الأستاذ الشرقاوي لـ«العلم»: تقليص الآجال وتعزيز دور القاضي ورقمنة المساطر رهانات كبرى وأسئلة مطروحة حول ضمانات المتقاضين وحق الاستئناف
*العلم الإلكترونية - إعداد: الدكتورة أسماء المسردي*
دخل القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية حيز التنفيذ، بعد مسار تشريعي طويل امتد لسنوات، وشهد نقاشا واسعا حول سبل تحديث قواعد التقاضي وملاءمتها مع التحولات التي عرفتها المنظومة القضائية المغربية، ومع المقتضيات الدستورية والمرجعيات الدولية ذات الصلة بالعدالة وحقوق المتقاضين.
ويأتي القانون الجديد، بحسب الأستاذ عبد الرحمان الشرقاوي، أستاذ القانون المدني بجامعة محمد الخامس، في سياق السعي إلى ملاءمة قواعد المسطرة المدنية مع المرجعيات الدولية والوطنية، ولا سيما الأحكام الدستورية والخطب والتوجيهات الملكية وتوصيات الميثاق الوطني لإصلاح منظومة العدالة، فضلا عن مواكبة التحولات التي عرفتها المنظومة القضائية بعد دستور 2011 واعتماد عدد من النصوص المنظمة للسلطة القضائية.
ويعتبر الشرقاوي أن مراجعة قانون المسطرة المدنية كانت ضرورة فرضتها، من جهة، المكانة التي يحتلها هذا القانون باعتباره المدخل الأساسي لممارسة حق التقاضي، ومن جهة ثانية، الرهانات المرتبطة بتكريس حقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة، وتبسيط المساطر والإجراءات، وتيسير الولوج إلى العدالة، وتقليص آجال البت في القضايا، والرفع من فعالية ونجاعة التبليغ والتنفيذ.
ويشير الأستاذ الجامعي إلى أن الوصول إلى الصيغة الحالية للقانون لم يكن مسارا يسيرا، إذ مر النص بمراحل تشريعية ونقاشات متعددة، قبل إحالته على المحكمة الدستورية التي أصدرت قرارها رقم 255/25 بتاريخ 4 غشت 2025، قضت بموجبه بعدم مطابقة مجموعة من المقتضيات للدستور، قبل أن تتم ملاءمة النص مع القرار الدستوري واعتماده في صيغته النهائية تحت رقم 58.25.
ويرى الشرقاوي أن القانون الجديد يحمل مجموعة من المستجدات المهمة، من بينها تعزيز الدور الإيجابي للقاضي في إدارة الدعوى، وتوسيع مجال تدخل النيابة العامة، وإعادة تنظيم قواعد الاختصاص النوعي، وتنظيم الاختصاص القضائي الدولي، وتأطير حق التصدي أمام محكمتي الاستئناف والنقض، إلى جانب تنظيم الصلح والوساطة، وإعادة تنظيم عدد من قواعد التبليغ والطعون، وإدخال الرقمنة ضمن المساطر والإجراءات القضائية.
غير أن هذه المستجدات، في نظره، تطرح في الوقت نفسه عددا من الأسئلة المرتبطة بالتوازن بين متطلبات الفعالية والنجاعة من جهة، وضمانات المتقاضين وحماية حقوقهم وحرياتهم من جهة أخرى، وهو ما يجعل الممارسة القضائية والعملية التطبيقية الاختبار الحقيقي لقدرة القانون الجديد على تحقيق الأهداف التي وضع من أجلها.
وفي هذا الحوار مع جريدة «العلم»، يتوقف الأستاذ عبد الرحمان الشرقاوي عند خلفيات اعتماد القانون رقم 58.25، وأبرز مستجداته، والرهانات التي يحملها على مستوى تبسيط التقاضي وتقليص آجاله، فضلا عن عدد من الإشكالات التي قد تثيرها بعض مقتضياته عند التطبيق.
وفي ما يلي نص التصريح:
إن هذا القانون قد جاء بعد نقاش كبير استمر سنوات طويلة، منذ الخطاب الملكي لسنة 2009، حيث كانت هناك توجيهات من أجل إصلاح القوانين المسطرية، سواء قانون المسطرة المدنية أو قانون المسطرة الجنائية، وجعلها أكثر جاذبية للاستثمارات، وتبسيطها، وجعل المحاكم أقرب إلى المتقاضين.
ولذلك، فإن هذا القانون الجديد جاء أساسا من أجل ملاءمة مقتضيات قانون المسطرة المدنية، باعتباره الشريعة العامة لمختلف القوانين المسطرية والقواعد الإجرائية والشكلية التي تتيح للمتقاضي، بوجه عام، حينما يلجأ إلى المحكمة، المطالبة بحقوقه من خلال مجموعة من الآليات والوسائل، مع احترام ضمانات المحاكمة العادلة.
ولهذا، جاء القانون الجديد بمجموعة من المستجدات التي كانت غايتها أساسا جعل هذا القانون أكثر ملاءمة مع المرجعيات الدولية، المتمثلة في نتائج وتوصيات التقارير الدولية التي تصدر عن الهيئات والمنظمات واللجان الدولية المتخصصة في تقييم الأنظمة القضائية عبر العالم.
كما جاء القانون من أجل تكريس وتعزيز ضمانات الحقوق والحريات التي جاء بها دستور 2011، سواء في الباب الثاني المتعلق بالحريات والحقوق الأساسية، في الفصول من 19 إلى 40، أو في الباب السابع، ولا سيما ما يتعلق باستقلال السلطة القضائية، والذي أقر مجموعة من الحقوق للمتقاضين وقواعد لسير العدالة، على مستوى المجانية والعلنية والمساعدة القانونية والمساعدة القضائية.
لذلك، فإن قانون المسطرة المدنية، خاصة بعد دستور 2011 وبعد تبني مجموعة من القوانين المهمة، كقانون التنظيم القضائي، والقانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة، والقانون التنظيمي المتعلق بالمجلس الأعلى للسلطة القضائية، أصبح لا يتماشى مع روح هذه القوانين، وبالتالي كانت هناك ضرورة ملحة لمراجعة هذا القانون.
وقد امتد العمل على هذا القانون لنحو 15 سنة، ولم يكن الوصول إلى صيغته الحالية أمرا سهلا، إذ مر عبر أكثر من 40 مسودة لمشروع قانون، قبل أن يستقر الأمر على المشروع الذي عرف بدوره نقاشا وجدالا كبيرين، إلى درجة تدخل المحكمة الدستورية، رغم أن الأمر يتعلق بقانون عادي وليس قانونا تنظيميا.
وعلى أي، فإن العديد من المستجدات التي جاء بها هذا القانون تهدف أساسا إلى الارتقاء بمستوى أداء المحاكم المغربية، وتبسيط المساطر والإجراءات القضائية، وتيسير سبل الولوج إلى العدالة، وتقليص الآجال، باعتبار أن طول أمد التقاضي من الإشكالات التي تعيق العدالة في العالم، وليس في المغرب فقط. وتنص المادة السادسة من الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان على ضرورة الفصل في القضايا داخل أجل معقول، وهو ما نص عليه أيضا دستور 2011، الذي جعل إصدار الأحكام داخل أجل معقول من المبادئ الأساسية في المنظومة القضائية المغربية.
ولذلك، فإن من بين أهم أسس قانون المسطرة المدنية الجديد تقليص الآجال في مختلف المراحل، بدءا من تقييد الدعوى، مرورا بالتبليغات وإصدار الأحكام القضائية، وصولا إلى التنفيذ والطعون. ومن ثم، كانت غاية المشرع تسريع إصدار الأحكام القضائية وضمان تنفيذها أيضا.
وهذا يتماشى كذلك مع الدورية الصادرة عن الرئيس المنتدب للمجلس الأعلى للسلطة القضائية، والموجهة إلى المحاكم ورؤساء المحاكم والرؤساء الأولين، من أجل إصدار الأحكام داخل أجل معقول. بل إن القانون التنظيمي المتعلق بالنظام الأساسي للقضاة اعتبر التأخير في إصدار الأحكام القضائية من الأسباب التي قد تؤدي إلى تأديب القضاة، باعتباره من الأخطاء المهنية، طبقا للمادة 96 من هذا القانون التنظيمي.
إذن، جاء قانون المسطرة المدنية أيضا من أجل تقنين الطعون، وإلغاء مسطرة القيم في مجال التبليغ، التي كانت مسطرة عديمة الفائدة، وتعزيز دور المفوضين القضائيين لتسريع إجراءات التبليغ، إلى جانب اعتماد البطاقة الوطنية والرقمنة والاستدعاء بالبريد المضمون. وتهدف هذه المستجدات إلى ضمان الفعالية والنجاعة في إجراءات التبليغ والتنفيذ، من خلال توظيف قاعدة البيانات المتعلقة بعناوين سكنى المتقاضين.
غير أن هذه المستجدات تثير بعض الانتقادات على مستوى ضمان الحقوق والحريات وحماية الخصوصية، ولا سيما ما يتعلق بإمكانية المساس بخصوصية الأشخاص، أو إغفال بعض ضمانات التبليغ بالنسبة إلى من يكونون قد غيروا عناوينهم أو في حالات مماثلة. وبمعنى آخر، هناك تقليص في بعض الضمانات، وهو ما يشكل أحد أوجه الانتقاد الموجهة إلى هذه المقتضيات، غير أن ذلك يأتي في إطار تعزيز الفعالية والنجاعة وتسريع الإجراءات، مع تحميل المتقاضي أيضا جزءا من المسؤولية وتفعيل دوره الإيجابي في سير الدعوى، إلى جانب الدور الإيجابي الذي منحه المشرع للقاضي، وفق قانون المسطرة المدنية الجديد، في سير الدعوى وإدارتها.
لذلك، يمكن القول إن قانون المسطرة المدنية الجديد، بعد دخوله حيز التنفيذ، ستظل الممارسة العملية الفيصل في تقييم مدى نجاحه ونجاعته. فالقضاة والمحامون والمفوضون القضائيون وكتاب الضبط والخبراء وسائر المتدخلين في مجال العدالة، تقع على عاتقهم مسؤولية كبيرة في تفعيل القواعد والمقتضيات التي جاء بها القانون. كما يضطلع المواطن، والمتقاضي بوجه خاص، بدور مهم في إنجاح هذا القانون.
وإذا أردنا تلخيص أهم المستجدات، فإن القانون الجديد عزز الدور الإيجابي للقاضي في إدارة الدعوى، من خلال توسيع صلاحياته بما يسهل مهمة الفصل فيها، مع الحفاظ على مبدأ حياد القاضي وعدم تحيزه لأي من الخصوم. فقد جاء المشرع بمستجدات مهمة تجعل القاضي فاعلا في إدارة الدعوى، بدلا من الاقتصار على انتظار مبادرات الأطراف، على نحو لا يمس بمبدأ الحياد وعدم الانحياز لأي طرف.
كما وسع المشرع، في إطار قانون المسطرة المدنية الجديد، مجال تدخل النيابة العامة، وأعاد النظر في عدد من المقتضيات المتعلقة بعدم الاختصاص النوعي. وبخلاف المقتضيات التي كان يتضمنها القانون المنسوخ، أقر المشرع قواعد جديدة تروم تسريع الإجراءات وتعزيز الفعالية في مجال الاختصاص.
ومن أهم المستجدات التي جاء بها القانون الجديد أيضا تنظيم الصلح، من خلال إمكانية عرض المحكمة الصلح على الأطراف قبل الفصل في الدعوى، إلى جانب تنظيم الاختصاص القضائي الدولي بشكل مستقل، وهو ما نظمته المواد من 72 إلى 75.
كما نظم المشرع حق التصدي، سواء أمام محكمة الاستئناف أو أمام محكمة النقض، وأقر نظام الوساطة، حيث خول للمحكمة إمكانية اقتراح حل النزاع عن طريق الوساطة، وتسجيل الاتفاق الذي يتوصل إليه الأطراف في حكم غير قابل لأي طعن، طبقا للمادة التاسعة من قانون المسطرة المدنية الجديد.
ناهيك عن الباب الأخير من قانون المسطرة المدنية، الذي خصصه لرقمنة المساطر والإجراءات القضائية. ورغم المؤاخذات التي يمكن تسجيلها بشأن هذا الباب، ولا سيما عدم جعل قواعد الرقمنة ممتدة إلى مختلف أبواب القانون، عوض تخصيص باب مستقل لها، فإن من إيجابيات القانون الجديد أنه نظم، لأول مرة، القواعد المتعلقة برقمنة الإجراءات والمساطر القضائية.
واعتمد المشرع، في مرحلة انتقالية، نهجا تدريجيا في تطبيق الرقمنة، فلم يفرضها بصورة شاملة على الأشخاص الذاتيين، وإنما اختار التدرج في اعتمادها، بهدف ضمان إنجاح هذه القواعد الجديدة المتعلقة برقمنة المساطر والإجراءات القضائية.
عموما، دخل قانون المسطرة المدنية الجديد حيز التنفيذ، وستكون الممارسة القضائية هي الكفيلة بتحديد مدى أهمية هذا القانون ونجاعته وفعاليته، ومدى قدرته على الاستجابة للهواجس التي تسعى الدولة المغربية إلى تحقيقها، ولا سيما على مستوى تعزيز الجاذبية الاقتصادية وجعل القانون أكثر جاذبية للمستثمرين، وأكثر وضوحا ومقروئية، وأبسط في التطبيق، وأقل تعقيدا، وأكثر فعالية في الوصول إلى الحقوق.
فالمتقاضي، حين يلجأ إلى المحكمة، ينبغي ألا يواجه تعقيدات كبيرة، وأن يكون وصوله إلى الحكم القضائي ميسرا، كما ينبغي أن تتوافر له سهولة الحصول على نسخة منه، والطعن فيه عند الاقتضاء، ثم تنفيذه بعد أن يصبح نهائيا. فالغاية، في نهاية المطاف، ليست إصدار الحكم القضائي فحسب، وإنما ضمان تنفيذه. كما ينبغي أن يراعي القانون كلفة التقاضي، باعتبارها من الهواجس الأساسية بالنسبة إلى المتقاضي، حتى لا تؤدي المقتضيات الجديدة إلى الرفع من هذه الكلفة.
وأيضا، سنرى انعكاسات بعض المستجدات التي جاء بها القانون الجديد، ومن بينها ما يتعلق بالقضايا التي لا تتجاوز قيمتها 10 آلاف درهم، والتي لا يجوز استئناف الأحكام الصادرة بشأنها، وفقا للمادة 30 من قانون المسطرة المدنية الجديد.
وهنا يطرح السؤال حول مدى تأثير هذا المقتضى في فئة واسعة من المجتمع المغربي، ولا سيما سكان المناطق الجبلية وغيرها، بالنسبة إلى من تمثل لهم القضايا التي لا تتجاوز قيمتها 10 آلاف درهم أهمية كبيرة.
وبموجب القانون الجديد، لا تخضع هذه القضايا للاستئناف، وهو ما يثير نقاشا حول مدى تأثير ذلك في مبدأ التقاضي على درجتين، وفي حق الاستئناف الذي يعد من الضمانات الأساسية في مجال التقاضي.
في المحصلة، لا يضع القانون رقم 58.25 المتعلق بالمسطرة المدنية قواعد جديدة للتقاضي فحسب، وإنما يضع المنظومة القضائية برمتها أمام مرحلة اختبار حقيقية. فنجاح الإصلاح لن يقاس فقط بما حمله النص من مستجدات، وإنما بمدى قدرة الممارسة القضائية على تحويل أهدافه إلى إجراءات أكثر سرعة ووضوحا وفعالية، دون أن يكون ذلك على حساب حقوق المتقاضين وضمانات المحاكمة العادلة.
وبين الرهان على تبسيط التقاضي وتقليص آجاله، وتعزيز دور القاضي ورقمنة المساطر، وبين التخوف من تراجع بعض الضمانات، تظل الممارسة هي الفيصل في تحديد ما إذا كان القانون الجديد سيشكل فعلا نقلة نوعية في العدالة المدنية، أم أن بعض مقتضياته ستظل بحاجة إلى مزيد من التوضيح والتطوير على ضوء ما ستكشفه التجربة العملية. فالمعيار النهائي للإصلاح، كما يؤكد الأستاذ الشرقاوي، ليس فقط سرعة إصدار الحكم، وإنما تمكين المتقاضي من الوصول إلى حقه بكلفة معقولة، وفي إطار من العدالة والإنصاف والفعالية.
رئيسية 








الرئيسية 






