Quantcast
2026 يونيو 14 - تم تعديله في [التاريخ]

الفيفا تقصف ولا تبالي : فكرة كرسي الصحفي الفارغ تزعزع نظام العالم الآخر


الفيفا تقصف ولا تبالي : فكرة كرسي الصحفي الفارغ تزعزع نظام العالم الآخر
العلم الإلكترونية - بوشعيب حمراوي 
 
فضح كرسي فارغ خلال ندوة صحفية رسمية لرئيس الاتحاد الدولي لكرة القدم، على هامش انطلاق منافسات كأس العالم 2026، ما عجزت عن كشفه مئات البيانات والتقارير والتصريحات السياسية. ففي الوقت الذي كانت فيه أنظار العالم متجهة نحو المستطيل الأخضر، والنجوم، والمباريات، وأجواء الاحتفال بأكبر عرس كروي عالمي، نجح مقعد خال من صاحبه في خطف اهتمام الصحافة الدولية وتحويل مسار النقاش من كرة القدم إلى حرية الصحافة. لم يكن ذلك الكرسي قطعة أثاث عادية وسط قاعة المؤتمرات، بل تحول إلى رسالة إنسانية وسياسية وإعلامية بالغة القوة عندما أشار إليه رئيس الفيفا أمام عشرات الصحفيين القادمين من مختلف دول العالم، موضحاً أنه خُصص للصحفي الفرنسي كريستوف غليز الذي منحته الفيفا اعتماداً رسمياً لتغطية منافسات كأس العالم، غير أن وجوده خلف القضبان حال دون حضوره بالجزائر.
 
في تلك اللحظة لم يكن الكرسي الفارغ مجرد رمز لغياب صحفي عن حدث رياضي عالمي، بل أصبح شاهداً على مفارقة مؤلمة. فبينما اجتمع العالم للاحتفال بكرة القدم، كان صحفي رياضي يقبع في السجن بعيداً عن الملاعب التي من المفروض أن يكون منهمكا بمتابعتها والكتابة عنها.
 
لم يحتج رئيس الفيفا إلى خطاب طويل أو إلى اتهامات مباشرة أو إلى لغة دبلوماسية معقدة، إذ كانت الإشارة إلى ذلك المقعد كافية لتوجيه رسالة وصلت إلى ملايين المتابعين عبر العالم. وهنا تحديداً بدأت مشكلة أولئك الذين اعتادوا السباحة في المياه العكرة، لأن مواجهة كرسي فارغ أصعب بكثير من مواجهة خصم سياسي أو إعلامي، فالكرسي لا يهاجم أحداً ولا يناقش أحداً، لكنه يضع الجميع أمام حقيقة يصعب تجاهلها أو الالتفاف حولها.
 
لقد اكتشف أصحاب الضجيج أن أخطر ما يمكن أن يواجههم ليس صخب المعارضين، بل صمت الرموز عندما تتحول إلى وقائع دامغة، وأن صورة مقعد فارغ في ندوة صحفية عالمية قد تكون أبلغ من آلاف الكلمات وأقوى من مئات الخطب وأكثر تأثيراً من عشرات الحملات الدعائية التي تُنفق عليها الأموال والجهود. ففي بعض الأحيان لا تحتاج الحقيقة إلى من يتحدث باسمها، بل يكفي أن تترك مكاناً فارغاً ليطرح العالم كله السؤال الذي يحاول البعض الهروب منه.
 
الفيفا دافعت عن شريكها... لا عن كل ملفات العالم
 
المثير للسخرية أن بعض السباحين في المياه العكرة حاولوا التقليل من قيمة مبادرة الكرسي الفارغ عبر القفز مباشرة إلى ملفات أخرى لا علاقة لها بسياق الندوة الصحفية ولا بمضمونها الرياضي. والحال أن الأمر لا يحتاج إلى كل هذا الالتفاف. فالفيفا لم تنظم ندوة حول أوضاع حقوق الإنسان في العالم، ولم تعقد مؤتمراً دولياً حول الحريات العامة، ولم تفتح نقاشاً بشأن الصحافة الحربية أو الصحافة السياسية أو المعتقلين بمختلف تصنيفاتهم. ما حدث ببساطة أن مؤسسة رياضية عالمية انتصرت لصحفي رياضي يحمل اعتماداً رسمياً منحته له بنفسها لتغطية كأس العالم، أي أنها دافعت عن أحد شركائها المهنيين الذين يشكلون جزءاً أساسياً من المنظومة الرياضية العالمية. فالصحافة الرياضية بالنسبة للفيفا ليست مجرد متفرج على المدرجات، بل شريك في نقل الصورة والترويج للبطولات وصناعة الإشعاع الرياضي.
 
أما محاولة جر النقاش نحو ملفات اعتقال صحفيين آخرين أو الحديث عن صحافة الحرب أو عن أشخاص مُنعوا من دخول بلدان معينة أو عن لاعبين أو حكام أو جماهير واجهوا قيوداً مختلفة، فهو في الحقيقة اعتراف غير مباشر بقوة المبادرة الأصلية أكثر مما هو رد عليها. لأن هذه القضايا، مهما كانت أهميتها، لم تكن موضوع الندوة أصلاً، ولم تُطرح على رئيس الفيفا حتى يُسأل عن موقفه منها. بل إن مكانها الطبيعي هو أسئلة الصحفيين أنفسهم خلال المؤتمرات واللقاءات الرسمية: ماذا فعلت الفيفا تجاه هذه القضية أو تلك؟ هل احتجت؟ هل راسلت؟ هل توسطت؟ هل أطلقت مبادرات؟ وهل المنع أو التضييق أو المتابعة مرتبط بأسباب رياضية أم بملفات قانونية أو سيادية تخص الدول المعنية؟
 
كان بإمكان الصحفيين الحاضرين أن يطرحوا عشرات الأسئلة من هذا النوع على رئيس الفيفا لو أرادوا معرفة حدود تدخل المؤسسة الرياضية العالمية في مثل هذه الملفات، لكن الفرق كبير بين سؤال يُطرح على المسؤول فيجيب عنه، وبين محاولة فرض أجوبة عليه بعد انتهاء الندوة. لذلك فإن جوهر القضية لا يتعلق بما لم يقله رئيس الفيفا، بل بما قاله فعلاً أمام العالم: صحفي رياضي معتمد من الفيفا كان يفترض أن يكون حاضراً في كأس العالم، فوجد نفسه غائباً خلف القضبان، فقررت المؤسسة التي منحته الاعتماد أن تذكر العالم به. وما عدا ذلك يبقى مجرد محاولة للهروب من الرسالة الأصلية نحو متاهات جانبية لا تغير من حقيقة أن الكرسي الفارغ أدى مهمته كاملة، ووصلت رسالته إلى أبعد مما كان يتوقع كثيرون.
 
أسئلة مشروعة... لا شعارات جاهزة
 
من باب الإنصاف الذي يطالب به الجميع، كان من الأولى قبل إطلاق حملات التنديد والتباكي أن تُطرح الأسئلة الحقيقية حول الحكم الصومالي الذي مُنع من دخول الولايات المتحدة الأمريكية خلال منافسات كأس العالم. فهل كان المنع بسبب قرار رياضي صادر عن الفيفا؟ أم بسبب اعتبارات أمنية أو قانونية أو إدارية تدخل ضمن السيادة الوطنية للدولة المستضيفة؟ وهل اطلع أصحاب الضجيج على حيثيات الملف قبل تحويله إلى قضية رأي عام؟ فالعالم المتحضر لا يبني مواقفه على الانطباعات، بل على الوقائع والمعطيات والقرارات الرسمية. وإذا كان من حق الجميع مساءلة الفيفا عن أي إجراء يمس الفاعلين الرياضيين، فمن الواجب أيضاً التمييز بين ما هو رياضي وما يدخل ضمن الاختصاصات السيادية للدول، وإلا تحولت كل قضية إلى مادة للمزايدة أكثر منها موضوعاً للبحث عن الحقيقة.
 
والأكثر إثارة للاستغراب أن الذين رفعوا أصواتهم اليوم بسبب حالات فردية ومتفرقة، يتناسون أن منتخب دولة عظمى بحجم روسيا مُنع بالكامل من المشاركة في المنافسات الدولية التابعة للفيفا واليويفا منذ سنوات، وغاب عن كأس العالم 2022، وأُقصي من تصفيات ونهائيات كأس العالم 2026، كما حُرم من المشاركة في بطولة أمم أوروبا، ومع ذلك لم نشاهد حملات صاخبة تطالب برفع المنع أو تدافع عن حق ملايين المشجعين الروس في رؤية منتخبهم ضمن المحافل الدولية. ولم نسمع من يطالب رئيس الفيفا باستغلال كل ندوة صحفية للحديث عن هذا الملف. وهذا لا يعني بالضرورة صحة أو خطأ قرار المنع، بل يكشف حجم الازدواجية في التعامل مع القضايا الرياضية؛ إذ يبدو أن بعض الأصوات لا تتحرك دفاعاً عن المبادئ بقدر ما تتحرك وفق الحسابات والاصطفافات والمواقف المسبقة.
 
ثم إن الندوة الصحفية التي أطلق خلالها رئيس الفيفا مبادرة الكرسي الفارغ لم تكن محاكمة سياسية دولية ولا جلسة لمناقشة جميع أزمات العالم، بل كانت مناسبة رياضية اختار خلالها رئيس أكبر مؤسسة كروية في العالم أن يدافع عن صحفي رياضي معتمد من الفيفا نفسها. ولذلك فإن تحويل النقاش نحو ملفات أخرى لا يغير من جوهر الرسالة، بل يؤكد أن أصحابها وجدوا صعوبة في الرد على المبادرة الأصلية، فاختاروا الهروب إلى قضايا جانبية أملاً في التخفيف من وقع كرسي فارغ نجح في إحراج الكثيرين أكثر مما فعلت آلاف الكلمات. 
 
الكرسي الذي تكلم أكثر من الجميع
 
هناك خطباء يقفون ساعات طويلة ولا يتركون أثراً، وهناك بيانات تمتد عشرات الصفحات ولا يقرأها أحد، لكن ذلك الكرسي الفارغ استطاع في دقائق معدودة أن يقول ما عجزت عنه مئات الخطب.
 
لقد تحول المقعد إلى رسالة سياسية وإعلامية وحقوقية في الوقت نفسه. لم يصرخ، لم يشتم، لم يتهم أحداً، لكنه كان يقول للعالم ببساطة: كان يفترض أن يكون هنا صحفي يحمل اعتماداً رسمياً لتغطية كأس العالم، لكنه ليس هنا.
 
وهنا تكمن المعضلة بالنسبة لعشاق السباحة في المياه العكرة. فهم بارعون في مواجهة الخصوم السياسيين، ويجيدون صناعة المعارك الوهمية، لكنهم يجدون صعوبة كبيرة في مواجهة الحقائق المجردة. فالحقائق لا تستفز ولا تنفعل ولا تدخل في سجالات، بل تكتفي بالوجود، وهذا ما يجعلها أكثر خطورة.
 
يرون منزلهم يحترق وينصرفون إلى مناقشة لون سيارة الإطفاء
 
المثير للسخرية أن بعض الأشخاص لا يهمهم مصير الصحفي ولا ظروف اعتقاله ولا حتى صورة بلدهم أمام العالم، بقدر ما يهمهم تحويل كل قضية إلى معركة أيديولوجية أو وطنية أو إعلامية.
 
هؤلاء يشبهون تماماً من يرى منزله يحترق فينصرف إلى مناقشة لون سيارة الإطفاء. لا يناقشون أصل المشكلة بل يبحثون دائماً عن معارك جانبية تبعد الأنظار عن جوهر الموضوع. فإذا تحدث أحد عن صحفي معتقل، قالوا إنه يستهدف الدولة. وإذا طالب أحد بحرية التعبير، قالوا إنه ينفذ أجندات أجنبية. وإذا دافع أحد عن صحفي، اتهموه بأنه ضد الوطن.
 
والحال أن الأوطان القوية لا تخاف من الصحفيين، بل تخاف من الفساد والجهل والتخلف والانغلاق. أما الصحافة الحرة فتبقى دائماً إحدى علامات الثقة في النفس وقوة المؤسسات.
 
عندما تصبح الرياضة أكثر حكمة من السياسة
 
المفارقة الجميلة أن الرسالة لم تصدر عن منظمة حقوقية ولا عن حزب سياسي ولا عن هيئة معارضة، بل صدرت من مؤسسة رياضية عالمية يفترض أن مهمتها الأساسية تنظيم كرة القدم.
 
لكن يبدو أن كرة القدم فهمت أحياناً ما عجزت السياسة عن فهمه. فالرياضة تعلم أن المنافسة لا تكون عادلة إلا عندما تكون القواعد واضحة للجميع، وأن احترام الخصم جزء من احترام الذات، وأن الصورة الدولية لأي بلد لا تُبنى بالشعارات بل بالممارسات.
 
ولهذا فإن الإحراج الحقيقي لم يكن في الكلمات التي قيلت، بل في المكان الذي قيلت فيه. فعندما يتحول مؤتمر رياضي عالمي إلى منصة للحديث عن صحفي غائب، فهذا يعني أن القضية تجاوزت حدودها المحلية وأصبحت جزءاً من النقاش الدولي.
 
نصيحة مجانية لعشاق العكر
 
إلى أولئك الذين يصرون على السباحة في المياه العكرة: جربوا السباحة مرة واحدة في المياه الصافية.
 
فالمياه الصافية تكشف الأخطاء قبل أن تتحول إلى فضائح، وتسمح بمعالجة المشاكل قبل أن تصبح أزمات، وتجعل النقد وسيلة للإصلاح لا مناسبة للتخوين.
 
أما الاستمرار في تعكير المياه فلن يؤدي إلا إلى نتيجة واحدة؛ وهي أن الجميع سيتوقفون في النهاية عن النظر إلى الماء نفسه، وسينشغلون بالسؤال: من الذي يعكر الماء؟ ولماذا؟
 
والأخطر من ذلك أن العالم اليوم لم يعد ينتظر الرواية الرسمية وحدها، بل يمتلك آلاف الوسائل لرؤية الصورة كاملة. لذلك فإن إدارة السمعة الدولية لم تعد تتم عبر إخفاء الوقائع، بل عبر معالجتها بشجاعة وشفافية.
 
انتصار الصمت على الضجيج
 
في النهاية، لم ينتصر صحفي على دولة، ولم ينتصر سياسي على خصم، ولم ينتصر إعلام على سلطة. الذي انتصر في هذه القصة هو المعنى.
 
لقد انتصر كرسي فارغ على آلاف الكلمات، وانتصر سؤال بسيط على جبال من التبريرات، وانتصر الصمت على الضجيج. فبينما كان البعض يستعد لخوض معارك جانبية وصناعة عناوين صاخبة ومزايدات لا تنتهي، كان ذلك الكرسي يواصل أداء مهمته بهدوء مذهل: تذكير العالم بأن غياب شخص واحد قد يكون أحياناً أكثر حضوراً من حشود كاملة.
 
ولعل الرسالة الأهم التي يجب أن تصل إلى الجميع هي أن الدول لا تُقاس بقدرتها على إسكات الأصوات، بل بقدرتها على الاستماع إليها. وأن قوة المؤسسات لا تظهر عندما يصفق الجميع، بل عندما يُسمح للمختلفين بالكلام. وأن التاريخ لا يتذكر غالباً من أحدثوا الضجيج، بل يتذكر أولئك الذين امتلكوا الشجاعة لمواجهة الحقيقة عندما حاول الآخرون الهروب منها.
 
فاحذروا من الكراسي الفارغة... لأنها أحياناً تتحدث أكثر مما يتحدث الجالسون عليها.

              

















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار