العلم الإلكترونية - بقلم بوشعيب حمراوي
نتأملْ كيف تغيّرت الحروب في عصرنا الحديث؛ فلم تعد تُخاض فقط بالصواريخ والدبابات والطائرات، ولم تكتف بالجيل الجديد من الأسلحة الرقمية والمسيرات. بل أصبحت تدار أيضًا بالكاميرات، والعناوين العاجلة، والبث المباشر، والتحليلات المتلاحقة، والصور المنتقاة بعناية. فالجبهة العسكرية لم تعد وحدها ساحة المواجهة، إذ برزت إلى جانبها جبهة إعلامية لا تقل تأثيرًا وخطورة، تُصاغ فيها الروايات، وتُوجَّه فيها العقول، ويُعاد فيها ترتيب صورة الضحية والجلاد وفق ميزان المصالح والنفوذ.
لقد تحول الإعلام الدولي في كثير من الأزمات من مجرد ناقل للأحداث إلى طرف فاعل فيها، يرفع منسوب التوتر أحيانًا، ويبرر العنف أحيانًا أخرى، أو يفرض صمتًا انتقائيًا حين تتعارض الحقيقة مع حسابات الممولين وأصحاب القرار. لذلك لم يعد السؤال الأساسي: ماذا وقع؟ بل أصبح: كيف قُدِّم ما وقع؟ ومن قدّمه؟ ولمصلحة من؟
حين يتحول الإعلام إلى سلاح غير معلن
الأصل في الإعلام أن يُنوّر الرأي العام، وأن يُقرّب الحقيقة من الناس، وأن يشرح خلفيات الأحداث ويكشف الانتهاكات ويمنح الضحايا صوتًا. لكن في أجواء الحروب، يتحول كثير من الإعلام إلى سلاح ناعم، أخطر أحيانًا من السلاح الصلب. فالرصاصة قد تقتل إنسانًا، أما المعلومة المضللة فقد تقتل وعي شعب بأكمله.
كم من عدوان وُصف بالدفاع عن النفس؟.. وكم من احتلال قُدم باعتباره عملية أمنية؟..وكم من مجزرة جرى تخفيفها بعبارات باردة مثل (أضرار جانبية)؟.. وكم من مقاومة شُوهت لأنها لا تخدم أجندة الممولين؟
في هذه اللحظات، لا يعود الخبر خبرًا، بل يصبح جزءًا من إدارة المعركة. ولا يعود الصحفي ناقلًا للواقع، بل يصبح أحيانًا صانعًا لرواية مطلوبة سلفًا.
المحللون السياسيون… خبراء أم أدوات تعبئة؟
في كل أزمة، تفرز القنوات التلفزيونية الدولية جيشا من المحللين السياسيين والعسكريين والاستراتيجيين. بعضهم يملك الكفاءة والخبرة، لكن كثيرًا منهم ممثلون يوظفون لخدمة أجندات مختلفة.. ناطق غير رسمي باسم دولة، أو ممثل لتيار، أو موظف في خدمة الخط التحريري للمؤسسة التي تستضيفه.
يتحدث أحدهم عن "ضربات دقيقة" بينما الجثث تُنتشل من تحت الركام، ويشرح آخر "حق الرد" بينما الأحياء تُمحى من الخرائط ويُفلسف ثالث (التوازنات الجيوسياسية)، وكأن الأطفال الذين قُتلوا مجرد أرقام في تقرير عسكري.حين يفقد المحلل حسه الإنساني والأخلاقي ، ويتحول إلى مبرر للعنف، يصبح جزءًا من آلة الحرب مهما ارتدى من أناقة ومهما تزين بالمصطلحات.
من يُغطي الحقائق… ومن يُغطي عليها؟
هناك فرق كبير بين من يقوم بتغطية إعلامية لتنوير الرأي العام، وبين من يُغطي على الحقائق والوقائع. الأول يبحث عن الصورة الكاملة، والثاني ينتقي ما يخدمه فقط. الأول يفتح المجال لتعدد الأصوات، والثاني يعيد تدوير الأصوات نفسها. الأول يحترم عقل المشاهد، والثاني يعتبره هدفًا سهلاً للتوجيه.
فكم من قناة أخفت خلفية الصراع، واكتفت بإظهار نتائجه؟. وكم من وسيلة إعلامية تحدثت عن الصاروخ ونسيت الحصار؟. وكم من شاشة بكت على ضحايا هنا، وصمتت عن ضحايا هناك؟. وكم من مؤسسة رفعت شعار المهنية، بينما هي غارقة في الانتقائية؟
إن أخطر ما أصاب الإعلام الدولي هو ازدواجية المعايير. المبادئ نفسها تُطبَّق هنا وتُعطل هناك، بحسب هوية الفاعل، أو موقع الضحية، أو مصلحة الحليف. لأن الهدف لا علاقة له بأخلاقيات المهنية. شركات (وليست منابر) إعلامية، أحدث بمنطق (السعي من أجل الربح ونبذ الخسارة). أو ولدت أساسا لخدمة نظام أو لوبي دولي. تجدها مستعدة لتقسيم شاشاتها على المقاس، وتوزيع مراسلين على المقاس، وغربلة المنتوج الإعلامي على المقاس. وفق ما تقتضيه خطوطها الحمراء والخضراء والصفراء والسوداء... والهدف خدمة الجيوب وأصحاب النفوذ.
نماذج صارخة من التغطيات المتناقضة
في الحرب الأمريكية الإسرائيلية على إيران، رأينا معظم الإعلام الدولي يقدّم القصف باعتباره ضرورة أمنية، بينما تغيب الأسئلة حول القانون الدولي والشرعية، وحول مستقبل المنطقة، وحول الشعوب التي ستدفع الثمن. وفي توترات إيران مع بعض دول الخليج، نجد شاشات تجعل إيران تهديدًا مطلقًا، وأخرى تجعلها ضحية مطلقة، بينما الحقيقة أكثر تعقيدًا من هذا الاستقطاب الحاد. وفي حرب إسرائيل على لبنان، غالبًا ما يُختزل المشهد في تبادل نار، بينما تُهمّش معاناة المدنيين، والانهيار الاجتماعي والاقتصادي، وحق الناس في الأمن.
أما معاناة غزة وفلسطين، فقد فضحت كثيرًا من المؤسسات الإعلامية العالمية. فمنابر تبكي على حجر في مكان، لكنها لا ترى آلاف الأطفال تحت الأنقاض في مكان آخر. وهناك من يساوي بين المحتل والمحاصر باسم (التوازن)، مع أن التوازن الحقيقي يبدأ من الاعتراف بالحق والاحتلال والحصار والكرامة الإنسانية. وفي حرب روسيا على أوكرانيا، شاهد العالم تعبئة إعلامية ضخمة دفاعًا عن مبادئ السيادة ورفض الغزو، وهي مبادئ سليمة، لكن السؤال المشروع: لماذا تُستدعى هذه المبادئ بسرعة هنا، وتُنسى أو تُؤجل في أزمات أخرى؟
الحقيقة واحدة… لكن الروايات كثيرة
الحقيقة في أصلها واحدة، والواقع واحد، والضحايا حقيقيون، والدم لا يختلف لونه من بلد إلى آخر. لكن ما يُقدَّم للمشاهد هو روايات متعددة، بل أحيانًا متناقضة. ليس تعدد الزوايا هو المشكلة، بل صناعة وقائع بديلة، وإجبار الناس على استهلاك نسخ مختلفة من الحدث نفسه.
فتصبح الحقيقة سلعة، يُعرض منها ما يناسب الجمهور المستهدف، وما ينسجم مع المزاج السياسي للمؤسسة الإعلامية، وما يرضي المعلنين أو أصحاب النفوذ.وهكذا يجد المشاهد نفسه تائهًا بين عشرات السرديات، غير قادر على التمييز بين الوقائع والدعاية.
مراسلو الإعلام الحربي… شهداء المهنة وضحايا المؤسسات
من أكثر الصفحات إيلامًا في هذا المشهد، سقوط المراسلين الصحفيين والمصورين الإعلاميين داخل مناطق التوتر وهم يؤدون واجباتهم المهنية، حاملين الكاميرا بدل السلاح. لقد وثقت لجنة حماية الصحفيين ومراسلون بلا حدود ومنظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونسكو) مقتل مئات الصحفيين خلال السنوات الأخيرة في سوريا وأوكرانيا وقطاع غزة والعراق واليمن وغيرها.
وفي كل مرة يُستشهد فيها صحفي، ترتفع بيانات التنديد، وتبث القنوات صور زملائهم، وتُصنع التقارير المؤثرة، وتُرفع شعارات حرية الصحافة. لكن ماذا تغير فعلًا؟ هل حوسب القتلة؟ هل فُرضت عقوبات على من استهدفهم؟ هل استطاعت منظمة الأمم المتحدة وقف نزيف دمائهم بقرارات ملزمة؟ الواقع يقول إن الإفلات من العقاب ما يزال سيد الموقف.
والأشد قسوة أن عددًا من هؤلاء الصحفيين هم أيضًا ضحايا قنواتهم التلفزيونية نفسها. إذ يُدفع بهم إلى أخطر المواقع بحثًا عن السبق والصورة النادرة والفيديو الحصري والشهادات الحية، دون حماية كافية، ولا تجهيزات ملائمة، ولا ضمانات حقيقية.
يخاطر المراسل بحياته، ثم يكتشف أن ما وثقه لن يُبث. كم من صورة التُقطت تحت القصف، وكم من فيديو سُجل وسط الدماء، وكم من شهادة انتُزعت من قلب الخطر، ثم دُفنت داخل رفوف التلفزيون، لأنها لم تمر من منصة ماسح القناة (السكناير)، المجهز بخطوط حمراء خفية، أو لأنها عارضت التعليمات والولاءات السياسية والاقتصادية. أو لأنه تمت مقايضتها أو بيعها. وهكذا يتحول الصحفي من شاهد على الحقيقة إلى ضحية لها، ومن حامل رسالة إلى قربان لمصالح غرف التحرير والإدارة.
المشاهد… الضحية الصامتة
المواطن الذي يتابع الأخبار بحثًا عن الفهم، يجد نفسه أمام سيل من الصراخ، والتناقض، والتخويف، والتحريض، والاستعراض. كثيرون فقدوا شهية المتابعة، ليس لأنهم لا يهتمون بما يجري، بل لأنهم تعبوا من التلاعب بعقولهم. هناك من يراكم المال والرضى والولاءات من نسب المشاهدة، بينما الضحايا الحقيقيون يراكمون الجراح ومعهم المشاهد. وهناك من يتاجر بالمآسي عبر الفواصل الإعلانية، فيما أسر كاملة تموت تحت الأنقاض، أو بالجوع، أو بالتشريد.
العالم اليوم لا يحتاج مزيدًا من القنوات الغاضبة، ولا محللين يتحدثون كقادة جيوش، ولا شاشات تتاجر بالدماء و الدموع والعرق. العالم يحتاج إعلامًا شجاعًا، حرًا، نزيهًا، يحترم عقل الإنسان وحقه في المعرفة.
يحتاج إعلامًا يفضح الكذب مهما كان مصدره، ويواجه التضليل مهما كان مموله، ويمنح الضحايا أسماءً لا أرقامًا، وكرامةً لا استغلالًا، وعدالةً لا انتقائية.
ففي زمن الحرب، قد يسقط الناس برصاصة أو قنبلة، لكن الأخطر أن يسقط العقل تحت وابل الأخبار الموجهة، وأن تُدفن الحقيقة حيّة تحت ركام الشاشات.
رئيسية 








الرئيسية




