Quantcast
2026 أغسطس 13 - تم تعديله في [التاريخ]

قول وفعل... مكناس والعيون نموذجان لمغرب يدبر الماء بمنطق الاقتصاد الدائر


 بقلم- بدر بن علاش
 
يشهد المغرب اليوم تحولا عميقا في طريقة تدبيره للماء، تحولا ينتقل به من منطق "الاستهلاك والتخلص" إلى منطق "التثمين وإعادة الاستعمال" ومنطق "التأمين الاستباقي للعرض".

 وتجسد مدينتا مكناس والعيون في هذا السياق نموذجين متكاملين لهذه الرؤية الجديدة التي تجعل من كل قطرة موردا ومن كل منشأة مائية رافعة للاستدامة والعدالة المجالية.

ففي قلب العاصمة الإسماعيلية تشهد مدينة مكناس تحديثا شاملا لمنشآت التطهير السائل باستثمار يتجاوز 211 مليون درهم بهدف تطوير معالجة المياه العادمة، وتحويلها من عبء بيئي إلى مورد قابل لإعادة الاستعمال، ويرتكز المشروع على توجيه المياه المعالجة نحو سقي المساحات الخضراء والحدائق الحضرية إلى جانب تثمين الحمأة الناتجة عن عمليات المعالجة، بما يعني الانتقال من معالجة النفايات السائلة والتخلص منها إلى إدماجها ضمن دورة استعمال مستمرة.

 ويهدف هذا الورش إلى تحويل محطة معالجة المياه العادمة بمكناس إلى منشأة متكاملة تقوم على مبادئ الاقتصاد الدائري واستدامة الموارد المائية، وتشمل الأشغال إعادة تأهيل نظام الأحواض لمعالجة ما يصل إلى 48000 متر مكعب من المياه العادمة يوميا إلى جانب بناء وحدة تعتمد تقنية الحمأة المنشطة بطاقة تبلغ 5000 متر مكعب.

 وهو تحديث سيمكن المدينة من تقليص الضغط على الموارد المائية الجوفية عبر الاعتماد على المياه غير التقليدية وتوفير مورد مائي منتظم لاستعمالات السقي الحضري، كما ستتم مراقبة جودة المياه بشكل متواصل بواسطة أجهزة استشعار آلية وأخذ عينات مرتبطة بصبيب المياه للتأكد من مطابقتها للمعايير الصحية والبيئية قبل إعادة توزيعها، وهو ما يعكس تقدما واضحا لمكناس في تطوير منظومة مستدامة لمعالجة المياه العادمة وإعادة استعمالها من خلال الجمع بين حماية الموارد المائية، وتحديث البنيات التحتية وتثمين مخلفات التطهير ضمن رؤية متكاملة للاقتصاد الدائري.

وفي الجهة المقابلة من الخريطة، في الأقاليم الجنوبية، يشتغل منطق آخر لنفس الهدف هو تأمين العرض المائي في بيئة تعرف إجهادا مائيا حادا، حيث أطلق المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب يوم الأربعاء 29 يوليوز 2026 بإقليم العيون عدة مشاريع مهيكلة بغلاف استثماري إجمالي يتجاوز مليار درهم في إطار الاحتفالات بعيد العرش المجيد، وتهدف هذه المشاريع إلى تقوية وتأمين تزويد مدينة العيون والمراكز المجاورة لها بالماء الصالح للشرب لاسيما مدينة المرسى ومراكز فم الواد وتروما، ويتصدر هذه المشاريع مشروع بكلفة 850 مليون درهم ممول في إطار اتفاقية شراكة بين المكتب الوطني للكهرباء والماء الصالح للشرب ووزارة الاقتصاد والمالية ووزارة التجهيز والماء، ويهم إنجاز مأخذ لمياه البحر ونظام للمعالجة الأولية لفائدة وحدات تحلية مياه البحر بمدينة العيون عبر إنجاز برج لمأخذ مياه البحر وقناة بقطر داخلي يبلغ 1800 مم على طول يناهز 2,25 كلم بالإضافة إلى ملاءمة المعالجة الأولية بمحطات التحلية مع جودة مياه البحر القادمة من المأخذ الجديد من خلال اعتماد مسار معالجة تقني متطور. ومن المرتقب الشروع في استغلال هذا المشروع في شهر أبريل 2028.

ويضاف إليه مشروع ثان مدشن بكلفة 53 مليون درهم يتعلق بإعادة تأهيل الوحدة رقم 5 بمحطة التحلية بالعيون والتي تم إنجازها سنة 2005 بهدف تحسين أدائها ومضاعفة طاقتها الإنتاجية من 2.800 متر مكعب في اليوم إلى 5.300 متر مكعب في اليوم وخفض معدل استهلاكها للطاقة من 3,7 كيلوواط في الساعة لكل متر مكعب إلى 2,7 كيلوواط في الساعة لكل متر مكعب بفضل اعتماد تقنيات حديثة لاسترجاع الطاقة.

 أما المشروع الثالث فيهم إنجاز خط كهربائي أرضي جديد متوسط الجهد 22 كيلو فولت على طول 20 كلم انطلاقا من محطة التحويل عالية متوسطة الجهد بفم الواد بغية تأمين التزويد بالكهرباء للأثقاب الساحلية التي تمد محطات التحلية بمياه البحر بكلفة تصل إلى 26 مليون درهم.

والخلاصة التي تفرضها هذه المعطيات هي أن المغرب لم يعد يتعامل مع الماء كملف تقني منفصل بل كمنظومة وطنية مترابطة، فمكناس تعالج ما كان يرمى وتعيده للحياة الحضرية، والعيون تؤمن مصدرا جديدا للحياة من البحر وترفع نجاعة منشآتها القائمة.

 المدينتان معا تؤكدان أن الأمن المائي اليوم يصنع بالابتكار وبالاستثمار في البنيات المستدامة وبالربط بين الماء والطاقة والبيئة، فمن إعادة استعمال المياه العادمة إلى تحلية مياه البحر مرورا بترشيد الطاقة، يبني المغرب نموذجا عمليا يقول بأن الحل ليس في انتظار المطر فقط بل في إعادة هندسة دورة الماء داخل المدن والأقاليم وجعل كل مورد، تقليديا كان أو غير تقليدي، جزءا من استراتيجية وطنية تضمن الحق في الماء للأجيال الحاضرة والقادمة.

              















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار