Quantcast
2026 يناير 18 - تم تعديله في [التاريخ]

بعد ثلاثين عاما من القلق الإبداعي.. إصدار جديد يحتفي بالمرأة قضية للحياة

كصرى ادريس في حوار لـ "العلم": جودة الورق هي الشرط الجوهري لجودة العرض و النص يظل الغدة الأساسية التي تولد المعنى


"نقوش على الخواء.. ثلاث سمفونيات للكعب العالي"

بعد ثلاثين عاما من القلق الإبداعي.. إصدار جديد يحتفي بالمرأة قضية للحياة
العلم - حاورته شيماء اغنيوة

بين عتمة الخشبة وبياض الورق، ينسج المبدع كصرى إدريس عوالمه بكثير من التؤدة والقلق الجمالي. فهو ليس مجرد كاتب أو مخرج مسرحي، بل باحث في المنطقة الرمادية بين الذات والآخر، وبين التاريخ بوقاره والراهن بانكساراته. فمن تتبع خطى "أبي نواس" في بداياته الجامعية، وصولا إلى نضجه الإبداعي في "نقوش على الخواء"، ظل إدريس وفيا لـ"كهنوت الكتابة" كما سماه شيخه أحمد بوزفور، مخلصا لسلطة النص التي يراها "الركن الركين" في كل فرجة مسرحية.

لم يكن المسرح يوما بالنسبة إلى كصرى إدريس مجرد عرض بصري، بل مغامرة واعية تبدأ بتفكيك التراث وتنتهي بمساءلة الوجود. وعبر مسيرة انطلقت منذ تسعينيات القرن الماضي، استطاع إدريس أن يبني صرحا إبداعيا يتنفس شعرا ويرتدي لبوس الدراما، متنقلا بمرونة بين أصوات المتنبي وصلاح الدين الوديع، وصولا إلى إصداراته الجديدة التي تحتفي بالمرأة ككيان وقضية.

يطل علينا اليوم بثلاثيته المسرحية "نقوش على الخواء"، و"فوانيسي يا بحر"، و"مسودات بيضاء"، وهي أعمال تختزل ثلاثين عاما من الانتظار والبحث عن الضوء. في لقائنا معه، لا نتوقف فقط عند محطات المسار، بل نغوص في فلسفته تجاه النص بوصفه حدود المعنى، ونستكشف معه كيف تصبح المرأة، في رؤيته الإبداعية، الحيلة الدرامية التي نحمل إليها وزر أسئلتنا الوجودية الكبرى.

في هذا الحوار، نفتح مع كصرى إدريس دفاتر مساره الممتد من الحي المحمدي وذاكرته النضالية والإبداعية، إلى آفاق المونودراما التي تتخذ من المرأة حجة سردية ورمزا للأرض والثورة والحياة. ونرحل معه في رحلة تفكيك الشخصيات وتجربة المؤلف-المخرج، لنكتشف كيف تتحول القصيدة والأقصوصة، تحت مبضعه، إلى نقوش لا تمحوها رياح الخواء.

متى بدأت علاقتك بالكتابة؟ وكيف تشكلت ملامحها الأولى؟

بدأت تجربتي مع الكتابة منذ التحاقي بالجامعة، حيث شرعت آنذاك في كتابة مسرحية عن أبي نواس خلال العطلة الجامعية، وقد شاركني في إنجازها الشاعر الراحل عبد الرزاق جبران. وكانت تلك التجربة بمثابة تمرين أولي على الاشتغال الواعي على التراث من الداخل، عبر تفكيكه وإعادة صياغته في قالب جديد.

كيف اشتغلت على شخصية "أبي نواس" في تجربتك الأولى؟

لا أزال أذكر أنني قمت بتفكيك شخصية أبي نواس إلى أربع شخصيات، من بينها "أبو نواس الفقيه"، إضافة إلى صورة الطفل المجروح في كرامته، وغيرها من الصور النمطية التي كانت راسخة عنه في الوعي العربي العام. ومن هناك بدأت مغامرة الكتابة، وصولا إلى مسرحية "دقيقة صمت" وتجارب أخرى.

متى يمكن القول إن بدايتك الفعلية مع الكتابة قد انطلقت؟

يمكن اعتبار انطلاقتي الفعلية في الكتابة كانت أواسط تسعينيات القرن الماضي، حين كتبت مسرحية "راجع لبلادي"، ثم "تقاسيم على مقام الانتظار"، وصولا إلى تجربة الكتابة في مسرح الطفل بحكم مهنتي.

ومع العشرية الأولى من هذا القرن، بدأت مغامرة الكتابة في تماس كبير مع الشعر والسرد عموما، سواء تعلق الأمر بالرواية أو بالقصة القصيرة، وذلك من خلال تجربتي مع نصوص الكاتب المبدع أحمد بوزفور، التي قدمتها في إطار ما كان يُرف حينها بـ"خميس الانطلاقة"، وهي جمعية كانت تنشط بالحي المحمدي، حيث كنا نستقبل كتابا وشعراء ونشتغل على منجزاتهم الشعرية والقصصية ضمن ما سميناه آنذاك "خميسيات الانطلاقة".

وفي هذا السياق اشتغلت على قصة قصيرة لأحمد بوزفور بعنوان "مدخل العطش"، التي يصف فيها علاقته بالكتابة وبسلطتها، وما سماه حينها بـ"كهنوت الكتابة". كما قمت باشتغال مسرحي على هذا النص لإنتاج عرض لا يتجاوز خمسا وعشرين دقيقة. وقد شكل "مدخل العطش" بالفعل بوابة إلى الكتابة بشكل مختلف، في إطار هذه المراوحة بين الشعر والرواية.
 
حدثنا عن تجربة "منحات المتنبي"؟

في سنة 2004 كتبت مسرحية "منحات المتنبي"، التي كانت اشتغالا على أثر حرب الخليج ودخول الاستعمار الأمريكي إلى بغداد وسقوط النظام هناك. وبعد ذلك شرعت في كتابة نصوص مونودرامية، سواء بالدارجة المغربية أو باللغة العربية.

وابتداء من سنة 2015 عدت إلى الاشتغال على الرواية والشعر، فكتبت "مسودات  "وهو عمل مونودرامي، ثم قصائد شخصية و"نقوش على الخواء"، وبعدها "فوانيسي يا بحر"، وهي النصوص الثلاثة التي يتضمنها إصداري الجديد.

ولا أزال إلى اليوم أواصل المغامرة في هذا الاتجاه، إذ أشتغل حاليا على نص مونودرامي بعنوان "في المحطة القادمة"، كما أنهيت مؤخرا مسرحية "سلاما وبعد"، ذلك، في المجمل، هو مسار كتاباتي الإبداعية.
 
هل اقتصر اشتغالك في تلك المرحلة على نصوص أحمد بوزفور فقط؟

لا، اشتغلت كذلك على ديوان "جراح الصدر العالي" للشاعر صلاح الدين الوديع، وكان ذلك مباشرة بعد خروجه من السجن واستقباله بدار الشباب بالحي المحمدي. وقد شكل الاشتغال على هذا الديوان بوابة لمسار إبداعي لازلت أواصل السير فيه إلى اليوم، وهو مسار يتموضع في منطقة التماس بين المسرح ودروب الأدب الأخرى.

ينظر إليك في كثير من الأحيان باعتبارك مخرجا مسرحيا أكثر منك كاتبا، كيف ترى هذا التصنيف؟

كثير من الناس يتعاملون معي بوصفـي مخرجا، رغم أنني إلى حدود اليوم لم أنجز سوى مسرحيتين أو ثلاث لمؤلفين آخرين، في حين أن جل أعمالي عبارة عن نصوص من كتابتي الشخصية. وقد اشتغلت، في هذا الإطار، مع الفنان المبدع المسكيني الصغير في عملين، ومع مؤلف تونسي أيضا.

وكيف تصف طبيعة هذه التجربة المزدوجة بين الكتابة والإخراج؟

يمكن القول إن جميع الأعمال التي أنجزتها تمت داخل هذا اللقاء الصعب والمعقد بين التأليف والإخراج، أو ما يعرف في النقد المسرحي بـ"أزمة المؤلف ـ المخرج".

حين يكون المبدع هو نفسه كاتب النص ومخرجه، يجد نفسه أمام تحد مزدوج، من جهة الوفاء لروحه الأولى وهو يكتب النص، بكل ما تحمله من رؤية فكرية وجمالية وبنائية، ومن جهة أخرى، امتلاك المسافة النقدية الضرورية وهو ينقله إلى الخشبة، باعتباره عرضا حيا له منطقه الخاص وقوانينه التقنية والجمالية.

ما موقع النص المسرحي في تصورك الإبداعي، خاصة في ظل تصاعد أساليب الارتجال والعمل الجماعي؟

بالنسبة إلي، يظل النص هو النص المكتوب برصانة وقوة، وفق خطة كتابية ودرامية متميزة، وهو يضطلع بدور أساسي ومحوري في أي عمل مسرحي، مهما تعددت اليوم أشكال الاشتغال، من الارتجال إلى العمل المحترف والجماعي، وهو أسلوب أثبت دون شك جدواه ونجاعته في تجارب عديدة. غير أنني ما زلت أؤمن بأن النص الجيد يفضي بالضرورة إلى عمل جيد، وأن جودة الورق هي في النهاية أحد الشروط الجوهرية لجودة العرض.

وأجدني، في هذا السياق، منسجما مع من يعتبرون أن النص هو حدود المعنى وإطاره الناظم، أي ذلك الأفق الذي يؤطر كل عمل مسرحي ويوجه قراءته وتأويله، مع الاعتراف في الوقت ذاته بالصلاحيات الواسعة التي تمنحها المدارس المسرحية الحديثة للمخرج، سواء في التفكيك أو في إعادة البناء، بل وحتى في هدم النص أحيانا. ففي كثير من التجارب المعاصرة، نلاحظ أن بعض المخرجين لا يحتفظون من النص سوى بشذرات أو مقاطع محدودة تخدم خطتهم الإخراجية، أو يعمدون إلى تفكيكه وإعادة ترتيبه جذريا، بل إلى الاشتغال عليه من أجل قول ما لم يقله النص، لا ما يقوله في بنيته الأصلية.

وفي خضم هذه المعركة الجمالية والفكرية، أعتبر أن النص يظل الركن الركين في العمل المسرحي، والغدة الأساسية التي يتغذى منها العرض في توليد المعنى وبناء الدلالة وصناعة الفرجة. وذلك، بطبيعة الحال، مع الاحترام الكامل لباقي التخصصات الفنية من إخراج وتمثيل وسينوغرافيا وإضاءة وموسيقى، باعتبارها كلها عناصر متكاملة تتضافر من أجل تشييد فرجة مسرحية متميزة ومقنعة.
 
ما أبرز التيمات أو القضايا التي تحضر في كتاباتك المسرحية والأدبية؟

في معظم ما كتبت، ظل الاشتغال منصبا على علاقتنا بالآخر، وعلى صورتنا لديه، وكيف نتمثل نحن هذه الصورة. ويتجلى ذلك بوضوح في أعمال مثل "منحات المتنبي" و"أبو نواس"، كما في "نقوش على الخواء"، حيث كان هناك دائما حوار، مباشر أو ضمني، مع الآخر وصورتنا في وعيه.

وهذا "الآخر" لا يختزل في كونه كيانا بعيدا أو غريبا، بل قد يكون الصديق، أو الابن، أو الزوجة، أو الحبيبة، أو الرفيق، أو كل ما هو خارج الذات ويقابلها. لذلك كان اشتغالي موجها إلى مساءلة هذا الآخر، كيف نتصوره؟ وكيف نحس بتصوره لنا؟ وكيف تتشكل بين الطرفين تلك المنطقة الرمادية المليئة بالتوترات والتقاطعات وسوء الفهم أحيانا.

إلى جانب ذلك، حضرت في كتاباتي محاولة لبناء رؤية خاصة للعالم، واستحضار التاريخ لا من أجل استعادته كما هو، بل من أجل كتابته من جديد، ومنحه صورة أخرى وقراءة مختلفة. وكثيرا ما تكون الأفكار الأساسية ومنطلقات نصوصي المسرحية عبارة عن قصائد أكتبها، أو أقصوصات قصيرة تتشكل من حين إلى آخر، ثم تتحول لاحقا إلى مادة درامية قابلة للبناء المسرحي.
 
يلاحظ في أعمالك المسرحية الثلاث حضورا طاغيا للمرأة، فكيف تنظر إلى فعل الكتابة المتعلق بالمرأة؟ وهل هي بالنسبة لك مجرد شخصية درامية، أم أنها تحمل أبعادا أعمق من ذلك؟

الكتابة بالنسبة لي ليست مجرد سرد، بل هي كتابة للمرأة، وكتابة عن المرأة، وكتابة عبر المرأة. في مسرحياتي، انتقلت من بياض الانتظار الذي دام ثلاثين عاما في "نقوش على الخواء"، إلى وميض الأمل والبحث عن طريق في "فوانيسي يا بحر"، وصولا إلى تلك المرأة الكاتبة في "مسودات بيضاء" التي اختارت أن ينعاها رجل محب، مؤمنة بأنه الأحرص على حياتها وإرثها.

إنني أتساءل دوما متى تظهر الكتابة عن المرأة؟ ومتى تتجلى الكتابة بالمرأة؟ ومتى تنكشف من خلالها؟ بالنسبة لي، حين يتصل فعل الكتابة بالمرأة، فإنه يتجاوز كونه وصفا لكيان، ليصبح مرتبطا بأبعاد حقوقية واجتماعية، ومحملا برمزيات كبرى كالأرض، والهجرة، والحب، والثورة.

المرأة في هذه الأعمال ليست مجرد شخصية، بل هي حجة أو حيلة سردية ودرامية، قادرة على حمل كل قضايا الكتاب وآرائهم ومواقفهم في مختلف مناحي الحياة. باختصار المرأة في هذه المسرحيات هي قضية الحياة نفسها.

              



في نفس الركن
< >

الجمعة 16 يناير 2026 - 10:16 مُذكِّرات















MyMeteo




Facebook
YouTube
Newsletter
Rss

الاشتراك بالرسالة الاخبارية
أدخل بريدك الإلكتروني للتوصل بآخر الأخبار