*بقلم: بوشعيب حمراوي*
ليس مطلوبًا من الجمهور الأردني أن يصفق لأي مدرب لمجرد أنه مغربي، ولا من الإعلام الأردني أن يغلق دفاتر النقد حتى لا يغضب هذا المدرب أو ذاك. كرة القدم تعيش بالنقد كما تعيش بالنتائج، والمدرب الذي يقبل المسؤولية يعرف مسبقًا أنه سيكون تحت المجهر، وأن تشكيلته وخططه وتبديلاته واختياراته ستخضع للنقاش. لكن هناك مسافة كبيرة بين النقد المهني الذي يساعد على البناء، والنقد الانفعالي الذي يبدأ بالمطالبة برأس المدرب كلما خسر مباراة أو غيّر لاعبًا أو خاض لقاءً وديًا دون المستوى المنتظر.
وهنا تحديدًا تستحق التجربة الأردنية مع المدربين المغاربة وقفة هادئة وعميقة، خصوصًا بعد ثلاث محطات متتالية حملت أسماء الحسين عموتة، وجمال السلامي، ثم بادو الزاكي. فالحديث لم يعد عن مصادفة عابرة، وإنما عن مدرسة تدريبية اختار الاتحاد الأردني العودة إليها ثلاث مرات متتالية، في مرحلة تحولت فيها أحلام «النشامى» من محاولة الذهاب بعيدًا في آسيا إلى لعب نهائي القارة، ثم التأهل إلى كأس العالم، ثم بلوغ نهائي كأس العرب.
ومع ذلك، ما يزال بعض الأصوات يتعامل مع المدرب المغربي وكأن كل ما تحقق جاء رغمًا عنه وليس بمساهمته، وكأن الفوز ملك للاعبين وحدهم، بينما تصبح كل هزيمة مسؤولية المدرب وحده. وهذه معادلة لا تستقيم لا رياضيًا ولا منطقيًا.
قبل المغاربة.. للأردن تاريخ يجب احترامه
الإنصاف يقتضي أولًا رفض مقولة إن عموتة أو السلامي «صنعا كرة القدم الأردنية من الصفر». الأردن بلد له تاريخ كروي، وله لاعبون ومدربون وأندية وجمهور واتحاد راكموا تجارب طويلة قبل وصول المغاربة.
فمنتخب الأردن توج بذهبية دورة الألعاب العربية مرتين، عامي 1997 و1999، وبلغ ربع نهائي كأس آسيا في نسختي 2004 و2011. كما اقترب كثيرًا من المونديال في تصفيات كأس العالم 2014 عندما وصل إلى الملحق العالمي قبل أن يصطدم بأوروغواي. الاتحاد الآسيوي نفسه وثق هذه المحطات عند استعراض تطور الكرة الأردنية.
إذن، ليست القضية أن المغاربة وجدوا أرضًا قاحلة فزرعوها. القضية الأدق أنهم جاءوا إلى كرة أردنية كانت تتقدم وتبحث منذ سنوات عن القفزة الكبرى، ثم تزامنت قيادتهم مع انتقال تلك الكرة إلى مرحلة تاريخية لم تبلغها سابقًا. وهذا هو الفارق الذي لا ينبغي إخفاؤه.
عموتة.. طالب البعض برحيله قبل أن يصنع التاريخ
قد تكون قصة الحسين عموتة أهم درس يمكن للجمهور والإعلام الأردنيين استخلاصه اليوم.
الرجل وصل سنة 2023 بعقد لثلاث سنوات. وبدايته لم تكن وردية؛ جاءت نتائج ودية غير مطمئنة، وتعرض الأردن لهزيمة ثقيلة 1-6 أمام اليابان قبل كأس آسيا، وارتفعت الأصوات المنتقدة. الاعلام الاردني نفسه وثق أن عموتة تعرض قبل البطولة لانتقادات من إعلاميين ومختصين وجمهور، وأن أصواتًا في الشارع الرياضي وصلت إلى المطالبة برحيله. وهنا يجب أن نتوقف.
ماذا لو استجاب الاتحاد الأردني حينها لضجيج الشارع وأقال عموتة قبل كأس آسيا؟. هل كان الأردن سيصل إلى النهائي؟
لا أحد يستطيع الجزم بما كان سيحدث، لكننا نعرف ما حدث فعلًا عندما مُنح الرجل فرصة الاستمرار: المنتخب الذي خسر أمام اليابان بستة أهداف تحول، خلال أسابيع، إلى منتخب يهزم العراق، ويتجاوز طاجيكستان، ثم يسقط كوريا الجنوبية 2-0 في نصف النهائي ويبلغ أول نهائي آسيوي في تاريخ الأردن.
التقرير الفني الرسمي للاتحاد الآسيوي نسب بوضوح إلى عموتة بناء منظومة أردنية منظمة تكتيكيًا، تعتمد على التحولات السريعة والانضباط الدفاعي والتوازن والفاعلية الهجومية، ووصف مشوار الأردن إلى النهائي بأنه مسيرة تاريخية.
فأين ذهب النقد الذي كان يطالب برحيله قبل أسابيع؟
هذه ليست دعوة لمنع النقد، وإنما دعوة إلى شيء أبسط: امنح المدرب وقتًا قبل إصدار الحكم النهائي عليه.
عموتة لم يترك منتخبًا منهارًا.. بل غادر وهو في القمة
هناك أيضًا خلط يجب تصحيحه بشأن رحيل عموتة.
الرواية الرسمية لا تقول إنه أقيل بسبب فشل، ولا تقول إن الاتحاد تخلص منه. الاتحاد الأردني أعلن أنه وافق على طلبه بإنهاء التعاقد بالتراضي بسبب «ظروف خاصة» حالت دون استمراره، وغادر بعدما قاد الأردن إلى نهائي كأس آسيا ثم إلى صدارة مجموعته في المرحلة الثانية من تصفيات مونديال 2026.
صحيح أن الإعلام الأردني تداول بعد رحيله معطيات وتساؤلات أخرى بشأن أجواء عمله وعلاقاته داخل محيط المنتخب، كما ظهرت تقارير تتحدث عن عدم ارتياح وخلافات في بعض التفاصيل.
لكن المؤكد شيء آخر: عموتة اختبر بنفسه قسوة النقد الأردني قبل نجاحه، وخرج من التجربة بعد أقل من عام من عقد كان يفترض أن يستمر ثلاث سنوات. وهذه وحدها إشارة تستحق التفكير.
السلامي.. ورث حملاً أثقل مما يبدو
بعد رحيل عموتة، كان يمكن للاتحاد الأردني أن يقول إن التجربة المغربية انتهت، وأن يبحث في أوروبا أو أمريكا اللاتينية أو آسيا.
لكنه فعل العكس. اختار مغربيًا ثانيًا: جمال السلامي.
وهذا القرار في حد ذاته شهادة على أن الاتحاد لم يعتبر تجربة عموتة فاشلة، بل أراد استمرارية فنية داخل المدرسة نفسها.
السلامي لم يتسلم منتخبًا عاديًا. لقد ورث منتخبًا خرج لتوه من نهائي كأس آسيا، ولذلك أصبح مطلوبًا منه ليس فقط الحفاظ على ما تحقق، بل تحقيق ما هو أكبر. وهذه أحيانًا أصعب مهمة في كرة القدم.
السلامي فعل ما لم يفعله أحد قبله من مدربي المنتخب الاردني: أخذ الأردن إلى المونديال
يمكن مناقشة أسلوب جمال السلامي ساعات طويلة، ويمكن انتقاد اختياراته، لكن هناك رقمًا لن تمحوه الاستوديوهات ولا مواقع التواصل الاجتماعي: الأردن تأهل إلى كأس العالم لأول مرة في تاريخه تحت قيادة جمال السلامي.
في يونيو 2025 فاز «النشامى» على عُمان 3-0، ثم حُسم التأهل ليصبح مونديال 2026 أول مشاركة للأردن في أكبر مسابقة كروية في العالم. و الفيفا أكدت أن السلامي نجح في البناء على العمل الذي بدأه مواطنه عموتة، وقاد المنتخب إلى تجاوز عقدة تسع محاولات سابقة لم تنته بالتأهل. هذه ليست بطولة ودية. وليست مباراة استعراضية. إنها كأس العالم.
الحلم الذي طارد الكرة الأردنية لعقود أصبح حقيقة في عهد مدرب مغربي. فهل يجوز بعد ذلك التعامل معه وكأنه لم يقدم شيئًا؟
ثم جاء نهائي كأس العرب ولم يتوقف المسار عند المونديال.
في كأس العرب FIFA 2025، قاد جمال السلامي الأردن إلى المباراة النهائية بعد مشوار قوي، وتجاوز السعودية في نصف النهائي، ثم واجه المغرب في نهائي مثير انتهى 3-2 بعد الأشواط الإضافية. كما أنهى الأردني علي علوان البطولة هدافًا بستة أهداف.
وهنا أصبح سجل المرحلة المغربية واضحًا:
عموتة: نهائي كأس آسيا لأول مرة.
السلامي: التأهل إلى كأس العالم لأول مرة.
السلامي: نهائي كأس العرب.
ثلاث محطات كبرى خلال فترة قصيرة جدًا من تاريخ منتخب عاش عقودًا وهو يطارد مثل هذه اللحظات.
القول إن اللاعبين الأردنيين أصحاب فضل أساسي صحيح مائة في المائة. فهم الذين ركضوا وسجلوا ودافعوا وتحملوا الضغط.
لكن هل يمكن أن نعترف بدور اللاعب ونلغي دور المدرب؟
إذا كان المدرب بلا قيمة عند الانتصار، فلماذا يصبح فجأة المسؤول الأول عن الهزيمة؟
النقد لم يتوقف حتى بعد تحقيق الحلم
المفارقة أن تأهل السلامي إلى المونديال لم يمنحه حصانة حتى مؤقتة من النقد. خلال فترة الإعداد لكأس العالم، ظهرت انتقادات بسبب المباريات الودية، وإغلاق بعض اللقاءات، وثبات التشكيلة، واختيارات اللاعبين، وغياب أسماء كانت الجماهير ترى أنها تستحق الحضور. الاعلام الاردني وثق جانبًا واسعًا من هذا الجدل، بما في ذلك انتقادات جماهيرية وفنية متكررة للسلامي قبل المونديال.
والنقد هنا مشروع في أصله.
لكن المشكلة تبدأ عندما يتحول النقاش من: «هل أخطأ المدرب في هذه الخطة؟» إلى: «هذا المدرب لا يصلح ويجب أن يرحل».
هناك فرق بين تقييم القرار وإعدام صاحبه. المدرب قد يخطئ في مباراة وينجح في مشروع. وقد يسيء اختيار لاعب ويصيب في بناء منتخب كامل.
المونديال فتح أبواب الغضب من جديد
خرج الأردن من كأس العالم 2026 من الدور الأول بعد ثلاث هزائم أمام النمسا والجزائر والأرجنتين، وهي مشاركة أولى في تاريخ المنتخب، وفي مجموعة تضم بطل العالم الأرجنتين ومنتخبين قويين. كان من الطبيعي تحليل الإخفاقات الفنية. وكان من الطبيعي مساءلة السلامي. لكن موجة النقد كانت قوية، وتحدثت الصحافة الأردنية عن انقسام واضح حول مستقبله، ثم عن ترحيب واسع برحيله عند انتهاء التجربة. والسؤال هنا ليس: هل كان يجب أن يبقى السلامي إلى الأبد؟
طبعًا لا... السؤال هو: هل وضعنا المشاركة الأولى في المونديال داخل سياقها التاريخي، أم تعاملنا معها وكأن الأردن كان مطالبًا بالذهاب إلى نصف النهائي؟
الطموح مطلوب، لكن الطموح شيء، وإلغاء الفوارق والخبرة والتجربة شيء آخر. هل رحل السلامي بسبب الإعلام والجمهور؟
هنا يجب أن نكون دقيقين. لا توجد، في ما هو معلن رسميًا، وثيقة تقول إن جمال السلامي قدم استقالته «بسبب الإعلام» أو «بسبب الجمهور».
الاتحاد الأردني أعلن في يوليو 2026 قبول استقالة السلامي وجهازه الفني، قبل أن يعيّن بادو الزاكي. أما الأمير علي بن الحسين فقد ودعه بكلمات تقدير كبيرة، ووصف تجربته مع النشامى بأنها «استثنائية»، وشكره على مساهمته في تحقيق التأهل التاريخي لكأس العالم.
والآن جاء بادو الزاكي.. فهل يبدأ الفيلم نفسه؟
بعد عموتة والسلامي، اختار الاتحاد الأردني مدربًا مغربيًا ثالثًا.
إنه بادو الزاكي. وهنا يصبح سؤال الذين يقللون من قيمة المدرسة المغربية مشروعًا جدًا: إذا كانت التجربتان السابقتان سيئتين كما يحاول البعض تصويرهما، فلماذا يعود الاتحاد الأردني للمرة الثالثة إلى المغرب؟
الجواب يمكن استخلاصه من القرار نفسه. الاتحاد يعرف أكثر من الجمهور تفاصيل ما دار داخل المنتخب. ويعرف طبيعة العمل الذي قام به عموتة والسلامي. ومع ذلك وضع مشروعه مجددًا بين يدي مدرب مغربي. هذا ليس مجاملة للمغرب.
الاتحادات لا تجامل عندما يتعلق الأمر بمنتخب بلد. و الزاكي ليس اسمًا يبحث عن سيرة ذاتية.
ولمن يحاول اختزال بادو الزاكي في مدرب قادم لاستكمال سلسلة المغاربة فقط، فإن الرجل يصل محمّلًا بتاريخ كروي يصعب تجاهله.
الزاكي كان من نجوم المغرب في مونديال المكسيك 1986 التاريخي، وتوج في السنة نفسها أفضل لاعب إفريقي وفاز بالمرة الذهبية الأفريقية . ثم انتقل إلى التدريب وقاد المنتخب المغربي إلى نهائي كأس إفريقيا للأمم 2004، كما درب منتخبي السودان والنيجر قبل الأردن، وقاد عدة أندية، من بينها الوداد والفتح الرباطي والكوكب المراكشي واتحاد طنجة وغيرها. الاتحاد الأردني نفسه استعرض هذه السيرة عند الإعلان عن التعاقد معه في 19 يوليو 2026 بعقد لعام قابل للتجديد.
هو مدرب قابل للنقد بالتأكيد. قد ينجح وقد يفشل. وقد يختلف الأردنيون معه كما اختلفوا مع سابقيه.لكن العدالة تقتضي أن يبدأ من الصفر، لا من رصيد الخصومة التي خلفتها نقاشات عموتة والسلامي.
لا تطلبوا من الزاكي الفوز قبل أن يتدرب المنتخب.
الخطر الحقيقي أن تبدأ الآن الحلقة الثالثة من السيناريو نفسه.
أول قائمة للزاكي: لماذا اختار فلانًا؟
أول تعادل: المدرب دفاعي.
أول خسارة ودية: المدرب انتهى.
أول لاعب يجلس احتياطيًا: الزاكي لا يعرف الكرة الأردنية.
ثم تنطلق الاستوديوهات والمحاكم الرقمية.
إذا حدث ذلك، فالمشكلة لن تكون مغربية ولا أردنية؛ ستكون مشكلة ثقافة رياضية تعتبر الاستقرار ضعفًا والصبر تهاونًا.
لا يوجد مدرب في العالم يقدم ضمانًا مكتوبًا بالفوز.
المدرب يحتاج أدوات ووقتًا ومباريات وتجارب وأخطاء وتصحيحًا.
رئيسية 








الرئيسية 






