العلم الإلكترونية - بقلم أسماء لمسردي
لم تعد أصداء التصعيد العسكري في الشرق الأوسط تقاس بعدد الصواريخ المتبادلة فقط، بل بحجم الارتدادات التي تحدثها في أسواق الطاقة والغذاء عبر العالم، فمع تصاعد المواجهة بين الولايات المتحدة وإسرائيل من جهة وإيران من جهة أخرى، عاد القلق ليخيم على واحد من أهم الشرايين الاقتصادية في العالم "مضيق هرمز"، الممر البحري الذي يعبر منه نحو خمس إمدادات النفط العالمية وكميات ضخمة من الغاز الطبيعي والمواد البتروكيماوية.
الأسواق الدولية بطبيعتها لا تنتظر وقوع الأسوأ حتى تتفاعل؛ يكفي التلويح بإغلاق المضيق أو تعثر الملاحة فيه حتى ترتفع الأسعار وهو ما يُعرف في الأدبيات الاقتصادية بـ"علاوة المخاطر الجيوسياسية"، أي تلك الزيادة التي يضيفها المتعاملون تحسبا لانقطاع محتمل في الإمدادات. خلال أيام قليلة، قفزت أسعار النفط من مستويات تقارب 60 دولارا للبرميل إلى حدود 80 دولارا، مع توقعات في تقارير مالية غربية بإمكانية بلوغ 100 دولار إذا طال أمد الأزمة أو اتسعت رقعتها. وإيران، التي تنتج نحو ثلاثة ملايين برميل يوميا، ليست فقط فاعلا عسكريا في هذا المشهد، بل عنصرا محوريا في معادلة العرض والطلب العالمية.
التوتر لم يتوقف عند النفط، فإعلان قطر للطاقة تعليق جزء من عمليات إنتاج الغاز الطبيعي المسال عقب استهداف منشآت تشغيلية، دفع العقود الأوروبية المرجعية إلى الارتفاع بأكثر من 50 في المائة، في تذكير سريع بأجواء 2022 عندما انفجرت الأسعار مع اندلاع الحرب في أوكرانيا. صحيح أن المستويات الحالية لا تزال بعيدة عن الذروة التاريخية التي تجاوزت 300 يورو للميغاواط ساعة، لكن الرسالة واضحة لأن هشاشة منظومة الطاقة العالمية ما تزال قائمة، وأي صدمة جديدة كفيلة بإعادة إشعال التضخم.
الارتدادات ظهرت كذلك في البورصات والموانئ، إذ سارعت شركات شحن كبرى مثل Maersk وHapag-Lloyd وCMA CGM إلى تعديل مسارات سفنها وفرض رسوم إضافية لتغطية مخاطر الحرب وارتفاع أقساط التأمين. هذه الإجراءات، وإن بدت تقنية، تحمل أثرا مباشرا على المستهلك النهائي؛ فكل زيادة في كلفة الشحن تتحول تدريجيا إلى زيادة في سعر السلع، من الحبوب إلى الأسمدة وصولا إلى المواد المصنعة.
بالنسبة للمغرب، الذي يعتمد بشكل شبه كلي على استيراد حاجياته الطاقية، فإن الصورة تثير قلقا مشروعا، لأن تجربة 2022 لا تزال ماثلة في الأذهان، حين تجاوز النفط 120 دولارا للبرميل وارتفعت الفاتورة الطاقية إلى مستويات قياسية أثقلت الميزان التجاري وضغطت على القدرة الشرائية. اليوم، ومع ارتفاع جديد في أسعار الطاقة، تلوح في الأفق مخاطر عودة موجة تضخمية، تبدأ من محطات الوقود ولا تنتهي عند أسعار المواد الغذائية.
ومع ذلك، لا يزال المشهد مفتوحا على عدة سيناريوهات، فـOPEC تؤكد استمرار الإمدادات، وبعض التقديرات الأمريكية ترى أن الأزمة قد تكون محدودة زمنيا، لكن في عالم مترابط اقتصاديا، يكفي اضطراب ممر بحري ضيق جغرافيا ليتحول إلى ضغط واسع على موائد المستهلكين. وبين رهانات التهدئة واحتمالات التصعيد، يبقى الثابت الوحيد هو أن كلفة التوترات الجيوسياسية لا تدفع في ميادين القتال فقط، بل في فواتير الطاقة وأسعار الخبز أيضا.
رئيسية 








الرئيسية 





