حين ينسحب الصوت الحر.. من يربح صندوق الاقتراع؟
*بقلم: د. خالد الطرابلسي*
«المشكلة ليست فقط في الصوت الذي يُشترى… بل في الصوت الحر الذي ينسحب؛ حيث يصبح العزوف شريكًا في إعادة إنتاج الأزمة».
تبدأ أزمة الديمقراطية حين يتحول صوت الناخب من تعبير عن إرادة حرة إلى سلعة انتخابية، لكنها تصبح أخطر حين يقرر المواطن الواعي، المستقل، القادر على التمييز والمحاسبة، أن ينسحب من صناديق الاقتراع، ويتركها لمن تملك شبكات المال والنفوذ والزبونية قدرة أكبر على تعبئتهم أو التأثير في اختياراتهم.
هنا تتشكل المفارقة الحقيقية؛ فالفئات الأكثر هشاشة قد تكون أكثر عرضة للاستمالة بسبب الحاجة، بينما تختار فئات من الطبقة الوسطى والمثقفين والأطر والشباب المتعلم المقاطعة بدعوى فقدان الثقة في الأحزاب والمؤسسات.
والنتيجة أن الصوت الذي يمكن التأثير فيه يحضر، بينما الصوت الذي يصعب شراؤه يغيب.
وهكذا، لا يعود العزوف مجرد موقف سلبي من السياسة، بل يصبح، من حيث أثره الموضوعي، عاملًا في إعادة توزيع القوة الانتخابية لصالح الفئات الأكثر تنظيمًا أو الأكثر قدرة على استعمال المال والنفوذ.
فالمقاطع لا يلغي الانتخابات، ولا يمنع توزيع المقاعد، ولا يوقف تشكيل المؤسسات؛ إنه فقط يتنازل عن حقه في المشاركة والاختيار والتغيير، ويترك للآخرين أن يقرروا في مصير الوطن نيابة عنه.
ومن هنا تبرز المفارقة المؤلمة؛ فالمشارك الذي يبيع صوته، والمقاطع الذي يحتج على الفساد، قد يلتقيان، رغم الاختلاف الجذري في المنطلق والمسؤولية، في نتيجة واحدة، هي إعادة إنتاج الوضع القائم وتكرار وجوه الأزمة نفسها.
ولذلك، فإن معركة تخليق الانتخابات لا يمكن أن تقتصر على محاربة شراء الأصوات فقط، بل ينبغي أن تشمل أيضًا معركة استعادة الناخب الواعي إلى صندوق الاقتراع.
فكلما اتسعت دائرة العزوف بين الفئات المثقفة والواعية، أصبحت شبكات المصالح والأعيان أكثر قدرة على التحكم في النتائج بأعداد أقل من الأصوات.
ولهذا، فإن السؤال الحقيقي في أي استحقاق انتخابي ليس فقط:
من سيصوت؟
بل:
من سيقاطع؟ ومن سيستفيد من مقاطعته؟
فحين يصمت الواعون، لا يصمت صندوق الاقتراع، بل يتكلم الآخرون باسمهم، وتصبح لغة المال والنفوذ هي المسيطرة والمتحكمة في منظومة الانتخابات.
ومن هنا تنشأ واحدة من أخطر مفارقات الديمقراطية، تتجلى في أن العزوف هو الآخر مشاركة، ولكنه مشاركة سلبية؛ وحتى الصمت الانتخابي اختيار، ولكنه اختيار يترك الواقع بيد أصوات الآخرين وبيد تجار الانتخابات.
ليست الانتخابات مجرد موعد دوري يوضع فيه اسم داخل صندوق، وليست ورقة التصويت إجراء تقنيًا ينتهي أثره عند مغادرة مكتب الاقتراع.
الانتخابات لحظة سياسية ومصيرية، يتقرر فيها جزء من مستقبل المجتمع والوطن. وصوت الناخب ليس مجرد حق فردي، بل مسؤولية سياسية وأخلاقية تجاه الوطن وتجاه الأجيال القادمة.
ولهذا، لم يكن المشرع الدستوري المغربي عبثًا حين قرر، في الفصل 30 من دستور 2011، أن «التصويت حق شخصي وواجب وطني».
كما اعتبر الفصل 11 من الدستور أن «الانتخابات الحرة والنزيهة والشفافة هي أساس مشروعية التمثيل الديمقراطي»، وألزم السلطات العمومية بتوفير الوسائل اللازمة لتحقيق النزاهة والنهوض بالمشاركة الانتخابية.
فالمواطن، حين يصوت، لا يختار فقط نائبًا أو حزبًا لمدة خمس سنوات؛ بل يساهم في اختيار السياسات التي ستحدد مستوى التعليم والصحة والتشغيل والضرائب والاستثمار والحماية الاجتماعية وتوزيع الثروة وجودة المؤسسات.
وبالمقابل، حين يمتنع عن التصويت، فإن امتناعه لا يلغي الانتخابات ولا يمنع الآخرين من تقرير النتيجة، بل يترك لهم مساحة أكبر لاتخاذ القرار مكانه.
إن مسؤولية المثقف والأستاذ والطبيب والمحامي والمهندس والطالب ورجل الأعمال والموظف، وكل مواطن يمتلك القدرة على القراءة والمقارنة والتمييز، لا ينبغي أن تنتهي عند نقد المشهد السياسي.
فإذا كانت الفئات الأكثر قدرة على تحليل البرامج والتمييز بين الخطاب والكفاءة تنسحب من صناديق الاقتراع، فمن سيملأ الفراغ؟
السياسة لا تقبل الفراغ، كما أن الطبيعة لا تقبل الفراغ.
كل مساحة تتركها فئة تملؤها فئة أخرى، وهذه معادلة صعبة.
وقدم، في هذا الصدد، جوزيف شومبيتر (Joseph Schumpeter)، عالم الاقتصاد والعلوم السياسية الأمريكي من أصل نمساوي، فهمًا واقعيًا للديمقراطية يقوم على المنافسة بين النخب على أصوات المواطنين.
فهو يرى أنه، في الديمقراطية التمثيلية، لا يدير المواطن الدولة مباشرة، بل يساهم أساسًا في اختيار من سيديرها. ومن هنا يمكن النظر إلى المقاطعة باعتبارها تنازلًا جزئيًا عن سلطة الاختيار.
فالديمقراطية ليست عملية بحث عن الكمال؛ إنها عملية مفاضلة:
بين الأفضل والأسوأ.
بين الأكفأ والأقل كفاءة.
بين الأكثر نزاهة والأكثر إثارة للشبهات.
بين البرنامج الأكثر واقعية والخطاب الأكثر شعبوية.
وفي بعض الأحيان، تكون الديمقراطية، ببساطة، فن اختيار الأقل سوءًا، تمهيدًا لإنتاج الأفضل مستقبلًا.
إن محاربة العزوف والفساد الانتخابي تحتاج إلى استراتيجية حقيقية وواقعية متعددة الأطراف.
فالدولة مطالبة بضمان النزاهة والحياد وتطبيق القانون بحزم، وهو ما ينسجم مع الفصل 11 من الدستور، الذي يجعل نزاهة الانتخابات وشفافيتها أساسًا للتمثيل الديمقراطي.
والأحزاب مطالبة بتقديم مرشحين ذوي كفاءة ونزاهة، وبإعادة الاعتبار للتأطير الحزبي والديمقراطية الداخلية.
والمجتمع المدني مطالب بنشر الثقافة الانتخابية ومراقبة الانتخابات وتوعية المواطنين.
والإعلام مطالب بكشف البرامج والمرشحين، وفتح نقاش عقلاني حول السياسات.
لكن يبقى، في نظري، الفاعل الأخير والأكثر حسمًا، وهو الناخب.
فمشاركته الانتخابية تعني المشاركة في الإصلاح والتغيير واختيار البدائل القادرة على إيجاد الحلول. أما غيابه ومقاطعته، وإن كان لذلك ما يبرره، فيبقيان، في جميع الأحوال، تهربًا من المشاركة، بل من المساهمة في بناء مستقبل الوطن ومستقبل الأجيال القادمة.
فعوض أن تكون أغلبية مقررة، وقوة انتخابية، وكتلة تغيير عبر المؤسسات، تفضل أن تبقى أغلبية صامتة تراقب وتنتقد، وتشكل كتلة احتجاج خارج المؤسسات.
ويمكن القول إن أحد أكبر مصادر قوة شبكات المصالح والنفوذ ليس حجمها فقط، بل غياب خصومها عن صناديق الاقتراع.
إن الخطر الحقيقي على مستقبل الاستحقاقات الانتخابية لا يكمن فقط في المال الفاسد أو نفوذ الأعيان، بل في الفراغ الذي تتركه الأصوات الحرة حين تنسحب من معركة الاختيار.
ففي كل مرة يقاطع فيها المواطن الواعي، تتسع المساحة أمام شبكات المال والنفوذ، وتصبح القدرة على التحكم في الخريطة الانتخابية أكبر، وتعود الوجوه نفسها إلى المؤسسات، ويُعاد تشكيل التمثيل السياسي بالآليات نفسها التي أنتجت كثيرًا من مظاهر الفساد والعجز والاحتقان وفقدان الثقة.
فلا معنى للمطالبة بمستقبل مختلف إذا تركنا أدوات صناعة ذلك المستقبل في يد القوى نفسها التي صنعت الحاضر.
رئيسية 








الرئيسية




