امتداداً قوياً في البرنامج الحكومي، الذي خصص محوره الرابع لاستعادة القدرة الشرائية وترسيخ دولة اجتماعية قابلة للاستدامة.
 
ومن أبرز التدابير المعلنة إصلاح الضريبة على الدخل، من خلال رفع عتبة الدخل الصافي السنوي المعفى من الضريبة من40 ألف درهم إلى60 ألف درهم، أي بزيادة قدرها20 ألف درهم، تعادل50% من العتبة السابقة.
 
كما ينص البرنامج الحكومي على تقليص عدد الأشطر الضريبية من خمسة إلى ثلاثة، وخفض المعدل الهامشي الأعلى من37% إلى 30%، أي بفارق سبع نقاط مئوية، مع اعتماد تنزيل تدريجي خلال الفترة 2027-2031.
 
وفي السياق نفسه، التزمت الحكومة باعتماد تعويض اجتماعي لفاتورة الكهرباء بالنسبة للأسر المستحقة، يعادل قيمة الفاتورة الشهرية التي لا تتجاوز100 درهم، وفق شروط الاستحقاق المحددة.
 
وتبرز أهمية هذه الإجراءات في كونها تمنح مضموناً عملياً لأحد المطالب التي دافع عنها حزب الاستقلال، والمتمثل في تحسين الدخل الحقيقي للأسر وتقوية الطبقة الوسطى.
 
كما يظهر التقارب في معالجة أسباب الغلاء من خلال تنظيم أسواق الجملة ومسالك التوزيع، ومحاربة المضاربة والوساطة غير المنتجة، وتعزيز المنافسة العادلة.
 
فالقدرة الشرائية، وفق المنظور التعادلي، لا تتحسن فقط بالدعم المباشر، وإنما أيضاً بتقوية الأجور والدخل، وتخفيض الأعباء، وتحسين جودة الخدمات العمومية.
 
السكن: 300 ألف مستفيد وتعزيز فرص التملك
 
في مجال السكن، يبرز تقاطع آخر بين التوجه الاستقلالي الداعي إلى تسهيل الولوج إلى السكن الأول، خصوصاً لفائدة الشباب والأسر ذات الدخل المحدود والمتوسط، وبين الالتزامات الحكومية الجديدة.
 
فقد حدد البرنامج الحكومي هدف رفع العدد التراكمي للمستفيدين من الدعم المباشر للسكن إلى300 ألف مستفيد على الأقل بنهاية الولاية الحكومية، مقابل أكثر من128 ألف مستفيد عند نهاية شتنبر 2026.
 
ويعني ذلك استهداف إضافة ما لا يقل عن172 ألف مستفيد إلى العدد المسجل في التاريخ المرجعي المذكور، أي رفع الحصيلة التراكمية بأكثر من الضعف.
 
كما يحافظ البرنامج على مستويي الدعم المحددين في100 ألف درهم لاقتناء سكن لا يتجاوز ثمنه300 ألف درهم، و70 ألف درهم بالنسبة للسكن الذي يتراوح ثمنه بين300 ألف و700 ألف درهم.
 
وتكتسي هذه الالتزامات أهمية خاصة بالنظر إلى ارتباط السكن بالاستقرار الأسري والاندماج الاجتماعي والقدرة الشرائية، وهي أبعاد حضرت بقوة في التصور الانتخابي لحزب الاستقلال.
 
الشباب والتشغيل: مليون فرصة شغل ومليون شاب مستهدف بالإدماج
 
من الخصوصيات البارزة للبرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال إرفاق محاوره الخمسة بميثاق للشباب، يعكس إرادة جعل هذه الفئة شريكاً في بناء المستقبل، وليس مجرد مستفيد من البرامج العمومية.
 
وقد وجد هذا التوجه امتداداً مهماً في البرنامج الحكومي، الذي خصص محوراً مستقلاً لإدماج الشباب في التعليم والتكوين والشغل اللائق.
 
ويبرز البعد الرقمي لهذا الالتزام في استهداف إحداث نحو مليون منصب شغل خلال الولاية الحكومية، موزعة بين250 ألف منصب صافٍ في الصناعة، و270 ألف منصب في الخدمات المرحلة ذات القيمة المضافة العالية، و80 ألف فلاح شاب مقيم، و40 ألف منصب في المجال الرياضي، و360 ألف منصب في إطار تنظيم كأس العالم 2030 والأنشطة المواكبة.
 
كما يستهدف البرنامج الوطني المندمج للشباب 2027-2031 تأهيل وإدماج نحو مليون شاب وشابة لولوج سوق الشغل بصورة مستدامة، مع توفير عرض للتوجيه أو التكوين أو الإدماج لكل شاب يغادر المنظومة التعليمية في أجل لا يتجاوز ستة أشهر.
 
ويتعزز هذا الطموح بالتزام الحكومة بخفض معدل البطالة إلى7% في أفق سنة 2031، ورفع معدل النشاط الاقتصادي للنساء إلى 21.2%.
 
ويبرز هنا تقاطع مهم مع البرنامج الاستقلالي الذي اقترح برنامج "آفاق" لتوفير فرص الشغل أو التكوين للشباب في أجل أقصاه ستة أشهر، إلى جانب مبادرة "100 ألف موهبة رقمية" لإعداد الكفاءات لمهن الاقتصاد الرقمي والخدمات ذات الطلب العالمي. 
 
غير أن الرقم المتعلق بمليون منصب شغل ينبغي التعامل معه باعتباره التزاماً حكومياً مشتركاً، لا وعداً حصرياً لحزب الاستقلال، كما يجب التمييز بين إحداث مناصب الشغل وتأهيل الشباب للإدماج، باعتبارهما هدفين متكاملين لا يجوز جمعهما حسابياً.
 
المدرسة والمستشفى العموميان: من توسيع العرض إلى جودة الخدمات
 
يشكل الدفاع عن المرفق العمومي أحد المرتكزات الأساسية في الفكر الاستقلالي، باعتباره أداة لتحقيق المساواة الفعلية بين المواطنين وضمان الحق في التعليم والصحة والخدمات الأساسية.
 
وقد خصص حزب الاستقلال محوراً مستقلاً في برنامجه الانتخابي لدعم وتقوية أدوار المرفق العمومي في إطار دولة الرعاية، وهو توجه يحضر بقوة في البرنامج الحكومي، خصوصاً فيما يتعلق بتأهيل المنظومتين الصحية والتعليمية.
 
وفي المجال الصحي، اقترح الحزب تأهيل 2.000 طبيب متخصص في أفق سنة 2031، وتفعيل نظام الطبيب المرجعي، وتعزيز الخريطة الصحية الجهوية، وتطوير خدمات المستعجلات.
 
وتتقاطع هذه المقترحات مع التوجه الحكومي الرامي إلى تحسين الولوج الفعلي إلى العلاج، وتوسيع العرض الصحي، وتطوير مسارات العلاج انطلاقاً من طبيب الأسرة، وتحقيق توزيع أكثر إنصافاً للموارد البشرية والتجهيزات الصحية.
 
أما في مجال التعليم، فيبرز التقارب في تعميم التعليم الأولي ذي الجودة، والحد من الهدر المدرسي، وتحسين التعلمات الأساسية، وربط التكوين بمتطلبات سوق الشغل.
 
وتتمثل القيمة المضافة لهذا التقاطع في الانتقال من منطق توسيع البنيات والتجهيزات إلى منطق قياس النتائج الفعلية، بحيث لا يقاس نجاح الإصلاح بعدد المدارس والمستشفيات فقط، بل بمدى تحسن جودة التعليم والعلاج الذي يتلقاه المواطن.
 
السيادة الاستراتيجية: من "الماء أولاً" إلى الاقتصاد المنتج
 
إذا كانت هناك قضية تشكل امتداداً مباشراً للهوية الفكرية والتاريخية لحزب الاستقلال، فهي قضية السيادة الوطنية بمختلف أبعادها.
 
فالحزب الذي ارتبط تاريخياً بمعركة الاستقلال وبناء الدولة الوطنية، جعل من تعزيز السيادة الاستراتيجية المحور الخامس لبرنامجه الانتخابي، من خلال مقترحات محددة تتعلق بالأمن المائي والطاقي والغذائي والصحي والصناعي.
 
ومن أبرز الالتزامات الاستقلالية اعتماد مبدأ "الماء أولاً" في السياسات الفلاحية، ورفع المحتوى المحلي في المشاريع الطاقية إلى50% في أفق سنة 2031، واعتماد معيار "القيمة المنتجة بالمغرب" بوزن لا يقل عن30% في تنقيط الصفقات العمومية.
 
كما اقترح الحزب إرساء إطار قانوني للتخزين الاستراتيجي للمواد الحيوية، وتعزيز الإدماج الصناعي الوطني، وتطوير سلاسل القيمة للثروات المعدنية، وفي مقدمتها الفوسفاط. 
 
ويجد هذا التوجه امتداداً واضحاً في البرنامج الحكومي، الذي خصص محوره السادس لتأمين السيادة الاستراتيجية واستدامتها، ومحوره السابع لبناء اقتصاد قوي قادر على تمويل الطموح الاجتماعي والسيادي.
ويبرز التقاطع خصوصاً في تعزيز الإنتاج الوطني، وتقليص التبعية للخارج، وتأمين الموارد المائية والطاقية والغذائية والدوائية، وتوجيه الاستثمار والطلبية العمومية نحو تقوية النسيج الاقتصادي الوطني.
 
غير أن التمييز يظل ضرورياً بين تبني التوجه السيادي العام وبين الاحتفاظ بالأهداف الرقمية التفصيلية، ولا سيما نسبتي30% و50% اللتين تضمنهما البرنامج الانتخابي للحزب.
 
العدالة المجالية: نحو مغرب يتقدم بسرعة واحدة
 
من القضايا التي ميزت المشروع الاستقلالي الدفاع المستمر عن الإنصاف المجالي، ورفض استمرار الفوارق بين المجالات الترابية.
 
وقد وجد هذا الانشغال امتداداً واضحاً في البرنامج الحكومي من خلال تسريع تنزيل الجهوية المتقدمة، وإطلاق جيل جديد من برامج التنمية الترابية المندمجة، وربط الاستثمار العمومي بنتائج ملموسة في التشغيل والصحة والتعليم والماء والنقل وفك العزلة.
 
ويعكس هذا التوجه تقارباً مع التصور الاستقلالي الذي يعتبر أن العدالة المجالية ليست مجرد توزيع جغرافي للمشاريع، بل شرط أساسي لتحقيق المواطنة الكاملة وتكافؤ الفرص.
 
كما ينسجم مع التوجيهات الملكية السامية الداعية إلى بناء مغرب صاعد ومتوازن، تتكامل فيه التنمية الاقتصادية مع العدالة الاجتماعية والمجالية.
 
من الحضور البرنامجي إلى الوفاء بالالتزامات: الاختبار الحقيقي يبدأ الآن
 
إن القراءة المقارنة للبرنامج الانتخابي لحزب الاستقلال والبرنامج الحكومي 2026-2031 تسمح بتسجيل حضور معتبر للمحاور الخمسة الكبرى لبرنامج "وطني مستقبلي"، إلى جانب عدد من الالتزامات المتعلقة بالشباب والتشغيل والسكن والقدرة الشرائية والسيادة الاستراتيجية.
 
والأهم أن هذا الحضور لا يقتصر على التشابه في العناوين، بل يمتد إلى تدابير محددة، من قبيل دعم الزواج بمبلغ يصل إلى 5.000 درهم، وحماية الأطفال دون15 سنة من بعض المخاطر الرقمية، وتطوير آليات إدماج الشباب في أجل أقصاه ستة أشهر.
 
وفي المقابل، تكشف المقارنة أن بعض الالتزامات الحكومية الرقمية، مثل استهداف مليون منصب شغل، وتحقيق نمو اقتصادي متوسط قدره 5%، ورفع عدد المستفيدين من دعم السكن إلى 300 ألف، تمثل أهدافاً حكومية مشتركة تتقاطع مع الأولويات الاستقلالية، دون أن يعني ذلك بالضرورة أنها انتقلت حرفياً من البرنامج الانتخابي للحزب.
 
وهنا تبرز أهمية الانتقال من قراءة الحضور البرنامجي إلى إرساء آلية موضوعية لتتبع تنفيذ الالتزامات، تقوم على التمييز بين الوعود التي تم تبنيها بالكامل، وتلك التي أدرجت بصورة جزئية، والمقترحات التي لم تجد طريقها بعد إلى التعاقد الحكومي.
 
كما تبرز مسؤولية حزب الاستقلال، بقيادة أمينه العام نزار بركة، في مواصلة الترافع داخل الأغلبية الحكومية من أجل تنزيل الالتزامات التي دافع عنها أمام الناخبين، وتقديم حصيلة دورية وشفافة حول مستوى تقدمها.
 
فالمواطن الذي منح ثقته للأحزاب السياسية لا ينتظر مجرد التعرف على وعودها الانتخابية داخل وثيقة حكومية جديدة، بل ينتظر أن تتحول تلك الوعود إلى قرارات وإصلاحات ونتائج ملموسة في حياته اليومية.
والخلاصة أن حزب الاستقلال استطاع أن يجد لجزء معتبر من اختياراته السياسية والاجتماعية والاقتصادية مكاناً داخل البرنامج الحكومي الجديد، بما يعكس حضوراً واضحاً لمرجعيته التعادلية وأولوياته الانتخابية.
 
غير أن التحدي الأكبر لا يكمن في إثبات هذا الحضور وحده، بل في تحويله إلى إنجازات قابلة للقياس، تستجيب لانتظارات المواطنين وتعيد الاعتبار لمصداقية الالتزام السياسي.
 
فبين "وطني مستقبلي" كشعار انتخابي، والبرنامج الحكومي 2026-2031 كتعاقد سياسي، تتحدد اليوم مسؤولية جديدة: أن يصبح المستقبل الذي وعد به حزب الاستقلال جزءاً من الواقع اليومي للمغاربة، وأن تتحول الثقة التي عبرت عنها صناديق الاقتراع إلى نتائج تعزز ثقة المواطنين في السياسة والمؤسسات.
 
وهنا بالضبط يكمن الرهان الحقيقي للمرحلة المقبلة: ليس فقط في مدى حضور حزب الاستقلال داخل البرنامج الحكومي، بل في مدى حضور التزاماته داخل حياة المواطنين.

 


              



في نفس الركن
< >

الاربعاء 21 أكتوبر 2026 - 20:35 بيتٌ تسكنه الأشباحُ الرقمية

الاربعاء 21 أكتوبر 2026 - 14:51 من الجزائر إلى مدريد ونواكشوط:














MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار