العلم الإلكترونية - بقلم أسماء لمسردي
في كل عام، يعود اليوم العالمي للمرأة ليذكر العالم بأن تقدم المجتمعات يقاس بمدى إنصافها لنسائها، وبقدرتها على تحويل طاقات المرأة إلى قوة حقيقية في البناء والتنمية. وفي المغرب، لا يمر هذا اليوم مجرد مناسبة رمزية للاحتفاء، بل يصبح فرصة للتأمل في مسار طويل من التقدير والتمكين الذي جعل المرأة المغربية تحتل مكانة متميزة داخل المجتمع.
فالمرأة المغربية لم تكن يوما عنصرا هامشيا في تاريخ البلاد، بل ظلت عبر القرون حاضرة في نسيج المجتمع، شريكة في الحفاظ على الهوية والثقافة، وركيزة أساسية في الأسرة وفي الاقتصاد التقليدي والحياة الاجتماعية. وقد حفظ الوجدان المغربي صور نساء قويات تركن بصمات واضحة في التاريخ، مثل فاطمة الفهرية التي أسست جامعة القرويين، أقدم جامعة ما تزال قائمة في العالم، في دلالة عميقة على أن عطاء المرأة المغربية ليس وليد اللحظة، بل جزء أصيل من مسار حضاري ممتد.
غير أن التحولات الكبرى التي شهدها المغرب خلال العقود الأخيرة أعطت لهذا الحضور بعدا مؤسساتيا وقانونيا أكثر رسوخا. فمنذ اعتلاء محمد السادس عرش المملكة سنة 1999، دخلت قضية تمكين المرأة مرحلة جديدة عنوانها الإصلاح المتدرج والعميق، في إطار رؤية إصلاحية جعلت من كرامة المرأة وشراكتها في التنمية ركيزة أساسية لمشروع تحديث المجتمع.
وكانت محطة اعتماد مدونة الأسرة المغربية سنة 2004 لحظة فارقة في هذا المسار، إذ أعادت صياغة العلاقة داخل الأسرة المغربية على أساس المسؤولية المشتركة بين الزوجين، ورسخت حماية أكبر لحقوق النساء عبر إخضاع الطلاق لمراقبة القضاء ورفع سن الزواج إلى ثمانية عشر عاما. ولم تكن هذه الإصلاحات مجرد تعديلات قانونية، بل رسالة واضحة بأن كرامة المرأة المغربية جزء لا يتجزأ من كرامة المجتمع كله.
ثم جاء دستور المغرب 2011 ليمنح هذا التوجه بعدا دستوريا واضحا، حين أكد على المساواة في الحقوق والحريات بين الرجل والمرأة، وعلى التزام الدولة بالسعي إلى تحقيق مبدأ المناصفة. ومنذ ذلك الحين، شهد حضور النساء في المؤسسات المنتخبة والإدارة العمومية والدبلوماسية والقطاعات المهنية المختلفة تطورا ملحوظا، يعكس التحول التدريجي في بنية المجتمع المغربي.
ولم يقتصر هذا المسار على الجانب السياسي أو القانوني فقط، بل امتد إلى المجال الاقتصادي والاجتماعي، فالمرأة المغربية اليوم حاضرة بقوة في عالم المقاولة والابتكار، وفي قطاعات كانت إلى وقت قريب حكرا على الرجال، كما ارتفع مستوى تعليم الفتيات بشكل لافت، خاصة في التخصصات العلمية والتقنية، ما يفتح آفاقا جديدة أمام أجيال من النساء للمساهمة في اقتصاد المعرفة وصناعة المستقبل.
وفي سياق تعزيز الحماية القانونية، شكل اعتماد القانون 103.13 المتعلق بمحاربة العنف ضد النساء خطوة إضافية في مسار ترسيخ كرامة المرأة، من خلال تجريم عدد من أشكال العنف وتوفير آليات مؤسساتية لدعم النساء ضحايا الاعتداء.
كل هذه التحولات تعكس حقيقة أساسية: أن تمكين المرأة في المغرب لم يكن شعارا عابرا، بل خيارا مجتمعيا تبناه المغرب في إطار رؤية إصلاحية هادئة لكنها عميقة الأثر، وهي رؤية تدرك أن التنمية الحقيقية لا يمكن أن تتحقق بنصف المجتمع فقط، بل تحتاج إلى طاقات الرجال والنساء معا.
واليوم، في ظل هذه الدينامية المتواصلة، تواصل المرأة المغربية تعزيز حضورها بثقة في مختلف مجالات الحياة: في المدرسة والجامعة، في المقاولة والإدارة، في القضاء والدبلوماسية، وحتى في الميادين التي كانت تبدو بعيدة عنها في الماضي. إنها شريكة كاملة في بناء الحاضر، وصوت أساسي في صياغة ملامح المستقبل.
ولهذا، فإن الاحتفاء بالمرأة المغربية في عيدها الأممي ليس مجرد لحظة احتفال، بل اعتراف بمسار طويل من العطاء والكفاح والإنجاز. مسار يؤكد أن قوة المغرب لم تكن يوما في مؤسساته فقط، بل أيضا في نسائه اللواتي ظللن على الدوام قلب المجتمع وروحه الحية.
فالمرأة المغربية ليست فقط نصف المجتمع، بل هي أيضا نصف الحلم… ونصف الطريق نحو مغرب أكثر عدلا وازدهارا.
رئيسية 








الرئيسية 





